أيا كان مضمون تصريحات وزير الصحة الدكتور سعد جابر، سواء وقف الإعفاءات الطبية، أو تحميل أصحابها جزءا من تكاليفها، فالقرار بشأنها لا يمكن أن يتخذ ارتجاليا، وبمثل تلك البساطة، لجهة أنه يتعلق بأرواح مواطنين، أكثر يتهم لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج المطلوب.

وفي الوقت نفسه فإن نظام التأمين الصحي المطبق منذ عقود طويلة ما يزال قاصرا عن التعامل مع المتطلبات العلاجية للفئة المستهدفة، ومع المنظومة الصحية بإطارها العام.

فالحكومة الحالية، كما هي سابقاتها، أسمعتنا الكثير عن التأمين الصحي الشامل، وقدمت لنا معلومات وأرقام عن أن ما يزيد عن ثمانين بالمئة من الأردنيين يتمتعون بتأمين صحي. ليتبين ـ على أرض الواقع ـ أن الأمر مختلف تماما، وأن الغالبية العظمى من الأردنيين يضطرون للوقوف في طوابير الراغبين بالعلاج على نفقة الدولة.

فحتى المؤمنون في القطاع الخاص يتعرضون إلى ابتزاز كبير من قبل شركاتهم أولا، وشركات التأمين ثانيا، والمستشفيات ثالثا، فيضطرون إلى دفع مبالغ كبيرة كاشتراك، ونسب مرتفعة من تكاليف المعالجة، وفواتير مبالغ بها، ويخضعون إلى سقوف تجعل من المستحيل عليهم إجراء عمليات جراحية تلامس كلفتها كامل السقف المصرح لهم بالتحرك تحته.

في البعد الحكومي، ما زالت فكرة التأمين الصحي كما هي منذ أن بدأت. وما زالت الحكومة تعلن عن توسيع مظلة برنامجها، فأعلنت عن شمول الأطفال، ومن تجاوزوا سن الستين، ومن ينتفعون من صندوق المعونة. وتحدثت عن ذلك كإنجازات.

بينما يضطر المريض للانتظار تسعة أشهر لمقابلة طبيب مختص، أو إجراء عملية جراحية، وما زال طيب الطوارئ في المستشفيات الحكومية يمارس الكشف الطبي على أكثر من مئة مراجع.

وما زالت الشكوى قائمة من شح الإمكانات في مجال التأمين الصحي، وتواضع إيرادات الاشتراكات، وفي المقابل ارتفاع المبالغ المستحقة للمستشفيات الجامعية والعسكرية لقاء معالجة المؤمنين مدنيا. وارتفاع كلفة الإعفاءات.

وهو ما يعني أن البنية التحتية لوزارة الصحة غير قادرة على استيعاب المرضى، مؤمنين وغيرهم، ما يضطرها لتحويل المراجعين إلى مستشفيات أخرى. وفي الوقت نفسه فإن نظام التأمين الصحي ما زال عاجزا عن تغطية نفقاته ويعتمد على موازنة وزارة الصحة وما يتم تخصيصه من الموازنة العامة.

وهذا يستدعي أن يتم فصل صندوق التأمين الصحي عن الوزارة، وأن تبدأ الحكومة بمناقشة الملف من نقطة الصفر، تمهيدا لبناء نظام تأمين جديد، يراعي كافة الجوانب التي تضمن استمراريته وكفاءته، وتجاوز السلبيات الكثيرة التي تكشفت.

أما الحديث عن إلغاء الإعفاءات الطبية أو تحميل أصحابها جزءا من تكاليفها، فهو مجرد مغامرة كبيرة، وتنظير لا يمكن أن يخدم الوطن والمواطن. فالكثير من طالبي الإعفاءات ليست لديهم المقدرة على دفع «كل أو بعض» التكاليف، وهناك من يستطيع الإنفاق على وزارة الصحة كاملة لكنهم ينعمون بالإعفاءات متى أرادوا، ولأي غرض علاجي.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com