هناك حكاية شعبية تُروى لمقاربة الأحداث التي يتدخل فيها صغار لا يستطيعون حيلة ولا مقدرة وفقط للاستعراض الممجوج، فحوى الحكاية أن أحد الرعاة كان يرعى أغنامه فيما كان الثعلب «ابو الحصين»، الذي لا يستطيع الصيد سوى في أقنان الدجاج، يراقب المشهد من بعيد لأيام وهو يحلم باختطاف خاروف يسدد بلحمه فواتير الجوع المتراكمة عليه، وفجأة برز ذئب من غامض علم الله فاختطف خاروفا وراح يجري مبتعدا، فما كان من الراعي إلا الجرّي خلف الذئب وهو يضرب عصاه بالأرض وينادي على الذئب: أترك الخاروف، أما أبو الحصين فكان يجري بعيدا خلف الراعي والذئب الصياد وهو يقول: والله ما نتركه، ففاز الذئب وبقي ابو الحصين على جوعه.

قصة ابو الحصين تتكرر يوميا مع العديد من الثعالب على مختلف المستويات الدفاعية، فنجد أشخاصا جاءت بهم حقول الدولة ليتمتعوا بدجاج القرى الحكومية، ثم أخرجوا منها بلا أي إنجاز يمكن أن ينسب لهم ومعهم بعض المراقبين على الساحة العامة، يتنطعون ويتقافزون في وجه الأحداث رغم أن أحدا لا ينتظر منهم أي فائدة، فنجدهم يتهافتون بالدفاع عن الذئاب المتوحشة علّهم يحصلون على منفعة خاصة يسدون بها جوعهم المزّمن للشهرة أو لتدفئة جيوبهم، وغالبا ما تكون المحاولات فاشلة، إذ لا أحد يقيم لهم وزنا ولا يؤخذ برأيهم، وتراهم على موائد المتفضلين ولا أحد يعرف لبيوتهم طريقا، إنهم الثعالب.

في تاريخ الدولة الأردنية سجلت شخصيات عظيمة إنجازات عظيمة، وأسست لمشروع الدولة الذي بقي مساره يتصاعد حتى أصبح الأردن دولة مهابة، دولة ولّادة للعبقريات والخبرات والرؤى في مختلف نواحي الحياة العملية التشريعية والتربوية والاقتصادية والقضائية والعسكرية، حتى الدراما الأردنية كانت تتصدر شاشات التلفزة العربية أيام الزمن الجميل كما يصفونه، وهذا لم يأت إلا في مرحلة المنافسة الشريفة وحسن اختيار الأشخاص وتنسيبهم لمناصب تناسب خبراتهم وقوة قرارهم وإيمانهم بوطنهم الذي يرونه عالما حيّا متكاملا يحتاج منهم أن يدعموه بالفكر والعمل والبذل للحفاظ على مقدراته ومستقبل أجياله، فما الذي تغير، أو ما الذي بقي ولم يتغير للأسوأ؟

الأردن مقبل على متغيرات واضحة المعالم، نتمنى أن يكون للأفضل، ولكن الأفضل يحتاج الى رجالات ينهضون به لتحقيق الأفضل، أما ما نراه من سبات عميق لحزب الدولة من المخزون الكبير لموظفي البيروقراط فسيكون عبئا على مسيرة الدولة، والأخطر أن لا أحد يبادر أو يعلن تضحيته من أجل إعادة القطار الى سكته الصحيحة، لا أحد يعترف بعجز مؤسسته تشريعية كانت أو تنفيذية أو رقابية عن القيام بواجبها الحقيقي على أكمل وجه، حتى مسؤولو الدولة يتنصلون أحيانا من مسؤوليتهم عن الفشل في معالجة مشاكل باتت تقض مضاجع الجميع.

إذا أردنا أن نبقى هذا الوطن صامدا فعلى كبار رجالاته أن يقدموا التضحيات، لا أن يلبسوا جلد الذئب ويستعينوا بالثعالب ويخسر الراعي رصيده.