ما الذي سيحدث لو قامت الحكومة بالاستجابة لجميع مطالب موظفيها بزيادة الرواتب، ألا تعتبر كل فئة ما تقدمه من خدمات للمواطنين أمراً على قدر كبير من الأهمية والحساسية؟ وهل يمكن مثلاً الاستغناء عن الممرضين، وهل تتحمل الأردن إضراباً للأطباء؟

نظرياً توجد حدود لزيادات الرواتب التي تدفعها الحكومة، أو يدفعها المواطنون نظير الخدمات التي تقدمها الحكومة، ونظرياً أيضاً فالحكومة يمكن أن تواصل الاقتراض ولو بتكلفة عالية لتغطية هذه المتطلبات، فالحمد لله تتمتع مؤسسة البنك المركزي باستقلالية ونضج يحول دون زيادة المعروض النقدي أو طباعة الأموال للتبسيط، ولا يتبقى سوى الاقتراض.

ما المشكلة أن نواصل الاقتراض فالدين في لبنان مثلاً يفوق كثيراً الدين في الأردن؟ الموظفون الذين هم أيضاً مواطنون يريدون المزيد من المال بدعوى أن ذلك سينشط السوق ويولد الوظائف.

حسناً، يقوم الاقتصاد على مبدأ التوازن، فمزيد من المال في السوق يمكن أن يؤدي عند نقطة معينة إلى التضخم، أي زيادة الأسعار بناء على أن الإنتاجية لم تتزايد في الحقيقة، وفي دولة تزيد وارداتها عن صادراتها وتحتاج لذلك عملة قوية فإن زيادة الدخول ليست هي الحل، والمدخل للتوازن يتحقق من خلال الاستثمار لزيادة الإنتاجية ورفع الصادرات المباشرة وغير المباشرة مثل العمالة المدربة واستقطاب مزيد من السياحة.

تحتاج الحكومة تقديم حلول جذرية تتعلق بالإنتاج، ونجاح الحكومة في هذا السياق يجب أم بكون معيار تقييمها الأساسي، أما استخدام الإنفاق من خلال زيادة الرواتب والمشاريع الرأسمالية فلن يؤدي سوى لتحويل المشكلة إلى التوازنات الأخرى ومنها النقدية وبذلك سيدفع المجتمع ككل تكلفة القرارات الاسترضائية لفئات مجتمعية معينة.

يجب عقلنة المطالب المالية، فإذا كانت علاوة المعلمين قابلة للاستيعاب وربما تعطي أثراً إيجابياً، فزيادات أخرى قد تؤدي إلى نتائج سلبية في هذه المرحلة، ولا يعفي ذلك الحكومة من توظيف أدواتها من خلال التعليمات والنظم المختلفة لتنشيط الاقتصاد من خلال خطوات جريئة ومدروسة لمواجهة العوائق البيروقراطية أمام الاستثمار والعمل على تفعيل الدور الرقابي لمنع أية ممارسات احتكارية والتشجيع على مزيد من المنافسة، ومراجعة الاتفاقيات التجارية ومحصلتها الصافية والاستماع لممثلي القطاعات الاقتصادية بتوازن بين الانفتاح والحذر، مع التركيز على ما يصرح به محافظ البنك المركزي من وقت إلى آخر وما لا يصرح به أيضاً.