أبواب -الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الاجتماع

كان المأمول بعد أن حقق الإنسان طفرة متقدمة من خلال الاكتشافات العلمية، وأصبحت الحياة أكثر يسرا وسهولة أن تتلاشى معاناته تدريجيا، لكن الواقع المعاش بعيد عن ذلك، فقد شاعت مظاهر الحياة المادية حتى أصبحت هي السمة التي تعنون الحياة.

في الوقت الذي تراجع فيه الإحساس الوجداني ليطل على استحياء مذكرا بدوره وأثره وقيمته وغايته في مواجهة (ثقافة الرقم ) التي باتت القاعدة التي تستند إليها مختلف جوانب الحياة، فتلاشى الإحساس بالأمن النفسي ما بين الإنسان وذاته، وما بينه والآخرين ليزيد الإحساس بالخطر والضغوط النفسية،وتعتبر الضغوط النفسية من أسباب سوء التوافق، حيث يمكن أن تتخذ الضغوط أشكالا كثيرة على مستوى الجماعات والأفراد.

والمفتاح الرئيس لفهم الضغوط لا يعتمد على طبيعة الضغوط ومصادرها، وإنما يتوقف على الكيفية التي يستجيب بها الفرد لها، فبعض الناس ينهارون أمام الضغوطات، بينما نرى غيرهم يجتهد للتعامل مع الظرف الطارئ الضاغط، والأمر هنا يعتمد على أن لكل شخص نقطة انهيار نفسي تختلف من شخص لآخر، كما أن لطبيعة الضغوط ومصادرها وبنية شخصية الفرد ومزاجه وعمره وجنسه وصحته النفسية دوراً في ذلك أيضا.

ويميل الإنسان بطبيعة الحال إلى تحقيق رغباته، وتلبية احتياجاته، ولكن هناك العديد من المعوقات الشخصية والبيئية التي تمنع هذا الموقف المثالي، ويمكن أن تؤدي هذه المعوقات إلى الضغوط، حيث يواجه الإنسان مجموعة كبيرة من الأحداث الإيجابية والسلبية التي يمكن أن تكون ضاغطة لأنها تضيف عليه عبئا إضافيا، أو تسبب له مشكلات معينة تفوق قدرته.

إن الأحداث الضاغطة التي يواجهها الإنسان في حياته كثيرة ومتنوعة وتحمل في طياتها العديد من الخبرات غير المرغوب بها لما تنطوي عليه من مصادر التوتر وعوامل الخطر والتهديد في كافة مجالات الحياة.

وتمثل الأحداث الضاغطة كل ما يواجه الإنسان من الضغوط الأسرية والاقتصادية والدراسية والاجتماعية والصحية، وهذه الأحداث الحياتية الضاغطة جزء لا يتجزأ من حياة كل منا، إذ لا ينجو أي فرد من مواجهة الصعوبات والمشكلات والأزمات في حياته، وذلك بفعل ما تميز به عصرنا الحالي من متغيرات سريعة ومتلاحقة أدت إلى العديد من المشكلات والصراعات التي تواجه الفرد في تواصله مع الآخرين، ما رتب على ذلك بأن يكون الإنسان على قدر عال من الكفاءة لمواجهة هذه الصراعات، وعليه فإن الضغوط تعد أحد المظاهر الرئيسة التي تتصف بها حياتنا المعاصرة، وهذه الضغوط ما هي إلا انعكاس للتغيرات المادية الحادة والسريعة التي طرأت على كافة مناحي الحياة.

إن الضغوط قد تؤدي إلى الوقوع في العديد من المشكلات النفسية والإجتماعية كالعزلة والميل إلى العدوانية، واليأس والانسحاب من المواقف، وفقدان الثقة بالنفس، والشعور بالعجز والسلبية والتردد، وتعتبر ظاهرة الاغتراب النفسي إحدى المشكلات الناتجة عن الضغوط، وهي ظاهرة اجتماعية نفسية شائعة في كثير من المجتمعات بغض النظر عن النظم والأيديولوجيات والمستوى الاقتصادي والتقدم المادي والتكنولوجي، وبذلك فإنها تعتبر أزمة معاناة للإنسان المعاصر.

والاغتراب النفسي يقصد به شعور الإنسان بالانفصال عن الآخرين أو عن الذات أو كليهما، ويرى بعض العلماء أن الشعور بالاغتراب يأتي نتيجة عوامل نفسية مرتبطة بنمو الفرد، وعوامل اجتماعية مرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه مما يجعله غير قادر على التغلب على مشكلات الحياة، كما يحدث الاغتراب نتيجة التفاعل بين العوامل النفسية والاجتماعية.

ومن أهم مصادر تولد هذا الشعور التنشئة الاجتماعية الخاطئة وعمليات التغيير الاجتماعي والتقدم الحضاري ومظاهر الحياة المعاصرة، وعدم قدرة الإنسان على القيام بالأدوار الاجتماعية بسهولة، والفجوة بين الأجيال أو بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، واختفاء الكثير من القيم التي كانت موجودة في الماضي كالتعاطف والتراحم والمحبة.

