أبواب - وليد سليمان

من أجمل التجارب الشعرية المعاصرة في الاردن يمكن الحديث عن أحد فرسانها المبدعين وهو الشاعر» د. راشد عيسى».. فالصور الذهنية في قصائده الشعرية ترتقي الى أحلام الجمال والهيام.. لذا فإنها قريبة من القلب والروح وفرح الحياة.. فقد قال ذات مرة: «الشعر الجيد سُمُّ نحلٍ يشفي الأفكار من الروماتيزم»!!.

ومن سيرة حياته الشعرية يروي الشاعر ذكريات ومواقف وأحداث ومفارقات مذهلة عبر مؤلفه المعنون بِ(رشْدونْيوس), وهو اسم في مقطعه الأول مأخود من اسم «راشد». ولذلك حكاية يقول عنها المبدع عيسى ما يلي:

شجرة الزيتونة!

على بُعد ألف مترٍ تقريباً من بيتنا.. في الطفولة كانت شجرة زيتون معمرة يسمونها (الرومية المباركة) قطر جذعها قرابة ستة أمتار، وأسفل الجذع مقوّر على صورة حفرة تتسع لثلاثة أطفال.. وهي الزيتونة الوحيدة التي تُماثل حبة الزيتون منها حبة التمر في الحجم.

لم تكن تَرُدُّ طيراً ولا طفلاً ولا حطاباً.. يكفي زيتونها وزيتها لإطعام أربع عائلات.. و كان صاحب الأرض رجل میسور مات وترك شجرهُ يتيماً مشاعاً دون حُراس ولا عناية.. لكن الزيتونة امرأة نبيلة مكتفية بقوَّتها النفسية الخاصة, وبما منحته لها الأدیان من قداسة واحترام.

كان لنا في غصنها السفلي المتين أرجوحة عامة لكل الأطفال، وفي حفرة جذعها موقد صغير نشوي عليه البطاطا والبصل والعصافير التي نصطادها.

ولم يكن يعلم أي من أصدقائي الأطفال أنني كنت أنام على الأغصان القوية المتشابكة داخلها كلما منعني أبي من دخول البيت!.

جارتنا القبرصية

وهناك على أحد الأغصان ذات الجلد الأملس نقشتُ اسمي المفضل لديَّ (رشدونيوس) وهو اسم أطلقته عَليَّ جارتنا القبرصية الأصل، التي كانت تحبني جداً، وتحضنني وتقول: ليتك ابني!.

كنت أعرف أنها تحبني لأنها عقيم.. تزوج عليها زوجها ثلاث نساء أخريات ففشلن في الحبل مثلها. علمتُ من أمي بعد سنوات أنها لم تكن عقيماً بل كان العقم في زوجها!. لكنها دخلت في سن الإياس فعاشت مظلومة حسيرة.. ما زلت أذكر وجهها البشوش كالفضيلة, ودفء حضنها ولذاذة الحلوى القبرصية التي تهبها لي.

ولأني كنت وحيد أهلي وتلميذاً متفوقاً في الولدنة، فإني لم أسلم من رفاقي ولا سيما عندما أتشاجر مع أحدهم، فيجتمع عليَّ إخوته ويلحقون بي أذىً من الضرب.

وكان لا بُد لي من استدعاء قوايَ المؤجلة.. فنجرت غصناً من الزيتونة، وبتُ ألاحق الإخوة الأعداء واحداً واحداً وأشبعهم ضرباُ.. ليكفوا عن التعصب عليَّ وتركي في حالي.

ولما كنت من هواة صيد العصافير صنع أبي لي فخًا من غصن الزيتونة نفسها، فغصن الزيتون لدن مرن قوي،..فقد صنع من الغصن قوسين ربطهما متحدين بإحكام وبداخلها شبكة من خيوط القنب.. فالعصفور المصطاد يبقى حياً، أحيانا أبيعه بقرش وفي حين آخر أقليه أو أشويه.

وكنت في فصل الصيف أجمع من تحتها الأغصان الصغيرة الجافة، وأكومها في زاوية الحوش لنوقدها ناراً في الشتاء.

أوراق الأشجار حروف

وكنا نتسابق على قطف زيتونها الأخضر، ونلم ما يبقي في ظلالها من زيتون نفل منسيّ، كأنه كلمات مطعونة.

فضائل الزيتونة عليَّ لا تحصى، لقد علمتني متعة العطاء دون تفكير بالأخذ.. فالكلمات كالأشجار تنمو وتتكاثر وتتنوّع، وهي ذات مآرب باطنية عميقة لا يدركها إلا أولو البصائر والأشجان العظيمة، وأن أوراق الأشجار حروف وثمارها معانٍ.

