عمان- إبراهيم السواعير

حقق فيلم "لست وحيداً" الذي استهل مهرجان الأردن الدولي للأفلام الثلاثاء، حضوراً عالياً من حيث تفاعل الجمهور على تنوّع مستوياته وشرائحه العمريّة، لاندماجهم في الدور الذي أدّاه الفنان الأردني المبدع أحمد العمري، ولطغيان الصورة على المنطوق مما اعتاده المتلقي في الحوارات والتبريرات وتفاصيل قديمة خرج منها الحضور بفلسفة وصلته بمؤثرات الفيلم المشغول عبر ورشة لوزارة الثقافة وينافس في الجائزة الرسمية للمهرجان التي تعلن الأحد في ختام دروته السابعة الذي تتنافس فيها عشرة أعمال عربية وأوروبية وآسيوية.

وعبّر حضور نخبوي وعام عن رضاه عن مستوى المشغوليّة وقصديّة المنافسة الموضوعيّة للفيلم الذي أخرجه أشرف العبادي وخضع لقراءة الأفكار وإعادتها من خلال ورشة اللجنة الفنية المكوّنة من مدير المهرجان عبدالكريم الجراح والدكتور محمد البطوش ورولا حجّة وفراس طيبة، ورأوا أنّ ثيمة العمل لبّتها مقدرة الفنان العمري، الذي اشتهر فناناً مسرحياً، واللمسات الإخراجيّة لبطل الفيلم الذي يعيش ظروفاً استنسخها بشر كثيرون مثله اتخذوا من العشوائيّات والمجاري والنفايات بيوتاً لهم وتعايشوا معها، تماماً مثلما فعل الموسيقي النخبوي الذي تكالبت على رأسه هموم الاحتياجات اليومية وأجرة البيت، فاضطرّ للفرار من ذلك، لتودي به مخاوفه إلى أن يعايش الجرذان في ظروف صعبة، ليكتشف الحقيقة المبكية المضحكة وهي أنّه ليس وحيداً فيما يقاسي أو يعيش. ولذلك كانت تاء "لست" تحتمل حالةً من رضا البطل إذا كان الحديث له، أو محاولة إرضائه بأن يعيش إذا كان الخطاب موجّهاً له من آخرين.

وسواءً، كان البطل يستدعي الأحداث أو انجرف إليها مع الشتاء المتهاطل بقوّة فراراً من معاضل ماليّة، إلا أنّ انسجامه مع الدور تأكّد من خلال لقطات إخراجيّة معبّرة، وصفها متابعون ونقاد بالاحترافيّة، من مؤثرات صوتية وموسيقيّة حزينة مرةً ومتسارعة حيناً بحسب الحالة قيد المفاجأة أو الخوف، كما لعبت المشاهد التي التقطتها عين الكاميرا في تقريب تفاصيل البيوت والنفايات والمقاطع المتقصّدة، ومعاندة البطل للظرف الجديد وخوفه منه قبل أن يطمئن إليه ويصبح أقصى طموحه أن يصاحبه أو يتعايش معه، وفي الفيلم برز بصيص النور من اتجاهين، الأوّل من مصدر كهربائي ينطفئ ويضيء والآخر من خلال برميل كان وسيلة البطل لفضاء أوسع من المعاناة مع أشباهه الذين تعايشوا مع الحالة ونادوا بالكرامة من خلال أصوات كانت تصل إليه عن قرب قبل أن يكتشفها حقيقةً، ولذلك كانت نظارته هي النظّارة الطبيعية من غير رتوش أو أبعاد غير حقيقيّة، ببساطة لأنّها كانت مفتوحةً على عالم ليس بينه وبين البطل أيّ حواجز أو زجاح، وهي مؤشّرات حالة الهموم اليوميّة التي يعانيها قطاع عريض من المسحوقين أو المهمّشين.

ولفت في الفيلم تشبّث البطل الموسيقي بأوراقه وموسيقاه المكتوبة حتى آخر لحظة، بالرغم من ركام الأكياس المكدّسة، والتي تحيل إلى فضلات الطبقات الغنيّة التي فيها ما ينفع فقراء يتعيّشون على هامشهم، وفيها عالم يمكن أن يفرح به المهمّشون فيصنعوا منه عالماً خاصّاً بهم، عبّرت عنه ألعاب أطفال طافت وبشكل عفوي في سيل بات يهدأ ويستقرّ معه البطل، الذي عانى وضمّد جراحه بموادّه الذّاتية التي تحيل أيضاً إلى وضع جديد عليه أن يعيشه ويعتمد على نفسه فيه.

