أبواب - غدير سالم

كثيرا ما يشكو الآباء والأمهات من عدم قدرتهم على الدخول لعالم أبنائهم الخاص، فالطفل يخفي تفاصيل ما يحدث معه في المدرسة، وفي أوقات اللعب مع أقرانه، ويخفي مشاعره تجاه كثير من الأمور.

عدا عن امتناعه البوح بما يفكر فيه في أغلب الأوقات، يحدث ذلك في الوقت الذي يسعى فيه الأبوان جاهدين للتعرف على مكنونات الطفل، ولكن كلما فتحا بابًا للنقاش أغلقه بسكوته وكتمانه.

تقول علا محمد–أم لطفلين-:«طفلي في الثامنة من عمره، مشكلتي معه كبيرة، فهو كتوم لا يعبر لي عن مشاكله ومشاعره، إن تألم يكتم ألمه إلى درجة توصله الى مرحلة الخطر، حتى أنه سقط ذات مرة من شدة التعب والألم، ولم يكن ذلك ظاهراً عليه».

وتتابع بحرقة:«يتأذى من أصحابه فلا يخبرني ولا يخبر والده، ولا يعبّر لي على الإطلاق عن مشاعر حب تجاهي أو تجاه أي شخص، وإذا غضب لا يعبر عن غضبه إلا في الحالات الشديدة، فيضرب بعنف ويبكي حينها. كيف أتصرف معه؟ فلقد تعبت من كتمانه».

تقول الإستشارية التربوية والأسرية رولا خلف :«الطفل الكتوم، غير مبال أو مهتم لأي أمر، ولا يبد أي اعتراض أو موافقة على حوار من يتحدث معه، ولا يجيب إلا على أسئلة محددة وأحياناً يكون طفلا غير إجتماعي إيجاباً أو سلباً حتى في أوقات حزنه أو سعادته».

وتضيف: «بعض الأطفال من سماتهم الشخصية الهدوء وعدم الرغبة في الإستجابة السريعة للأمور، ومنهم هادئون ولا يحبون التعبير والكلام، وهذا أمر طبيعي وأحياناً يكون وراثيا، وهناك حالات من الأطفال يكون سبب الكتمان لديهم نفسيا نتيجة لضغوط نفسية أو عقاب يتعرض له الطفل، أو نتيجة لإساءة جسدية ونفسية فلا يمكنه الإعتراف أو التحدث عما يحصل معه فيصبح كتوما لا يمكنه الإفصاح عن الحقيقة».

وتبين خلف الأسباب التي تجعل من الطفل كتوماً: «منها الضغط الشديد من قبل الوالدين على أطفالهم في الإجابة على أسئلتهم لمعرفة ما قام به يومياً، وهذا الأمر يجبره على عدم قول أي شيء ويتكتم على عدة أمور خاصة عندما يعود من المدرسة، وفوراً تنهال عليه الأسئلة وهو متعب ويشعر بالملل بعد يوم طويل، هذه الأمور جميعها تؤدي إلى انطوائه وعزلته في غرفته وعدم الإجابة على الأسئلة التي تطرح فيصمت ولا يعبر عن عواطفه».

وترى خلف أن :«هناك فئة قليلة ممن يفصحون عما مروا به طيلة اليوم خارج المنزل خاصة في عمر الخمس سنوات، ومن سن الثامنة إلى الثانية عشرة، حيث يصبح الأبناء أكثر قدرة على البوح بمشاعرهم والأمور السيئة التي يعيشونها والإفصاح عن أفكارهم وأسرارهم، فالوالدين هم القدوة للأبناء وكثير من الأباء والأمهات بطبيعة الحال، كتومين ولا يمكنهم التعبير عما بداخلهم فيتأثر الأبناء بهم».

وتوضح خلف طرق التعامل مع الطفل

الكتوم: «بداية لا بد أن نطرح الأسئلة المطلوبة في الوقت المناسب بحيث يكون الطفل في حالة مزاجية جيدة، ويمكنه التحدث والتفاعل مع الآخرين، ومحاولة التحدث معه عما يحبه وعن هواياته، وعلينا أن نحاول التحدث عن أنفسنا أمامه ولا نطلب منه أن يتكلم، ولكن سيتحدث هو بطريقة عفوية لوحده ويشارك في الموضوع الذي يحبه دون طرح الأسئلة عليه».

وتضيف: «يجب عدم إحراجه أمام الآخرين وإجباره على التحدث أمام الناس، ولا يهم أن نعرف كل صغيرة وكبيرة عن أبنائنا، فالطفل من حقه أن يحتفظ ببعض الأشياء لنفسه وبعض الخصوصيات أمام الآخرين، لذلك الطريقة الإيجابية في التحدث معه تجعله يعبر عن مشاعره سواء بالفرح أو الحزن، وقبل النوم يمكن أن نتحدث معه ويفصح عن مشاعره وما حدث معه خلال اليوم».

وتلفت إلى أنه:«إذا زادت لديه المشاكل النفسية وأصبحت تظهر على جسده بعض العلامات الواضحة مثل التبول اللاإرادي أو تساقط الشعر أو إحمرار الجلد فهذه العلامات تدل على ضغوط نفسية شديدة وهو بحاجة إلى طبيب مختص، لأن الطفل قد يعاني من إنطوائية وعزلة، وصمت واضح في عدم القدرة على التواصل مع الآخرين».

وتقول مها الطاهات المتخصصة في مجال الإرشاد النفسي: «من الطبيعي والمتوقع أن يصبح الطفل كتوماً في مرحلة معينة من حياته، فيبدأ الأهل بالقلق والضجر والفضول لما يحدث لطفلهم دون معرفتهم الأسباب الحقيقية».

وترى الطاهات أن الأسباب الحقيقة لتكتم الطفل: «عدم إعطاء الطفل الوقت الكافي للرعاية والإهتمام، وعدم مشاركته بما يشعر ، عدا عن الإبتعاد عنه لساعات طويلة، وانعدام لغة التواصل بين الأهل والطفل، والضجر والإستهزاء بالطفل عند تحدثه معنا، وابتعاد الوالدين عن بعضهما لفترات طويلة وانعدام لغة الحوار بينهم، بالإضافة إلى إستخدام العقاب والضرب عند الخطأ،إلى جانب الأسئلة المباشرة والمتكررة التي يمل الطفل من إجابتها».

وتبين الطاهات :على الأهل إعطاء الطفل الإهتمام والرعاية الكافية، و مشاركته في أحداثه اليومية ومناقشته وإيجاد الحلول والتقرب من الطفل واشعاره بالحب والحنان والأمان، والإستماع لما يتكلم وإظهار الإعجاب بحديثه، وأن يكون الأهل قدوة لأطفالهم في التعبير عن آرائهم بطريقة سليمة.