أبواب - زياد عساف 

« في حد يقول لوحدة احلقي شعرك زيرو ! .. مش تحسن الفاظك شوية ؟ !»، رد اشبه بالصدمة وجهته الفنانة ماجدة للمخرج يوسف شاهين اثناء قيامها بدور (جميلة الجزائرية) في اواخر الخمسينيات عندما طلب منها شاهين بصفته مخرج الفيلم أن تحلق شعرها كاملا حسب متطلبات المشهد تعبيرا عن أثار ومظاهر التعذيب التي تعرضت لها كامرأة مناضلة تقبع في سجون الاحتلال الفرنسي ، ولم يكن من السهل على اي امرأة ان تقوم بهذه الخطوة باعتبار ان شعرها تاج انوثتها ، وهذا ما كان رغم انها منتجة العمل وصاحبة قرار ، الا انها لبت طلبه تضحية منها ليب?و المشهد اكثر اقناعا للجمهور.

يعتبر فيلم (جميلة) 1958 واحدا من الأعمال التي أنصفت المرأة العربية، وقدمت نموذجا مغايرا للمرأة التي ظلت اسيرة للإنسانة المنكسرة المغلوبة على امرها، أو الراقصة واللعوب، أما عن الاستثناءات الايجابية كانت هناك بعض الاعمال السينمائية القليلة لنماذج من النساء المتمردات اللاتي استطعن اثبات شخصيتهن في معترك الحياة، وتطلب ذلك تحولات انثوية تجابه السائد والتقليدي في مفاهيم ومعتقدات الأغلبية من الناس.

«مراتي مدير عام» يعتبر الفيلم الاهم بين الاعمال التي قدمت المرأة بصورة مختلفة عن النمط التقليدي الذي قدمته السينما العربية، انتاج عام 1966 وقامت بالبطولة شادية وصلاح ذوالفقار، وتكمن فكرة العمل في كيف يكون الحال عندما تعين امرأة مديرة لشركة وزوجها هو احد الموظفين المرؤوسين من قبلها، وعليه ان يتبع التعليمات والاوامر الصادرة منها فيما يتعلق بشؤون العمل، أما في البيت فتتحول الى النقيض كزوجة ملزمة بالقيام بواجباتها تجاهه، وجاء هذا العمل تأكيدا على أهمية دور المرأة في نهضة وتطور المجتمع، والتي توافقت مع شعارات ت?ك المرحلة أبان فترة الخمسينيات والستينيات.

الاّنسة حنفي..

وفي سياق مشابه لواحدة من حالات التحول الأنثوي جاء فيلم (للرجال فقط) 1964، لسعاد حسني ونادية لطفي، وتدور احداثه حول مهندستين في مجال الكيمياء تم تعيينهما في شركة تنقيب عن البترول في الصحراء، الا ان الشركة لا ترسل الى هناك سوى الرجال فقط، مايضطرهما للتخفي بزي وهيئة الرجال، وينجحان بالنهاية باكتشاف بئر بترول ما يعني ان كفاءة المرأة لا تقل عن الرجل، وفي عام 1985 كان العرض الاول لفيلم (السادة الرجال)، وتدور احداثه حول الزوجين فوزية واحمد، أو معالي زايد ومحمود عبد العزيز ، وتقرر الزوجة اجراء عملية جراحية لتتحول ?لى رجل بهدف التخلص من طلبات الزوج وبذلك تتوزع المهام بين الاثنين بالتساوي.

بهذا الصدد لا بد من العودة لفيلم (الانسة حنفي) 1954، والذي اقترب من القضية ذاتها من خلال شخصية حنفي (اسماعيل ياسين) الرجعي المتسلط على خطيبته، وتتطور الاحداث عندما يضطر لاجراء عملية يتحول على اثرها لامرأة ما يؤدي لتصاعد الاحداث لايصال فكرة المساواة بين الجنسين، ورغم جمال وقيمة هذه الاعمال الا انها تبرز بشكل واضح ان تمرد المرأة ووصولها لحقوقها لا يأتي الا من خلال ارتدائها قناع الرجولة، أو التخفي بعباءتها كما جاء تحديدا بفيلمي: للرجال فقط والسادة الرجال.

أنا حرة..