فالأشجار قصائد.. والزيتونة هي أول من علمني تشجير الكلام واستصلاح البقاع اللغوية البائرة.

جعل لساني حديقة!

وفي مكان آخر من ذكرياته يقول د. عيسى:

ان الموسيقى التي رضعتها من ناي- مزمار- أبي وعلاقتي الأسرية بالشجر والحيوان والطير والتراب والنار وتنقل أسرتي بين مهاجر مختلفة وعملي المبكر في الصحراء ... كل ذلك أسقى بتلات الحرية في دمي.. تلك الحرية بمعناها الفطري, فقد تبرأت من الإحساس بالزمن ومن عبودية المكان ومن سلطة الأيدولوجيا والمبادئ.

ويسترسل هنا راشد بحديثه عن الشعر بأسلوبٍ شاعري جذاب فيقول:

ولولا (الشعر) لما كنتُ جديراً بالحياة، وَحْدَهُ هو مأواي.. وحده من أعترف بحقه الكبير في تربية قلبي الضال وإيواء روحي المفلَّعة.. حسبه أنه منحني القدرة على أن أطيق الدنيا وأعشق الحياة، جعل لساني حديقة، ودرّب عقلي على التخييل وساعدني جداً باللحاق بالرغيف، لم يخنّي أو يشي بي أو يغدر.. لا، بل علمني كيف أحب الآخرين وأؤاخي الجماد والحيوان.. وأزداد ولهاً ببلاغة الأشياء.. وكيف أطرح أسئلة محرجة على هذا العجوز البائس المكنى بِ «الوجود».

فقد دلني الشعر عليَّ لا لأجدني وأطمئن، بل لأزداد ضلالاً بي، وأستمتع بعذوبة اليأس، وملذات الحرمان، وزهد الأقوياء المشفقين على ضعفاء البصيرة، وأدل الطرق على أحذية التائهين، وأدل الجمال على العيون العمياء، وأرشِد أغاني الحرية إلى حناجر العبيد.. هكذا أتوهم!.

احمد شوقي ومدينة حمص!!

وفي موضعٍ آخر من ذكرياته يروي لنا: وذات يومٍ اتصلت بي هاتفياً طفلة العاشرة، سألتني: هل أنت الشاعر الراحل راشد عیسی؟! قلت: نعم. قالت: أريد أن أجري معك حواراً حول قصيدتك (البصير) الموجودة في كتابنا المدرسي.

سألتني فأجبتها. وفي نهاية المكالمة طلبت مني رقم هاتف الشاعر أحمد شوقي!!!، فضحكت مرة ثانية.

وفي إحدى أمسياتي الشعرية في مدينة حمص، كان الجو شتاءً عاصفاً والأمطار تهطل بانفعال شديد.. تقدم مني رجل قروي في صحبته زوجته وابنته وقال: أتينا لنستمع إليك من قريتنا التي تبعد ثلاثين كيلومتراً عن حمص، أحببنا شِعرك، قرأناه من على جريدة بسطناها لنأكل عليها.

قاطعت الطفلة أباها وأنشدت عليَّ ما حفظته من شعري.. كان يجب أن أبكي فرحاً بهذا المشهد الحميم! شكرتهم وأحسنت ضيافتهم إلى أن وصلوا البيت. أما أنا فشكرت ربة شعري وعانقتها حتى تقطع عقدها.. واتهمني جسدها بالوقاحة المفاجئة.

أنا شاعر لا أعرفه!

قال لي أحدهم: هذه الأبيات الجميلة لشاعر أحبه ولا أعرفه ثم قرأ الأبیات. سألته لمن هذه الأبيات؟! قال: لشاعر اسمه راشد عيسى ولكني لا أعرفه. فقلت له: لو سمحت إن عرفته دلني عليه فأنا أبحث عنه منذ سنوات!.

فأيقن الشاب بذكائه النشط أنني الشاعر المجهول، فسلَّم عليّ وصافح وجداني مصافحة لا تُنسى. استغرب الشعراء الآخرون! فجلسَتْ إلى جانبنا عشرات من علامات التعجب والاستغراب والدهشة.

وفي إحدی مشاركاتي عضواً في لجنة تحكيم لشعراء شبان، قرأ أحد المشاركين قصيدة قديمة لي على أنها من تأليفه!!! فأعجب زميلاي بالقصيدة, وصمما أن تكون الفائزة, ولذت أنا بالصمت حيناً وبالتظاهر بالإعجاب حينا آخر.

و في لحظة إعلان النتائج تقدم الشاب وسلّم علينا وتناول مكافأته المالية مسرور ذاهلاً! ثم انطلق بسرعة هائلة خارج الصالة!.

لا أحد يعرف سبب هروبه إلا أنا !! وعند نهاية الاحتفال سألني زميلاي: ما بك كنت صامتاً متردداً حينما قرأ الشاب الفائز بالمركز الأول قصيدته؟!.

