ملك يوسف التل

ليس أفضل للصحفي من أن يجد مسؤولاً سابقاً، برتبة وزير داخلية مثلا، في حالة غضب، ولديه من الشواهد والمبررات ما يبرر بها عدم رضاه، وليس من مواقع المعارضين السياسيين.

هذا اللقاء يصل ذروة التشويق عندما يكون المسؤول السابق جريئاً واضحاً وصاحب عقلية ومزاج شخصي مؤسس على المنطق والنزاهة.

رجائي الدجاني كان وزيراً للداخلية خلال أحداث معان 1989، وتدرج قبلها، في دائرة المخابرات العامة، وبعدها تولى مسؤوليات وزارية بينها حقيبة النقل التي منحته قوة الحجة في الحديث اليوم عن الكيفية التي تختنق فيها العاصمة.

لدى الدجاني، من الخبرة والجدية والنزاهة الموصوفة، ما يجعل حديثه أيضاً عن الفساد وعن الأزمة الاقتصاد – السياسية الأردنية المُركبّة، أكثر من شيّق.

سوء إدارة الإنفاق العام، سبب عجزنا الاقتصادي

هناك موظفون في الأمانة ودوائر أخرى يتقاضون رواتب دون عمل

ما الذي يحتاجه الأردن من مفاعل نووي أُنفق عليه ملايين الدنانير؟

لماذا نحمل الخزينة والشعب مسؤولية مالية لا طاقة لهم بها؟

«المترو» أفضل وسيلة نقل للأردن

هناك سوء فهم عام بالنسبة لصلاحيات وزير الداخلية في الأمن

أحمال الدولة تراكمت نتيجة سياسة استرضاء النواب وغيرهم

هناك مشاريع ضخمة ليس لها داع

يمر الأردن حاليا بأزمة اقتصادية جعلته في مأزق غير مسبوق يستدعي شجاعة أهل الخبرة والرأي لتشخيصها واقتراح الحلول، فما هي وجهة نظرك؟

العجز الاقتصادي أسبابه معروفة، تكمن في سوء إدارة المال العام والحكومات هي المسؤولة عنه، إن سوء التصرف بالمال العام، والاعتداء عليه، رتب على الخزينة أعباء والتزامات وخسائر فادحة، لدينا هدر كبير ودخول في مشاريع ليس لها ما يبررها لا للصالح العام ولا لصالح مستقبل البلد وربما لصالح البعض، مشاريع جعلت العجز المالي يصل إلى حوالي 40 مليار دولار, كيف حصل هذا؟!

أيضاً كيف يمكن أن يتم تغطية هذا العجز من جيوب المواطنين، صحيح أن المبدأ في المالية العامة بأن خزينة الدولة جيوب رعاياها، لكن عندما تكون الدولة تنفق فيجب أن تنفق بحسبة منضبطة، وأيضاً عندما تغيب المساءلة على الإنفاق يصبح هناك تهور، فهناك الأحمال التي تحملها مؤسسات الدولة من أعداد الموظفين الذين يتقاضون رواتب ولا يعملون.

لا تستطيع الدولة أن تتخلص من هذه الأحمال، وقد تراكمت نتيجة سياسة الاسترضاء للنواب وغيرهم، وهذا أيضاً يزيد العبء على صندوق الضمان الاجتماعي، الأمر الآخر هناك مشاريع ضخمة ليس لها داع.

ما الذي يحتاج إليه الأردن ليكون لديه مفاعل نووي لتوليد الطاقة وتنفق عليه ملايين الدنانير؟ هذا المشروع خطر على البيئة والسكان ومستلزماته غير متوفرة، مع احترامي للقائمين على هذا المشروع، أقول أن مستلزمات هذا المشروع غير متوفرة، وأهم عنصر هو الماء.

يقولون بأن لدينا اليورانيوم، لكن هذا اليورانيوم حتى نستخرجه من الفوسفات فنحن بحاجة لمشروع آخر سيكلف المليارات، لذلك نحن لسنا بحاجة اليه، هناك بدائل كثيرة للطاقة وليس بالضرورة أن يكون المفاعل النووي منها، أنا أفهم إستخدام الطاقة النووية للأغراض الطبية وغيرها لكن ليس لتوليد الكهرباء.

