في عام 1847، أعاد الكرسي الرسولي- الفاتيكان- تأسيس البطريركية اللاتينية، بعد أن توقف تواجد بطريرك مقيم في القدس، منذ حروب الفرنجة. وابتدأ بناء الكنائس في مختلف بقاع الأردن وفلسطين، وعادت مدينة القدس لتكون المركز الروحي للبطريركية.

وإلى جوار الكنائس، ابتدأ بناء المدارس، حيث بنيت أول مدرسة في الأردن في مدينة السلط عام 1869، ومن ذلك الحين بنيت الكنيسة تلو الكنيسة، والمدرسة تلو المدرسة، لتشكل من قبل تأسيس الامارة حضوراً زاهياً في مختلف المدن والقرى. وأسهمت بالقضاء على الأمية لدى الرجال والنساء، وفتحت أبوابها لاستقبال المسلم والمسيحي جنباً إلى جنب، ليدعوها الناس بمدارس العيش المشترك والمستقبل الآمن.

قبل أيام وفي عيد المعلم، احتفلت هذه المدارس بمرور مئة وخمسين سنة على بدء هذا الحضور الأكاديمي الرائد، برعاية نائب رئيس الوزراء. واليوم وبعد هذه السنوات الطويلة، نجد أن هذه المدارس، وان أضيفت عليها صفة المدارس الخاصة، إلا أنها ذات خصوصية نجملها بالنقاط التالية:

هي مدارس أهلية، ولا نقول طائفية، أسهمت منذ نشأتها بايجاد الثقافة والعلم في المناطق النائية وصارت منارات علم وحكمة وتقوى.

هي مدارس تربي على الروح الوطنية والشعور بالتشبت بالأرض العربية، فقد نشأت في وقت كانت سياسة التتريك هي السائدة، فاهتمت باللغة العربية وبتنمية الحس الوطني والشعور القومي، وهنا أعود إلى كتاب الباحثة الأردنية د. فدوى نصير التي قدمت رسالة دكتوراة بعنوان دور المسيحيين العرب في نهضة القومية العربية، في نهاية القرن التاسع عشر، وهي تبرز الدور الفكري والتربوي والتنويري لهذه المدارس الاهلية.

أما التربية الدينية، فلها عناية خاصة، سيّما وأن التعليم المسيحي يُعطى للطالب المسيحي والتعليم الاسلامي للطلبة المسلمين. وهي الحصة الوحيدة التي يقسم فيها الطلبة إلى قسمين. وهذا طبعاً يدل، لا على الانقسام، بل على الاحترام المتبادل للشعائر والمشاعر، وعلى تقبل الآخر بالرغم من الاختلافات العقائدية، وما عدا هذه الحصة يعيش الطلبة فيما بينهم بتناغم كامل، ووئام قل نظيره، يعززه حضور المعلمين والاداريين من كلتا الديانتين.

أليست هذه المدارس وشبيهاتها هي أفضل الطرق لمكافحة التطرّف بأشكاله وألوانه كافة؟

وأخيراً، ومنذ تأسيس الامارة الأردنية، وعلى أبواب مئوية بلد الهاشميين، لقد انصهرت مدارس البطريركية اللاتينية في وزارة المعارف ومن بعدها وزارة التربية والتعليم، فهي جزء لا يتجزأ من مسيرة التعليم والتربية في بلدنا الحبيب، وهي تعنى بالطالب الفقير والعائلات الميسورة، وهنالك عجز مالي كبير سنويا، والفضل بتغطيته عائد لاصدقاء البطريركية في انحاء العالم، واهمهم اعضاء جمعية فرسان وسيدات القبر المقدس، فلهم الشكر الموصول.

قرن ونصف، مسيرة كنيسة ووطن... وتستمر الشراكة لسنين عديدة بإذن الله.

Abouna.org@gmail.com