العمل السياسي وتبني قضايا الحرية والنضال ظل محصورا بالرجل، ودخول المرأة هذا المعترك وحسب نمط التفكير السائد يعني خروجها عن المألوف وطبيعة دورها التقليدي المنوط بها، فيلم (انا حرة) 1959 تمثيل لبنى عبد العزيز وشكري سرحان ، قدم احد النماذج للفتاة المتمردة التي تلتحق بالعمل السياسي وتكون الضريبة دخولها السجن، وهنا يلومها زوج عمتها على صفة التمرد في شخصيتها التي اوصلتها للزنزانة، جاء ذلك بعد قصة حب جمعتها بشاب مناضل أعاد تغيير مفهومها حول الحرية التي كانت تراها من خلال اللباس والسهر، وتقتنع فيما بعد ان الحرية ا?حقيقية تتجلى بحرية الوطن ويعود هذا الفيلم ليؤكد ما سبق ان تحقيق المرأة لذاتها لا يأتي الا من خلال الرجل ايضا، وهذه واحدة من ثغرات السينما العربية التي تجاهلت الكثير من تجارب النساء صاحبات الارادة ودورهن بالتأثير على المجتمع وفي أكثر من مجال.

ونفس الاشكالية نجدها في السينما اللبنانية وبفيلم (بنت الحارس) 1967 وتدور احداثه في قرية لبنانية، عندما تتخفى بطلة الفيلم المطربة فيروز في شخصية رجل ملثم يدعى (ابو الكفِّية) يحدث رعبا بين الناس بهدف ترويج اشاعة وجود لص، والغاية من ذلك اعادة والدها لمهنته كحارس بعد ان تم الاستغناء عن خدماته بدافع عدم وجود لصوص في القرية.

منافسة..

افلام الحركة والاكشن ارتبطت بالرجال حصرا ولفترة طويلة كونها تحتاج لقوة جسدية ولياقة عالية، تغير هذا الحال فيما بعد وتصدت مجموعة من الممثلات لهذا النوع من الادوار وقدمن نماذج لشخصيات نسائية تقوم بهذه المهمات الصعبة وفي مقدمتهن الفنانة سماح انور بفيلم: (حالة تلبس) 1988 وتؤدي دور ضابط تطارد عصابة تروج للمخدرات، وفي ادوار مشابهه قدمت نبيلة عبيد فيلم (الصبر في الملاحات) 1986، سهير رمزي بدور نقيب شرطة مكافحة المخدرات بفيلم (معركة النقيب نادية) 1990، وياسمين عبد العزيز بدور ملازم اول بفيلم (ابو شنب) 1916.

الفنانة نجلاء فتحي خالفت التقاليد السائدة بان من يأخذ الثأر هم الرجال عادة، وقدمت فيلم (المرأة الحديدية) 1987، ويحكي قصة امرأة تتخلى عن الأنوثة والرقة التي فُطِرَتْ عليها، وتتدرب على فنون القتال الصعبة لتبدأ بالانتقام من قتلة زوجها ضمن مبدأ العين بالعين والسن بالسن.

لغاية فترة قريبة لم يكن من المقبول ان تعمل المرأة كسائقة تاكسي باعتبارها مهنة خاصة بالجنس الخشن، الفنانة السورية غادة الشمعة كسرت هذا الاحتكار أيضا وقامت بهذه المهمة ولكن على الشاشة الفضية من خلال فيلم (سائقة التاكسي) انتاج عام 1989.

سينما المرأة..

لا يمكن وبأي حال تجميل واقع السينما العربية فيما يتعلق بالصورة السلبية التي قدمتها عن المرأة، ويتحمل مسؤولية ذلك المخرجون الرجال باعتبارهم الاغلبية في هذا المجال، ومع ذلك يجب الإقرار ان بعض المخرجين انصفوا المرأة في اعمالهم وبنسبة كبيرة، امثال صلاح ابوسيف ويوسف شاهين وبركات، وكان الأمل تقديم المرأة على الشاشة بالصورة التي تستحق بعد بروز مجموعة من المخرجات ممن تبنين ظاهرة ما يسمى سينما المرأة، رغم الاختلاف حول مضمون هذا المصطلح، اذ ان البعض يرجع هذه التسمية للاعمال التي تتطرق لقضايا النساء، والطرف الاّخر ين?بها للأفلام التي هي من اخراج امرأة ومع ان ظهور المخرجات بدأ فعليا منذ اواسط ثمانينيات القرن الماضي، الا ان أغلبهن لم ينصفن بنات جنسهن على الشاشة، بل وعلى العكس من ذلك ركز معظمهن على تقديم المرأة بصورة لا تخلو من الإثارة، وابراز مفاتن الجسد ، وهو نفس النهج الذي سار عليه عدد لا يستهان به من المخرجين الرجال، وفي الوقت نفسه كان مجمل أعمالهن يحمِّل الرجل مسؤولية ما وصلت اليه المرأة من مشاكل وازمات، والعودة لاعمال مجموعة منهن يؤكد حقيقة ذلك، وبالتالي وقعن بإشكالية رؤية الأمور من زاوية واحدة، وغاب اثر ذلك عنصر ال?حليل والاجتهاد، وكانت النتيجة أفلاماً دون المستوى، لتضاف بذلك خيبة وانتكاسة أخرى في مسيرة السينما العربية.

