معان - هارون آل خطاب

يحظى سوق معان القديم باهتمام سكان المحافظة وزوارها من أبناء الوطن ومختلف بقاع العالم؛ كونه يحتوي على بضائع فريدة ذات مواصفات وطابع خاص.

وتتميز بعض ابنية السوق التجاري القديم في معان أو ما يسمى بسوق البدو، بالأبنية التراثية القديمة التي بنيت من الحجر الأصفر المستخرج من طبيعة المكان واعتمد بناؤها على الموارد المصنعة محليًا كالأخشاب والطين والقصب وشجر النخيل مدعمة بجسور حديدي في بعض الأحيان وذات طابع إسلام جميل.

وتتناثر المحلات التجارية والتي تعود لمئات السنين على امتداد الشارع الوحيد في تناغم وانسجام رائع، رغم تغير الطابع المعماري في البناء لبعض المحلات بالطراز الحديث جراء أحداث تاريخية مرت على المدينة كسيل معان والذي لعب دورًا كبيرًا في تغير ملامح التجارة والإعمار في المكان مع المحافظة على ما يعرض فيها من منتجات تكسبها تنوعًا ورونقًا وبهاءً ويؤهلها ان تكون منطقة جذب سياحي.

وان كان السوق القديم ومن خلال مرتاديه من أبناء البادية والأرياف والزوار يجعل له خصوصية فريدة وان بدأت تتلاشى مع مرور الزمن؛ نظرًا للتطورات المعاصرة والابتعاد عن استخدام الادوات البسيطة واليدوية والتوجه نحو الحياة المدنية المتطورة والتي تعتمد على التكنولوجيا والاسعار الاقل، إلا أن ما يميز ذلك السوق أنك أن تجد فيه كل ما تحتاج من ادوات تتعلق بالزراعة البدائية واحتياجات الفلاحين من الادوات، اضافة إلى المواد التي يستخدمها البدو من الصوف والشعر وادوات صنع الألبان والتبغ وبيوت السلاح والأقمشة والتمور ومستلزماتهم المعيشية، إضافة إلى ما يلزم دوابهم وإبلهم من شعير وأعلاف وغيرها.

والزائر للسوق يلمح ويشتم روائح العطارة والبذور والزعتر والحناء والزهورات والشموع والسكاكر والبهارات بكافة انواعها ليشكل تمازجها نموذجًا فريدًا من رائحة عبقة تكاد تكون مرئية وملموسة لفرط شدتها وقوة حضورها ولتنقل الزائر إلى أجوائها الخاصة وتضعه وجهًا لوجه أمام أحاسيس مختلطة يصعب معها تحديد الزمان الحاضر، وتخطفه إلى بعض أزمنة مضت، فإن حاول التملص من سحرها سكنت أنفه واعدة بمحاولات أخرى إن هو تجرأ على ولوج ساحة تأثيرها بمقاومة أضعف.

أما عن المعروضات، فبعضها شهير بما يكفي لأن تعرفه عن بعد، ولكن بعضها الآخر يفاجئك بغرابة شكله واسمه الموضوع على لائحة كرتونية، منتجات لا تعرف هل هي من أصل نباتي أو حيواني،، في حين تنشغل الأرصفة على الطرفين بما أخرجته المحال من أحشائها من سلل واواني للطبخ وبعض انواع المواقد وادوات القهوة والمناقل وغيرها من الادوات في صورة ترويجية ولا اجمل تجذب اليها مرتادي السوق وتشجعهم على الشراء.

وقال التاجر ياسين كريشان بالرغم من أن السوق فقد من أهميته بنشوء الأسواق العصرية الحديثة، إلا أنه استطاع أن يبقي لنفسه دورًا لا يمكن تجاوزه والاستغناء عنه واخترع دورًا سياحيًا وثقافيًا يوازي ما فقده لحساب الحداثة.

وأضاف: لقد كان السوق في القديم يرتاده ابناء البادية للشراء والمقايضة مع ابناء المدينة وأهل القرى المتناثرة في إرجاء المحافظة بالإضافة إلى أبناء الدول العربية القريبة كالسعودية وبلاد الشام خاصة عند مرورهم باتجاه الديار المقدسة لتأدية المناسك الدينية فينتعش السوق وتخلق حالة من التواصل الاجتماعي والثقافي بين أبناء تلك الدول والتي كانت تبعث في النفس السعادة والسرور حتى جاء سيل معان عام 1966 ليسهم في تغير ملامح ومعالم بعض المحال التجارية ومنذ ذلك الوقت تراجعت الحركة التجارية في السوق.

واشار إلى أن الناظر لتلك المحلات يستغرب كثيرًا من بعض الاسماء التي لازالت موجودة وتحملها تلك منها شكسبير، والقناطر، والتي كانت تحمل من الدلالت والمعاني ما يعرفها الاباء والاجداد.

وبين أن العوامل السياسية من تضيق على الحدود في الدخول إلى الدول المجاورة والوسائل الحديثة في المواصلات والتمدن ساهمت بشكل كبير في عودة الأمور إلى الوراء إلا أن ذلك لم يلغ الحاجة الى زيارة هذه الاسواق والشراء منها رغم ما تفتقده من ميزات السوق الرئيس كونها لازالت تحافظ على الموروث القديم من ادوات إضافة إلى سعرها الزهيد الذي يقارب سعر الجملة، مقارنة مع ما تضمه البقالات الحديثة والسوبر ماركات التي تضيف إلى الأسعار مبلغًا لا يستهان به كي تغطي تكاليف أناقتها المبالغ فيها واجورها المرتفعة.

مدير سياحة محافظة معان الدكتور ياسين صلاح اشار إلى أهمية سوق معان القديم أو ما يسمى بسوق البدو كونه لازال يشكل نشاطًا نوعيًا للتجارة في معان ويعد واحدًا من اهم الاماكن السياحية في المدينة ويمتد من قلعة السرايا العثمانية إلى الشمال بطول كيلومتر.

وبين ان السوق يعود تأسيسه الى أواخر القرن التاسع عشر وأضيفت إليه الكثير من البنايات عام 1921 في فترة الإمارة وأطلق عليه مسميات منها السوق القديم أو سوق معان أو سوق البدو أو سوق عقيل نسبة إلى قبائل عقيل التي كانت ترتاده وتقيم فيه أسابيع تمهيدًا لمتابعة مسيرها نحو بلاد الشام لتبيع أصوافها وألبانها ومواشيها.

واشار إلى ان البدو هم المرتادون الرئيسيون للسوق منذ القديم وحتى يومنا هذا حيث كانت المجموعات البدوية ترتاد السوق وتجري المعاملات التجارية من بيع وشراء وتبادل سلعي بسيط ومقايضات وشتى صنوف النشاطات الاقتصادية الأولية البدائية حيث كان البدو يجلبون الصوف والشعر والألبان والماشية والإبل لبيعها ويبتاعون البن والتبغ والسلاح والأقمشة والتمور ومستلزماتهم المعيشية لهم ولدوابهم وإبلهم من شعير وأعلاف وغيرها.

ولفت صلاح إلى ان السوق يشكل اليوم مع السرايا العثماني (سابقًا) متحف معان التراثي حديثًا، إضافة الى متنزه الملك عبد الله الثاني وقصر الملك المؤسس، نقطة جذب سياحية للكثير من الزوار من ابناء الوطن وغيرهم خاصة مع سعي وزارة السياحة للترويج لتلك المواقع بحيث تشكل بالاضافة إلى البترا وقلعة الشوبك واذرح مكانًا يقصده السياح من كافة بقاع العالم.