عمان - ناجح حسن

جملة من الأفلام العالمية القيّمة،عرضت ضمن فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان «الجونة» السينمائي، أثارت الإعجاب والجدل بين النقاد والحضور لبلاغة مستوياتها الجمالية والدرامية، والتي حفرت في عوالم الذات الإنسانية ودارت وقائعها في امكنة عديدة.

من بين تلك الأعمال اللافتة حضر الفيلم الكوري البديع المعنون «المتطفل» للمخرج الذائع الشهرة والصيت بونغ يون هو، وفيه عاين الأزمة الناشبة بين مكونات المجتمع الكوري المعاصر في رؤية جريئة سخر فيها باسلوبية جمالية متمكنة من حجم البون الشاسع بين شرائح اجتماعية متباينة، ركز فيها على اسرة فقيرة تقطن في بيئة فقيرة صعبة على هامش المدينة الكبيرة، يسعى افرادها الى الالتحاق بتلك الاسر الثرية، ولو من خلال النصب والإحتيال، كل ذلك يسري في مفارقات ساخرة، لا تلبث ان تتحول إلى عنف دموي قاس.

فيلم «المتطفل» هو تآلف متين الصنعة، حققه مخرجه بمزيج من الوان التعبير السينمائي الذي يوازن بين المنحى الكوميدي، ثم لا يلبث ان يقفز عنه بشاعرية صوب واقع اجتماعي مشحون بالحقد والكراهية والألم، في توجه لإدانة مفاهيم وسلوكيات هذا العالم الذي يزخر بأحدث اكتشافات التكنولوجية، راعى فيه تقديم شكل سينمائي آسر وثري وممتع بمفرداته وعناصره الجمالية، في اتكاء على قوة موضوعه المستمد عن قصة بسيطة قريبة من توجهات رواد السينما السائدة، من خلال سيناريو محكم يجمع بين لقيات الفن السابع، سواء على صعيد مشهدياته وشخصياته الأثيرة أو على صعيد سردية فطنة.

على صعيد مغاير يشتبك المخرج البريطاني كين لوتش من خلال فيلمه المعنون «عفواً لم نجدكم» – وهي جملة مستمدة شائعة لدى رجال تسليم الطرود البريدية – مع تلك التفاصيل في الواقع اليومي المعاش للفرد البريطاني المكبل بقيود الحداثة والمؤسسات الكبيرة.

وهو فيلم يشكل إضافة نوعية في مسيرة لوتش المديدة الذي ذاعت شهرته إبان مطلع الستينات من القرن الفائت، عندما حقق فيلمه الروائي المعنون «الطريقة الايرلندية» وفيه بشّر بميلاد طاقة سينمائية لافتة تضاف إلى المشهد السينمائي البريطاني آنذاك، ثم تعظم دوره على خريطة السينما العالمية، بعد انجازه سلسلة أفلام بإمكانيات ضئيلة تغاير ما كان يحققه مجايليه.

قدّم لوتش بفيلمه الجديد عوالم البسطاء المهمشين من العمال بإهتمام شديد دقيق الشكل آمين لطروحاته الفكرية الجريئة، وفيه استطاع صاحب العديد من الأفلام الشهيرة: «كيسي»، «حياة عائلية»، «ارض وحرية»، «السادسة عشر الحلوة»، وصولاً إلى فيلميه «البحار » و«الريح التي هزت الشعير»، أن يستحوذ على إعجاب عشاق السينما بالتقاطه ما قد ركنته السينما السائدة في بلده، واشتغل بالكثير من الجهد عليها وفيها نماذج من الإشتغال البديع المحمل برؤى جمالية تتقد فطنة ونباهة صبغها بمفهومه الفكري الملتصق بسرد الحقائق لدى تناول قصص وروايات الناس العاديين في انحياز لا لبس فيه أو تعال لعوالمهم وتطلعاتهم البسيطة.

بهذا المزيج الإبداعي الذي تؤدي فيه الصورة أبعادا بصرية ثرية نقل لوتش في أفلامه الأولى من تناول جريء لأحداث ووقائع لضحايا أبرياء في غمار الحياة وما تفيض به من علاقات ملتبسة بحيث يجرى تقديمها في حرفية ومهنية لا تتشابه مع غيرها عما كانت تقدمه السينما البريطانية.

وكانت ايقونة المهرجان الفيلم الإيطالي «الخائن» للمخرج اماركو بيللوكيو الذي يقف اليوم على أعتاب العقد الثامن من عمره، وهو عمل اثار اعجابا واسعا لدى النقاد وورواد المهرجان، لما قدّمه من فضح جريء لكثير من الشخصيات النافذة والمؤسسات الإجتماعية والسياسية والدينية المهيمنة على سدة الحكم في ايطاليا، وفيه يمتلك حساً إنسانيا مجبولا برؤى تجاه حركات الجريمة والتسلط والعنف على خلفية من التحولات العصيبة التي عاشتها ايطاليا إبان حقبة عقد ثمانينيات القرن الفائت.

يستخدم بيللوكيو الكثير من المفردات السينمائية على نحو مبتكر وجذاب سواء في شريط الموسيقى والصوت المصاحبان للأحداث أو في التحكم بقدرات ممثليه وتطويعهم للاقتراب من الشخصيات الواقعية بأسلوبية تحرص على جذب اهتمام المتلقي عبر إيقاعات اوبرالية مميزة، إلى جوار تلك البراعة في استخداماته لأصوات قادمة من البيئة التي تسري فيها أحداث العمل.

اطلق فيلم «أمل ومجد» لمخرجه الأسباني بيدرو المودفار صرخات الإعجاب في المهرجان، حيث كشف فيه المودفار على التميز والغنى الذي تتمتع به موهبة مخرجه وابراز عامل الرسالة الاجتماعية والسياسية والثقافية لعالم الفن السابع عبر حكاية المخررج السينمائي الذي يعيش في ازمة صحية ثم يأخذ يستعيد مجموعة من الوقائع المتمحورة حول الإبداع والشغف، فهو يتذكر طفولته وعشقه الاول وآلام الإنكسار، فضلاً عن اكتشافه للشاشة البيضاء وما تعرضه من اعمال سينمائية حفرت كثيراً بذاكرته إلى ان تتجلى ذاكرته بتأملات ماضيه في بيئة صعبة تعيش ارهاصات شديدة التأثير، فهي حقبة زمنية ليس بالضرورة ان تكون في الماضي بل تتعداها الى الوقت الراهن، ويكتفي المودفار بقدر من الطرح اللافت والمثير، لكنه يخلف صدى طيبا متساويا بين الجميع، خصوصا تميز مجموعة ممثليه الجيدين ويثبت انه مخرج فتّان، لا يزال امينا على ثقافتة المحلية خصوصاً لدى اختياراته الموسيقى العذبة الموظفّة دراميا بإتقات فطن وبديع.