إن النظرية التي جاء بها أينشتاين وتلك التي جاء بها بلانك، وما جاء بعدهم من بحوث ذرية عجيبة، جعلت العلماء في حيرة شديدة من أمرهم، فالحقائق المطلقة التي كانوا يؤمنون بها قبل ذلك أصبحت في ضوء الأبحاث الحديثة محدودة بحدوث الأشياء التي نعيش بينها.. أما عالَم الفلك الواسع وعالم الذرة الضيق فهما يجریان على نمط لا تصح فيه معاييرنا المألوفة.

سُئل أحدهم: ما هي المادة؟ّ! فقال: إنها طاقة. فقيل له: وما هي الطاقة أجاب: إنها كهرباء. ولما سُئل أخيراً: وما هي الكهرباء؟! جمجم ولم يحرِ جواباً.

يقول أينشتاين: إن مشكلة العقل البشري هي أنه يريد أن يخضع الكون كله للمقاييس التي اعتاد عليها في دنياه هذه، والمصيبة أن الإنسان مؤمن بأن هذه المقاييس النسبية مطلقة وخالدة, ويعدها من البديهيات التي لا يجوز الشك فيها, فهو قد اعتاد على رؤيتها تتكرر يوماً بعد يوم.. فدفعه ذلك الإعتقاد بأنها قوانين عامة تنطبق على كل جزء من أجزاء الكون. فقد جاء هذا الاعتقاد من العادة التي اعتادها وهو يظن أنه جاء من الحقيقة ذاتها.

فالإنسان قد اعتاد أن يری الأرض مسطحة وثابتة في مكانها، ثم رأی الشمس تخرج من الشرق وتختفي من الغرب، فاعتقد أن هذا أمر بديهي لا يجوز الشك فيه.

ولما جاء كوبرنیكس ليقول: بأن الشمس ثابتة بالنسبة للأرض، وان الأرض هي التي تدور حولها، أزعجه ذلك ولم يأنس إليه إلا بعد كفاح طويل.. ولا يزال كثير من الناس في عصرنا هذا لا يستطيعون التسلیم به أبداً.

يقول أينشتاين: أن ليس هناك بديهیات ثابتة. انها في الواقع عادات فكرية.

ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن الغزالي قد جاء بما يشبه هذا الرأي قبل عدة قرون, فلم يفهمه معاصروه. وأحسب أن أصحابنا يسخرون منه في قرارة أنفسهم. ولعلهم يقولون بتهكم: انظر إلى هذا السفسطائي الذي ينكر البدیهیات، قبحه الله.

وكمثل واحد من هذه البديهيات، التي أخذت تتحطم على أيدي الباحثين المحدثین هو مفهوم الزمان.

فالناس قد اعتادوا أن يفكروا في مفهوم الزمان على أساس الثواني والدقائق التي تمر بهم.. فهو عندهم مجموعة اللحظات العابرة.

وإذا سألتهم متی بدأ الزمان ومتى ينتهي؟! وهل بدأ الزمان من نقطة لم يكن قبلها زمان؟! وهل ينتهي الزمان في سیره إلى نقطة لا يأتي بعدها زمان؟! حكُّوا رؤوسهم ومطُّوا شفاههم وقالوا لك: أودعناك».. ولعلهم يخشون أن تذهب بهم الأسئلة إلى مستشفى المجانين.

ويقول المفكر علي الوردي: وقد سألت أحد العوام ذات يوم على سبيل التفكهة: ما هو الزمان؟! فقال: يا أخي إن زماننا زفت!!! ولو سمع برجسون هذا الجواب للطم رأسه. فمفهوم الزمان عنده مشكلة فلسفية عويصة جداً، بينما صاحبنا يقول: الزمان زفت. فكلٌ ينظر في الزمان حسب مفهومه الذي اعتاد عليه.

والواقع أن الفلاسفة القدماء قد تحاوروا كثيراً في حل مشكلة «الزمان»، وذهبوا فيه كل مذهب فلم يخرجوا منه بنتيجة مجدية.

جاء أينشتابن أخيرا فقال: إن «الزمان» ليس فيه مشكلة إنما المشكلة كامنة في عقول الفلاسفة. فهم قد اعتادوا على اعتبار الزمان مجموعة اللحظات التي تمر بهم، وصار هذا عندهم من البديهیات الملزمة. فلم يستطيعوا إذن أن يفهموا كيف بدأ الزمان وكيف ينتهي!.

ولو أمعنا النظر لوجدنا مشكلة «المكان»، تشبه مشكلة «الزمان» إلى حدٍ كبير.. والأسئلة الفلسفية التي تدور حول طبيعة الزمان تدور حول طبيعة المكان أيضا.. فالمكان أو هذا الفضاء الذي تسبح فيه الأجرام السماوية أین يبدأ وأین ينتهي؟! وهل هناك في الكون حد ينتهي فيه الفضاء حيث لا فضاء بعده؟!.

وتحدث صديق للوردي حيث قال له» انه في صباه كان يفكر في هذه المشكلة العويصة!! كيف ينتهي الفضاء؟! وقد تصوَّر أخيراً بأن الفضاء محاط بجدار من الطابوق. فسأله الوردي: وما سُمك هذا الجدار المحيط بالكون، أليس وراءه فضاء؟!. أجابه: أنه كان يعتقد بأن الجدار سميك إلى مالانهاية له. أي أننا كلما حفرنا فيه بالفأس ظهر الطابوق إلى غير نهاية.

ويتابع الوردي قائلاً: ضحكت من هذا الصديق طبعاً. وكان الجدير بي أن لا أضحك عليه. يجب أن أضحك على عقلي، وبعبارة أخری: يجب أن أضحك على العقل البشري.

فالعقل البشري قد اعتاد أن يرى الفضاء محيطاً بكل شيء من هذه الأشياء التي يعالجها في حياته. وظنَّ أن الكون يجب أن يكون محاطاً بفضاء، وهذا الفضاء محاط بفضاء آخر... وهلم جرا.

يقول أينشتاين: إن الفضاء مُحدب وهو يلف على نفسه فيصير مثل الكرة. وهنا تجابهنا مشكلة أخری: فالفضاء مكون من ثلاثة أبعاد هي: الطول والعرض والإرتفاع. وليس هناك في الكون غير هذه الأبعاد الثلاثة. فإلى أي جهة إذن ينحني الفضاء أو يتحدب؟!.

يُجيبنا أینشتاین: بأن هذه المشكلة هي من صنع عقولكم ونتيجة من نتائج عاداتكم الفكرية.

ففي رأيه أن الكون يحتوي على أبعاد أربعة لا ثلاثة. والكون إذن ينحني نحو البعد الرابع. والبعد الرابع هو الزمان.

لقد حل اینشتاين مشكلتي الزمان والمكان بضربة واحدة، وصار الزمان والمكان شيئا واحداً في نظره.

بقيَ علينا- نحن معشر البشر- أن نفهم هذا الحل. فما يُدرينا لعل أينشتاین قد تشدَّق علينا بمصطلحات لا نفهمها، ثم ادعى أنه حل المشكلة!! بينما هي ظلت دون حل!.

من كتاب «مهزلة العقل البشري» الصادر بطبعته الأولى عام 1959, وبطبعته الجديدة عام 2019 عن وزارة الثقافة الأردنية, للمفكرالعراقي د.علي الوردي.