لا يوجد قائد عالمي شغلته قضية المنافحة والدفاع عن الدين الإسلامي أمام موجة الإسلام فوبيا العاتية مثل الملك عبد الله الثاني، خاصة بعد أن سعت أوساط غربية كثيرة لوضع الإسلام بوصفه الخطر الجديد الذي يهدد العالم بعد انتهاء موسم الخطر الشيوعي والحرب الباردة، والحقيقة أن الجهود الملكية تعددت أبعادها ومستوياتها ومناسباتها، فالتشويه الذي تعرض له الإسلام كان يتوزع بين الممنهج وسيء الطوية وبين القائم على الجهل وقلة المعرفة، وفي المقابل قدم الملك خطابا عقلانيا وعصريا و متوازناً.

أمام مواجهة واسعة وملحة كانت مؤسسة آل البيت واحدة من الأدوات المهمة التي وظفها جلالة الملك لهكذا غاية سامية، وقدم لها كل أوجه الدعم لتصبح منارة علمية وإنسانية تعمل جاهدة على التصدي لخطاب التطرف وما وراءه من عنف وارهاب، فالاستراتيجة الملكية في مواجهة الإرهاب في الفكر والممارسة ركزت على وجود خطاب متكامل ومتماسك يحاصر مغالطات التطرف ويدحضها ويقدم الصورة الحقيقية للإسلام من خلال جهود التقريب بين المذاهب ونزع أسباب الشقاق والنزاع واستعادة اكتشاف الإسلام المتسامح الذي يتفاعل مع الحضارة العالمية ويثريها.

هذه الاستراتيجية التي تبناها الملك مبكراً والتقط خطرها على المجتمعات العربية والإسلامية ككل، أصبحت موضوعاً لإلهام العديد من القيادات في الدول الإسلامية التي اندفعت لنفس الموقف بعد الضرر الجسيم الذي ألحقته عصابة داعش.

يعول الملك على علماء الإسلام وفقهائه في التصدي للخطاب المتطرف والعدواني من خلال خطاب يقدم الصورة الحقيقية للإسلام ويتصدى للمهمة الأصعب في عصرنة الخطاب الديني وأدواته وإعادتها لتكون عاملاً مؤثراً في عملية بناء المجتمع.

تكريم مجموعة من العلماء من خلال مؤسسة آل البيت، وتكريم المؤسسة نفسها وتقدير دورها يتضمن تشديداً على ضرورة العمل المؤسسي في هذه الحرب الفكرية ولا سيما أن مسؤولية كبيرة تترتب أمام الأجيال القادمة التي من حقها الطبيعي أن تعيش دون أن تحمل عبئاً على أكتافها يتمثل في هذه الصور المغلوطة عن الدين الذي يشكل جزءاً من شخصيتها الإنسانية والروحية.

تصدى الملك بشجاعة في وقت مبكر واليوم يتحول منهجه إلى منارة يقتدى بها تقوم على العمل المؤسسي والناضج والمسؤول في فضاء مفتوح ومتشابك. للأردن أن يفخر بمليكه لهذه المدرسة الفكرية والرسالة التي ارتبطت بالأردن وأكدت على دوره ومكانته واستطاعت أن تثبت مدى عمق التبصر الملكي في شأن حساس يتماس مع حياة جميع المسلمين حول العالم ويمتد للأجيال القادمة.