هناك فوضى في الأساس بموضوع الكهرباء، بين الطاقة النووية والمتجددة وبين الطاقة الأحفورية وهي زيوت النفط وغيرها، الان يتم عمل توليد الطاقة من الهواء ومن الشمس وقد دخلوا بمشاريع أسعارها متباينة مختلفة، كل هذه الأسعار ليس لها علاقة بالحقيقة والواقع وكلفة الإنتاج، ترتب عليها مسؤوليات والتزامات مالية يتحملها الأردن لسنوات قادمة، هناك مشاريع توليد الطاقة المتجددة التزمت الحكومات بها وتدفع عوائد سنوياً دون أن تولد أي ميجاوات...

عندما دخلنا بموضوع الطاقة حصل ذلك على اعتبار أن سعر النفط مرتفع في العالم، ولا نستطيع الدفع ومضطرين أن نشغل السيارات والآليات والمصانع ونولد كهرباء وليس لدينا الأموال لدفع ثمنها، فتم وقتها البحث عن الطاقة البديلة، وباعتقادي دخل علينا القاتل الاقتصادي فهؤلاء الخبراء من دول استعمارية ودول مخربة في العالم تبحث عن دول مثل الأردن، لترهقهم وتدخلهم في متاهات لا يستطيعون الخروج منها خاصة في موضوع الطاقة، لأجل أن تبقى الدولة مديونة إلى أبد الآبدين.

هناك دول خاضعة لا تستطيع أن تملك لا قرارها ولا مصيرها نتيجة تورطها في هكذا مشاريع، فلماذا ندخل بهذا النفق من الأساس وليس لنا خبرة به؟ ونقوم بعمل عقود لسنوات طويلة وندفع عوائد سنوية لشركات لا تنتج الطاقة الكهربائية، أشخاص دخلوا على الحكومة الأردنية وورطوها بهذه المشاكل، كما تورطت دول أخرى في العالم الآخر سواء أميركا الجنوبية أودول أخرى في افريقيا وغيرها، وجعلوها تقع في المديونية.

العجز في الخزينة وزيادة المديونية لا تسده جيوب المواطنين الأردنيين، لا يمكن ذلك، لا يمكن لمديونية البلد أن تسدد، لا قدرة الناس الانتاجية ولا حصيلة جمع الضرائب منهم دون استثناء تستطيع أن تغطي جزءا بسيطا من خدمة فوائد الدين على الدولة الأردنية، ولذلك كل ما يدفع يسدد فوائد، ويبقى الدين كما هو بل ويتسع، فلماذا نحمل الخزينة والدولة والشعب الأردني مسؤولية مالية لا طاقة لهم بها؟.

كثرة الحديث عن الفساد حاليا، تجعل البعض يتصور انه لم يكن هناك فساد في السابق.عملكم في المخابرات والقضاء العسكري والداخلية يسمح لكم بإجراء مقارنة بين ما تغير خلال ثلاثين سنة، وتحديدا في موضوع الفساد، فما الذي حدث؟

الفساد موجود في كل العالم، الفساد مؤسسة كبيرة، موجود في القطاعين العام والخاص، لكن إذا كان الحكم ديمقراطيا سليما وجهاز القضاء مستقلا وهناك حق مساءلة في البرلمان ومراقبة أداء الحكومة، فهذه جميعا تجفف جزءا من الفساد، الفساد يأتي للمشاريع الكبيرة والتي بها أموال، حيث يستفيد منها أشخاص وتتوزع الحصص، لكن عندما يكون هناك برلمان قوي يسأل الحكومة عن كل شيء صغيراً أو كبيراً فهذا الموضوع عندئذ سينتهي، وثانيا عندما يكون هناك رقابة صحيحة، فمسؤولية البرلمان هي الرقابة على الحكومة بالنسبة للشأنين الإداري والمالي، يراقب ?داءها كحكومة في إدارة الشأن العام وإدارة الدولة ويسألها عن أدائها المالي، والمهمة الثالثة الرئيسية وهي التشريعية، فهذه مهمة مجلس النواب الأساسية، فإذا كانت هذه الوظائف الثلاث لا تمارس بالشكل الصحيح عندها تعم الفوضى ويستشري الفساد.