ابتسمت وقلت: تقصدان الشاب الذي هرب!! انتبه أحدهما وقال: حقاً... هرب!! لماذا أخذ المكافأة وهرب؟!.

قلت لهما بهمس خجول: لأن القصيدة التي قرأها كانت لي!! وهي من أول ديوان نشرته (شهادات حب).. استغرب زميلاي من سكوتي ورضاي عن الخديعة.

قلت لهما: ربما لا يوجد في حياته ما يسره سوى هذا الفعل.. دَعُوهُ مستمتعاً بما فعل.

وبعد «15» سنة، وفي أثناء مراجعتي لإحدى الدوائر الرسمية خرج الموظف من وراء مكتبه ليصافحني بقوة واحترام.. وأصرّ أن أشرب القهوة.. فقلت في نفسي: لعله يعرفني!.

ثم رأيت دمعة نحيلة تتردد في النزول من عينيه.. فوقفت منشدهاً وقلت: ما بكَ.. هل تعرفني؟! هل سبَّبتُ لك مشكلة؟!.

فعاد وصافحني مرة ثانية وقال: أنا ذاك الشاب الذي سرق قصيدتك وقرأها أمامك.. لم أكن أعرف أنك راشد عيسى إلا في لحظة تسلم الجائزة. كان يجب أن أهرب بالمكافأة!! كانت مئة دینار دفعتها قسطا للكلية.. حيث كنت سأفصل لو لم أدفعها، أنا بفضل قصيدتك موظف محترم.. تزوجت وسميت ابني راشد (ثم بكى حتی لفت انتباه زملائه، فخرجت قبل أن أسبب له حرجاً.

اسمحوا لي أن أبكي قليلا!! احتراماً لهذا السيد المهیب الجليل الذي اسمه (الشعر) تلك كانت مقتطفات سريعة ما حملته ذاكرتي، ولدي سواها الكثير من المواقف التي أتغذى على استرجاعها، وأخجل من تدوينها.

راديو جالس على ظهر غيمة!

ويتذكر الشاعر أيضاً: » لقد تعرفت على شاعرية الهواء في الثامنة من عمري حين اشترى أبي مذياعاً - راديو - حيث وصل المذياع بسلكين نحاسيين طويلين ثبتهما على سطح غرفتنا، وحين سألته عن سبب هذا الفعل قال: هذان السلكان يلتقطان الموجات الهوائية ويرسلانها لقلب المذياع فينطق.

قلت له: وهل الهواء كالبحر له أمواج؟! تجاهلني، وجلس بجانب المذياع الذي يشبه صندوق البندورة، أدار المفتاح، فاستمعنا إلى أغنية فايزة أحمد (أنا قلبي ليك میال).. صارت أمي تتمايل مع الأغنية وجسدها يرسل لأبي موجات عاطفية مستعجلة، لكن أبي تجاهلها كما تجاهلني.

قرفص أبي أمام المذياع وراح يستمع إلى إذاعة صوت العرب من القاهرة، درتُ حول المذياع لأشاهد المذيع فلم أجد شيئاً.. عرف أبي سبب دوراني حول المذياع فقال: یا ولد: المذيع جالس على ظهر غيمة في السماء, ويرسل صوته لنا عبر الموجات الهوائية.

وفي الخامسة عشرة من عمري أدركت أن الهواء شاعر خليع قليل الحياء، وذلك عندما سرت خلف صبية جميلة تلبس تنورة قصيرة فضفاضة.

كان الهواء في طفولتي يحمل الصوت فقط، ولكنه في شبابي صار يحمل الصوت والصورة.

أجمل ما في الهواء أنه لا يری.. فهو كالشعر العظيم نستشعره، ولا يمكن أن نری أخيلته الفتاكة إلا في الحلم. الهواء كالشعر بصّار مشعوذ جساس نمَّام.. ينقل الروائح أيضاً ويقدمها لأنف الشاعر لتمييزها وكشف أسرارها.

يدخل الهواء إلى صدورنا ليؤكد لنا الحياة حاملاً الأوكسجين لأجسادنا، وحاملاً زفرات الحياة.

مهمة الهواء جاسوسية بامتياز، فهو يستطيع لبس الأقنعة بمهارة، حينا يكون نسيماً رقيقاً كالطفولة، وحينا يصبح ريحاً تذكي موقد النار، وحينا يصبح عاصفة تهدم البيوت على رؤوسنا.. فهو يشبه مزاج الشاعر الموهوب الذي تقلبه سكرات التخييل بين الممكن والمستحيل.