وقت الفيلم كان مناسباً لم يشعر به الحضور بالملل، إذ شدّتهم تفاصيل الفنان الواضحة المعالم وانسجامه في الدور، كما أنّ الشتاء، الذي يرمز من المنظور الأدبي إلى المحمول النفسي أو حالة الخلاص من المعاناة، كان له حضوره صوتاً ومادةً حقيقيّةً غاص في تفاصيلها أحمد العمري بكامل قامته وضحكاته وخوفه وتأملاته، وأخيراً الضحكة التي تمخّضت عن أحزان لحالةٍ لم يكن الوحيد فيها، بل إنّ جيراناً من مثل حالته استمرأوا الوضع واطمئنوا إلى عالمهم فيه، حتى أنّهم كانوا يعتادونه كأيّ بيتٍ عاديٍ أو أثير يصنعون منه حياةً، ومع أنّها مفروضةٌ إلا أنّها تظلّ تضجّ بالحركة والجلبة اليوميّة، ولذلك كان البطل بكامل أثاث البيت الذي يبدوا أنّه يستدعي فيه ذكريات الانجراف الأولى تحت وطأة ما يعانيه من هموم.

يحسب لورشة الفيلم أنّه كان مواكباً جيّداً للظرف اليومي الاقتصادي والاجتماعي، من حيث عجز قطاع كبير من الناس عن تأمين مصاريفهم الثابتة في أجور البيوت ودفع فواتير الكهرباء والمياه، وكلّ ذلك في الحقيقة هو دفع لفواتير سياسيّة في نهاية المطاف، عبّرت عنها أصوات قرعت مسامع البطل وتنادي بالكرامة والعيش الكريم لعائلات وأطفال أثّروا في الحضور الذي عبّر عن حزنه وفرحته بفكرة العمل وتقنيات التوصيل بأن صفّق طويلاً في نهاية العرض.

ويمكن القول إنّ الاستهلال بفيلم أردني جاء نتاجاً قويّاً لورشة أردنيّة رأت أنّه لا بدّ من أن يقتنع الضيف بجدوى عمل المستضيف؛ لكي لا نبقى نقول إنّ أعمالنا لم تكن لتنافس مع أعمال الأشقّاء والأصدقاء، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أشاع الفيلم في ردهات المركز الثقافي الملكي أحاديث الإعجاب والإشادة، ومنح الحضور، متنوّع الاهتمامات والتخصصات، ثقافة الفيلم الجيّد، مُستحسن الأداء، وحتى أثناء العرض كان العمل مستفزّاً للحضور لأن تتزايد وشوشاتهم وابتساماتهم الدّامية أمام عمل ظلّ محوراً لمناقشة واستيضاحات وتبادل رأي لكلّ الحضور، حتى أنّه كان موضوع حوار إيمائي لوزير الثقافة مع أمينها العام، حيث قرأ الأوّل الموضوع من منظوره الفكريّ، في حين وافقه الثاني ومدّه بتقنيات الفنّ السابع وعوالمه التي تقرأ الصورة والحركة والصوت والظلال والنور والنصّ والإحالات والرسائل أو ثيم العمل المقصودة في هذا الموضوع أو ذاك.

لكن، ومن أحاديث في الأروقة، كان ثمّة تباين في مصاحبات البطل، من موبايل كان يائساً هو الآخر من أن تسري فيه شرارة من الدفء، بدا كأنّه تمّ شراؤه للتوّ من محلٍّ قريب، ومن مقطع لجدار ساطع فخم انجرف بفعل طوفان الماء، وكان يفترض أنّه يتبع عمارةً بائسة وقديمة فرّ منها البطل، أو من جزء من ملابس لم يظهر انّها ابتلّت بالماء،... وفي الواقع يمكن أن يحيل ذلك إلى فترة طويلة من معايشة المكان، بدليل وجود مستلزمات ضرورية كالسرير والكهرباء المعلّقة وأشياء على فوضويّتها تمّ توظيب البيت الجديد بها من مدّة، مثلما فعل الجيران الذين محوا عن البطل غربته،.. وهي آراء احتماليّة في النهاية لا تنفي أهميّة الفيلم ومعالجته لثيمة يعيشها الناس على مدار السّاعة، فقد استطاع أن يلفت وأن يبشّر بعالم جديد احترافي له شروط في فن ما يزال الأردن من الدول المؤلفة قلوبها في صناعة الفيلم.