أيضاً الفقر، الحالة الاقتصادية المتردية تنعكس على الناس، فصاحب الحاجة إذا لم يكن لديه ضوابط أخلاقية فسيلجأ للفساد، وإذا كان الموظف عليه ضغوط عائلته ومالية فسيمد يده، فهذه تبدأ من صغار الموظفين ويرتشون وهذا ينطبق على كل أجهزة الدولة ناهيك عن الكبار مع الاحترام للجميع.

بالنسبة لأزمات السير، فهذا يعود لسوء إدارة الدولة بأن وزعت الدوائر الحكومية في أماكن مختلفة من البلد ما أدى إلى تنقل المواطن بين هذه الدوائر لإنجاز معاملات في نظام روتيني معقد يحتاج إلى تواقيع كثيرة مبعثرة في أرجاء العاصمة.

وحسب سؤالك باجراء مقارنة بين ما تغير خلال ثلاثين سنة، وتحديدا في موضوع الفساد أقول ان الأشخاص في الإدارة سابقاً كانوا نظيفين وعددهم أقل بكثير، المسؤول ينفر من الرشاوي وغيرها من الممارسات الدونية، في زمننا كان هناك تعفف واحترام للذات وقناعة وحفاظ على السمعة والدولة فقيرة وإنفاقها قليل ومحدود أما الآن فالهدر حدّث ولا حرج!

كانت لكم تجارب في تولي حقائب وزارتي النقل والداخلية – وهي مسؤوليات سياسية وبيروقراطية تسمح بمقارنة ما كان في زمانكم وما هو الآن. والنقل ما زال مشكلة مستعصية في الأردن والداخلية ما زالت تتعرض لانتقادات تتصل بالعلاقة بين الامن والديمقراطي، فما رأيك في ذلك؟

الأمر الطبيعي في أي بلد عدد السكان في تزايد، والزيادة لدينا ليست زيادة مواليد بقدر ما هي زيادة وافدين إلى الأردن نتيجة أحداث سياسية تحيط بنا، وهذه الأعداد غير مسيطر عليها، تكونت نتيجة كوارث وأرجو أن تكون مؤقتة، لكن أيضاً الزيادة السكانية عندنا حاصلة لكنها ليست بالشكل المرعب.

أما فيما يتعلق بمشكلة النقل فسببها أن البنية التحتية لم يكن مخططا لها لكي تستوعب هذا التطور والزيادة السكانية كذلك، وعدم وجود نقل عام منتظم وكفوء جعل الناس يلجأون لشراء السيارات مما فاقم من أزمة السير، فتنظيم المدن وتنظيم العاصمة التي أصبح التركيز السكاني فيها، ليس تنظيماً يسمح بسهولة انتقال الناس من أماكن سكنها إلى أماكن عملها، حتى المشاريع التي تقام حالياً فهي غير كافية وخاصة مشروع الباص السريع. فالباص السريع لا أرى فرصة لنجاحه، والسبب لأنه لم يدرس دراسة صحيحة وواقعية، كذلك التقاطعات التي يمر بها خط البا? مكلفة من حيث البنية التحتية، مما سيحمل الخزينة أعباءً كبيرة، ولن يخدم أو يحل مشكلة الانتقال لدى الناس لكون خط الباص السريع محدود المسافة ولم يراع التوزيع السكاني وإحتياجات المجتمع.

ما هو البديل؟

برأيي أن أصح وسيلة نقل هو استخدام المترو على سطح الأرض، وهذا موجود في بلاد المشرق العربي ومصر ودول أخرى، المترو لا يحتاج إلى إيجاد حرم سكة بل خطوط كهرباء وسكة حديد غائرة في الطريق، يتم مد خطوط حديدية ويسير مع السيارات دون أن يعيق السير، ويقدم خدمة هائلة للناس المحتاجة للتنقل بأسعار زهيدة خاصة في المحاور الرئيسة في العاصمة حسب توزيع السكان وأماكن العمل والجامعات وصولا إلى الزرقاء وصويلح والسرو ناهيك عن كونه صديقاً للبيئة.

