إربد - أحمد الخطيب

«بنُشْ مارك»، عنوان لافت لعمل روائي يتصل بالواقع، في سياق احتساب المساحات الفاصلة بين الشخصيات وظلالها، أو لتشكيل نقطة مركزية تنحصر في بؤرة واحدة تكون مدخلاً للسرد، عنوان جاء من واقع علم المساحة، العلم الذي تخصص به مؤلفه الروائي توفيق جاد الله، مستنداً على الوعي المطلوب في تقصّي المؤثرات التي تتركها نقطة الارتكاز على محيط المناطق الممسوحة تفاعلياً.

«بنش مارك» العمل الجديد للروائي جاد الله، الواقع في 182 صفحة من القطع الوسط، والمدعوم من وزارة الثقافة الأردنية، يأتي في سياق الأدب الواقعي، الذي ينبش في حركة المجتمع والعلاقات التي تقوم بين أفراده، ويتخذ من معاناتهم أو إشراقهم مساحة للولوج إلى الهدف الكلي للعمل، بدءاً من انثيالات النفس، مروراً بالتقلبات اليومية، وانتهاء بمجرور الذات إلى مراياها. تنطلق الرواية كما يوضح الروائي محمد فتحي المقداد في قراءة له، «من البيت في الرصيفة إلى مدينة عمان، وفي مطعم شعبي وبطريق الصّدفة البحتة بين «يزن» الذي تعرّف إلى صد?ق طفولته «قيس» بملامحه المختزنة في ذاكرة رغم التغيّرات الظاهرة عليهما، مضيفاً وفي مقهى السنترال في عمان تحادثا وتواعدا بلقاء آخر الأسبوع القادم، وكان أن أهدى (قيس) روايته (بنش مارك) إلى صديقه يزن، وقد وثّق فيها سيرته ودقائق حياته». ويضيف المقداد الرواية «انحازت للقيم الإنسانيّة المشتركة، وهموم وأحلام البسطاء ناقلة دقائق حياتهم بأمانة، وسلّطت الضوء على المشاعر والأحاسيس لأبطالها، وتشابكات العلاقات الناظمة لحياتهم، والصراع بين الخير والشرّ، والطمع والجشع، وقضية زواج القاصرات طمعًا بالمال وبريقه الذي أغرى الأ? الأكبر باغتصاب جزء هام من أرض أخيه دون رادع من دين أو خُلُق، لافتاً إلى أن الحياة تدور دورتها بلا استئذان من أحد، ولا تتوقف عند حدث أو شخص معيّن».

تتحرك الرواية في مستويين، الأول استدعائي يشكل الجزء الأكبر من صفحات العمل، حيث العمل وتنوعاه للشخصيات المحورية التي وضعها الروائي كنقطة ارتكاز للوصول إلى مادته السردية الروائية، والثاني استدراكي يتمثل بالرؤى التي يسقطها الروائي على الشخصيات وما جاورها من أحداث.

تشكل بنية السرد في عالمه المستند على التداعي، فضاءً لتقديم مرجعيات العمل، إذ تكشف مثل هذه البنية عن الاستطراد في تقديم الأسئلة مع أجوبتها، وتقديم الدلالة على المعنى المشروط بالجملة، إلى ذلك تفصح البنية عن إيقاع اللعبة وتدخل الراوي في عملية تحريك المشاهد، وتقديم المرجعيات الموروثة لتأخذ مكانها في تقريب وجهات النظر بين شخصيات العمل، أو على اقل تقدير للكشف عن ماهية الشخصية وتوجهاتها، كما نقرأ في الجمل التالية: «الكبار لا يلقون بالا لحبّ الصغار، وقليلا ما يؤمنون به» أو «ما هكذا تكون الرجال يا ولدي، تجلد واصبر»?أو «الحجر بمطرحه قنطار».

يضع الروائي جاد الله الحوار في عمله الجديد موضع الهامش، فأحياناً ينفرد الحوار ليأتي حسب شهية القول، قول الشخصيات واستنطاقهم، وأحياناً يرتبط بديناميكية السرد، فيأتي في سياقات الوصف والبناء، كلّ هذا مناط بالتحولات التي يحركها الراوي للأحداث، أو الشخصية نفسها التي تقف على عتبة تشكيل مجتمعها الخاص.

يقول جاد الله في مسرودات روايته الجديدة: «في الداخل أحسست بأنني أسير في داخل السوق، أصوات وضحكات ترتفع، ضربات على الطاولات ترافقها التعليقات بأن من ألقى بورقة الشدّة هو بطل، وقد عمل عملا يعجز عن مثله الباقون، الجرسون يطلب المشروبات من جانب الطاولة التي تحتاج إلى الطلبات، يتففن في إصدار أسماء المشروبات بنغمات يقلبها كيفما يريد، الطاولات شبه ممتلئة، جلسنا بالقرب من المطبخ الذي هو عبارة عن جزء من محيط المقهى الداخلي».

يشار أن الروائي جاد الله، أصدر قبل هذه الرواية، مجموعة قصصية بعنوان «الصرير»، أتبعها برواية » الغداء الأخير»، وهو عضو اتحاد الكتاب الأردنيين والعديد من الهيئات الثقافية في الأردن.