أريد حلا..

يرجع المهتمون بعالم السينما وشجونها ان من اسباب الاخفاق في هذا المجال تقصير الدولة في انتاج أفلام من هذه النوعية كما كان في السابق، ولا يوجد ثمة اختلاف حول هذا الرأي ففيلم (مراتي مدير عام) انتجته المؤسسة العامة للسينما، بالإضافة لـ (ارملة وثلاث بنات) 1965 و(شيء من الخوف) 1969.

يضاف لذلك ندرة الأديبات ممن يصلح تحويل اعمالهن للسينما لخدمة هذه الرؤيا، باعتبارهن الاقدر على تقديم نماذج حية لنوعية النساء اللاتي تحدين القهر لأثبات حضورهن وجدارتهن، أمثال لطيفة الزيات التي قدمت هذا النموذج من النساء بفيلم (الباب المفتوح) 1963، وحُسن شاه التي ابدعت بقلمها فيلم (اريد حلا) 1975، وادى هذا العمل لاصدار قوانين تتعلق بقضايا الاحوال الشخصية التي تخص المرأة، لدرجة ان هذا الفيلم ساهم بإصدار قانون (الخُلع) الذي يمنح المرأة حق خلع الزوج عند استحالة التعايش معه وضمن حالات معينة.

ويبقى جليا لكل مهتم ومتابع ان السينما وكما سبق اخفقت بتقديم نماذج للمرأة صاحبة الشخصية القوية التي تسعى لاثبات نفسها وما وصل للمشاهدين من معظم هذه الاعمال، يؤكد نتيجة واحدة انها ستنقاد بالنهاية لهيمنة الرجل، وأن الأنوثة والأمومة لا يلتقيان مع المرأة المكافحة والمناضلة التي تسعى لأن تحقق ذاتها، بل على العكس سيؤدي ذلك لضياع الاسرة، وبالتالي لا جدوى للمرأة من ان تأخذ دورها والمحصلة العودة للمربع الاول ومفاده أن المرأة مكانها البيت.

تيمور وشفيقة..

نموذجان في زمنين مختلفين لعلهما يؤكدان هذه النتيجة التي رسختها السينما العربية بمئات الاعمال، ولتكن البداية مع فيلم (تيمور وشفيقة) لاحمد السقا ومنى زكي، بهذا العمل يشترط تيمور على زوجة المستقبل شفيقة ان تتخلى عن عملها كوزيرة حتى يتزوج منها، وهذا ما يحدث نهاية الفيلم الذي أُنتج عام 2007 ، ويبدو ان الحال لا يختلف عن العام 1952 سنة انتاج فيلم (الاستاذة فاطمة) لفاتن حمامة وكمال الشناوي، اذ تثبت فاطمة كفاءتها كمحامية ضمن سيناريو الفيلم، وتحصل على حكم البراءة لخطيبها عادل الذي هو محام أيضا ومتهم بجريمة قتل، وبعد?نجاحها بإثبات براءته يغير عادل قناعاته بعد ان كان يرفض عملها في مجال المحاماة، ويخاطبها من داخل قفص والفرحة بادية على محياه بأنه موافق على عملها كمحامية، لدرجة انه لامانع لديه ان يتفرغ هو للغسيل والطبخ وتربية العيال، وهي تشرف أيضا على مكتبه ومكتبها في الوقت نفسه، وكان ردها المخيب الذي يعيد المرأة لنقطة الصفر بالعودة للمطبخ:

«لا يا عادل.. أنا حكون زوجة بس

لأني لو قضيت حياتي أكسب قضايا

مش حكسب قضية أهم من دي!»