أذكر وأنا في وزارة النقل جاء خبراء أميركيون وقاموا بدارسة أوضاع النقل العام وقدموا تقريرا بالنتائج وللأسف لم يحصل شيء لأنه اصطدم بمصالح أصحاب الباصات الذين يسيطرون على سوق النقل الداخلي، ثم تم تأسيس شركة الباصات الوطنية الموجودة والتي أصبحت كلفة تصليح آلياتها مرتفعة جداً ولا أدري ماذا حصل بالمشروع بعد ذلك.

أما بالنسبة لوزارة الداخلية والأمن هناك انطباع لدى الناس، حيث يعتقدون بأن وزير الداخلية هو الآمر الناهي في موضوع الأمن. وزير الداخلية هو رئيس الحكام الإداريين بكافة التشكيلات الإدارية في المملكة، من محافظ ومتصرف والقائم مقام ومدير ناحية..الخ، الارتباط الإداري بين الأمن العام ووزارة الداخلية ارتباط قانوني وإداري، لكن هذه الأجهزة لها استقلاليتها، وقرارها العملياتي ليس عند وزير الداخلية، وهو لا يعطي أمرا لمدير الأمن العام بقمع مظاهرات مثلا أو غير ذلك. هذه أمور لها مقتضياتها وموجباتها ويُعمل لتنفيذها ضمن قواعد?الحفاظ على أمن المجتمع والسلم الأهلي وحماية الممتلكات العامة والخاصة وحماية المواطنين ضمن منظومة الأوامر الثابتة الموضوعة للتنفيذ عند الضرورة للتعامل مع كل حدث.

استراحة



ما زال في الذاكرة طفولة رائعة في رحاب القدس:

نعم.. ولدت فيها عام 1939، ودرست حتى الثالث الإبتدائي في كلية النهضة طريق بيت لحم وفيها المربي خليل السكاكيني ومديرها اللبناني الأستاذ لبيب غلمية ثم انتقلت لكلية الأمة ومديرها شكري حرامي، وقبل ذلك كنت قد ذهبت مع شقيقاتي إلى مدرسة الـ سانت جوزيف، في شارع الأنبياء في حي المصراره، صفوف الروضة والتمهيدي.

وبسبب حرب الـ 48 خرجنا من فلسطين إلى عمان ودرست في مدرسة المطران، بعمر الـ 9 سنوات، وأذكر الذين كانوا في المدرسة في حينه الأمير حسين بن طلال، زيد الرفاعي وشقيقه خالد، زياد منكو، عثمان بدير، محمد عصفور. ينال حكمت وطلال حكمت، مروان القاسم، عدنان القاسم و مذيب علاوي وائل زعرب، إبراهيم أغابي، كانوا في صفوف أعلى منا، طبعا ومن أبناء صفي عمر بدير ونجيب بلبيسي، إبراهيم أغابي، فواز أبو جابر وبعدها انتقلنا إلى الكلية الإسلامية، درست فيها من الصف الخامس الى المترك ودرست المرحلة الجامعية في الجامعة السورية–كلية الحقوق? وتخرجت منها عام 1960 وبدأت مشواري، التحقت بنقابة المحامين محاميا متدربا في مكتب الأستاذ المرحوم فؤاد عبد الهادي ثم التحقت في القوات المسلحة -القضاء العسكري.

متى كانت آخر مرة زرتم فيها القدس مسقط رأسكم؟

عام 1998 عندما رأيتها كأنها ليست هي، لم تكن القدس التي أعرفها، منذ طفولتي حتى 1967، لقد تغيرت كثيراً بسبب الاحتلال وتعديه على الأراضي الفلسطينية، وتوسعه في محيطها وفي داخلها وإستيلائه على المباني والبيوت داخل المدينة القديمة.

المعلومات التي تأتيني من الأهل والأصدقاء في القدس، والصور التي يرسلونها، لم تعد هذه المدينة المقدسة كما أعرفها، باستثناء الأماكن المقدسة التي في داخل الأسوار.