والشعر الخاص كالهواء شجاع إذا تجلى، شجاع إذا تخفى، يعيش شاهدا على كل حركة فيزيائية أو كيميائية ليفضح نواياها لربة الجمال.

يتكثف الهواء فيصبح بخاراً لا يلبث أن يصير سائلا.. فهو يحمل عنصري الأوكسجين والهيدروجين اللذين يكوّنان الهواء.. ولولا الهواء لما اشتعلت نار.

الهواء أثير والشعر أثير اللغة, منفوثا من أنفاس الشاعر، ولبعض الكلمات في الشعر أخلاق النسمات وطباع الرياح وأمزجة العواصف.. فاللغة الشعرية هواء مكتوب يتنفسه المعنى الفتيّ والصور الخلَّاقة.

الديك والأشقاء

صحيح أن البيضة بنت الدجاجة، لكنها بنت الديك أيضا فهو شريك مناصف في إنتاجها، منذ الخامسة من عمري وبيني وبين الديك أخوة فهو أحد أفراد عائلتنا.

وأنا في الصف الأول الابتدائي تشاجرت مع ابن جيراننا قرب باب بيتنا، لم أكن أتوقع أن يقفز الديك على وجه خصمي وينقر وجههُ نقرة مؤثرة دامية.. ولولا حكمة أبي في معالجة الأمر لقتل الجار دیكنا.

ولديكي عرف أحمر كأنه تاج الملك الهندي.. ریشهُ مصبوغ بلون الحكمة الخالدة (خلطة الحمرة بالسواد)، وذیله مصفف الريش كأنه ستة مناجل، عيناه قداحتان بشرر.. يمشي بخيلاء بين دجاجاته المطيعات.. ولا يسمح لإحداهن بالخروج من البيت إلا تحت حراسته خشية أن تقع إحداهن بالفاحشة مع ديك الجيران، وكثيرا ما مشى بجانبي لحظة خروجي إلى المدرسة، ولا يعود إلا إذا اطمأن أنني أسير بسلام.

لقد عوضني الديك عن الأشقاء.. وعودني أن أظل رافعا رأسي بازدهار، وأنام مثله بعين واحدة، أتساهى ولا أسهو.. لم يسمح لأحد سواي أن يأخذ البيض من القن.. حتى أمي كان يهاجمها لو تحاول ذلك.. وفي الفجر يدق باب الغرفة الوحيدة التي كانت مأوى أسرتي.. ثم يصيح صيحتين فأصحو أهرول إليه أحضنه ويحضنني ونتبادل تحية الصباح.

لم يحدث أن نام مع زوجاته التسع في القن، إنما كان ينام على الزيتونة الوحيدة في حوشنا، يحرس الصمت من اللصوص والثعالب وسراقي البيض.

زار أبي ثلاثةً من أصدقائه القدامى، لم يكن يملك ديناراً واحداً!! فصار أبي يلف حول نفسه مفكراً في طريقة يحقق بها طعاماً للضيوف.. اقترب من قن الدجاج ليتناول دجاجتين أو ثلاثاً ليذبحها، لكن الديك صاح صيحة كأنها عواء ذئب، وقف على كتف أبي وصار يداعبه كأنه يرجوه أن يذبحه ويترك زوجاته بخير.. ففهم أبي قصد الديك. حمله وتناول من أمي السكين ليذبحه، لكن أحد الثلاثة الضيوف قفز نحو أبي وأقسم ألا يذبح الديك. ولما كان أبي صياداً، فقد اقترح أحدهم أن يخرج ثلاثتهم إلى الصيد ويأكلوا مما يصطادون من الطير.

مات ديكي عندما وقع في حفرة عميقة أثناء مطاردته كلباً عابراً مرَّ بجانب بيتنا، استطعت أن أحضر الديك وأنتف ریشه، وحشوت الريش في مخدتي سنوات طويلة.

لك مجد الخلود یا دیكي یا شاعر الكبرياء والرجولة.

روح الكلام والشاعر

وهنا موجز سريع جداً من قصائد الشاعر:

أبكيكَ يا شِعْرُ أَمْ يا شِعْرُ تبكيني

فَلْتَبْكِ أنتَ فما دمعي سيكفيني

فَكَمْ بكيتُ بدمعٍ لا عيونَ لهُ

إلا مواقـد جمـرٍ في شراييني

يا شعرُ معذرةً ما عدت أعرفني

فاجلسْ معي أنتَ أوْلى مَنْ يُعَزَيني.

***

بعد غياب سنة

لم أخبر أمي أني عائد

حين طرقت الباب عليها

في عزّ الليل

صاحت من لهفتها خلف الباب:

هذا راشد.

قلت لأمي: كيف عرفت بأني الطارق؟!

قالت: عيني سمعت

رائحة يديك على الباب

وطفولة قدميك على الأعتاب.