ومن المهم التأكيد هنا على أن الأحداث لا تعتبر ضاغطة إلا إذا اتخذ الإنسان قراره باعتبارها كذلك، وذلك من خلال آلية تفاعله الدينامي مع الحدث وانعكاساته الشخصية والإجتماعية ببعض نواتج الضغوط من خلال استجابته النفسية والانفعالية والمعرفية والفسيولوجية.

إن الضغوط التي يواجهها الإنسان في حياته تتمثل في المشكلات الأسرية وضغوط العمل والمنافسة من أجل النجاح، والتي تعرضه للعديد من المشكلات العاطفية والاجتماعية، مما يخلق لدى الإنسان مستويات مرتفعة من الضغوط، لا سيما في ظل ما يتسم به حاضرنا من الإسراف في الفردية والتنافس وتدهور القيم، إلى جانب قصور الجوانب الوجدانية وإهمال العلاقات الشخصية ناهيك عن المشكلات الاقتصادية، وهو ما يؤدي في مجمله إلى فقدان الحس الاجتماعي والهوية، والتبلد والسلبية واللامبالاة، وغيرها من الأمراض النفسية والإجتماعية، وهو ما يؤدي بدوره إلى إحساس الإنسان بفقدانه القدرة على التحكم وممارسة الضبط، فالأشياء من حوله تسيطر عليها ظروف خارجية أقوى منه ومن أدواته، وأن فقدان القدرة على التحكم في حياته أو توجيهها يولد لديه الشعور بالعجز والإحباط وخيبة الأمل.

وتبقى القضية الأهم هنا هي كيفية التعامل مع الضغوط والتقليل من تأثيراتها الضارة على الأفراد، فالضغوط في مراحلها الأولى تكون عبارة عن عوامل محفزة للإنسان لأداء واجبه والسعي لتحقيق هدفه، ولكنها إذا ما ازدادت عن قدرة الفرد على الاحتمال فإنها تنقلب إلى الضد، فالمسؤوليات الأسرية والإجتماعية ومتطلبات العمل أعباء أساسية تضاف إليها الضغوط التي يتعرض إليها الفرد، ما يجعله يجري لاهثا دون فسحة للراحة والسلام فطموحاته لا تنتهي وأهدافه تلح دون هوادة.

إن النصيحة الأغلى للتعامل مع الضغوط هي أن يعيش الفرد في حدود متطلبات يومه، فأفضل طريقة للاستعداد لمواجهة الغد تكمن في تركيز الجهد والحماس على إنجاز مهام اليوم على أفضل ما يكون، وبذل الجهد في حل المشكلات الصغيرة التي حملها اليوم فورا لتتوالى حلول المشكلات الفرعية، ما سيمكن الفرد من التفرغ لحل المشكلة الكبرى التي تشكل أداة الضغط الرئيسة، فمواجهة مشكلة ما تبدأ في تحديد جوانبها المختلفة، ومن ثم تحليلها بطريقة موضوعية، ومن ثم اتخاذ قرار حاسم قابل للتنفيذ الفوري، مما يشعر الفرد بشيء من الراحة، فإجادة فن الاسترخاء هي الحل الأمثل لمواجهة القلق والإرهاق الناجمين عن الضغوط.

ولتشكيل وقاية مستدامة من الضغوط وآثارها لا بد من أن يستمر الفرد بإحصاء الجوانب الإيجابية والنعم التي منّ الله عليه بها في حياته بدلا من تركيز التفكير على مصادر المعاناة والتعب، عندها سيكتشف الفرد أنه قد يكون لديه مشكلات بنسب بسيطة والتي تشكل عليه ضغطا، لكنه سيكتشف في ذات الوقت أن النسبة الأكبر من أموره الخاصة والعامة تسير بشكل منتظم قد يفتقده الكثيرون، إذا فإن النجاح في عمل موازنة بين ما هو منتظم وآمن وبين ما فيه خلل من أمور الحياة يدفع بالفرد نحو الإيجابية التي ستبث الطمأنينة في نفسه وترفع من مستوى الثقة لديه وتساعده على قهر الضغوط من حوله.

ولا بد من التأكيد على ضرورة تقبل الأمور السيئة بأقل انفعال ممكن، كما يجب تعويد النفس على أن تقول (لا) لكل ما لا تستطيع القيام به حتى لا يجد الفرد نفسه محملا بالأعباء الزائدة التي ألقيت عليه تحت مسوّغات مختلفة، كما أن للرياضة دوراً مهماً وصحياً لعلاج التوتر وبخاصة المشي في الطبيعة لمسافات طويلة مما يساعد على إتاحة الفرصة للتأمل مع الذات والتفكير المتأني الذي يسهل مهمة إيجاد حلول للمشكلة الضاغطة.

من المهم أن ندرك أن الحياة ليست مثالية ولن تكون كذلك أبدا، فعندما ننظر للحياة بتحدياتها المختلفة على أنها سلسلة من الاختبارات التي ستضيف إلى التجربة الإنسانية الكثير من النضج، فهي فرصة للنمو والاندماج في المجتمع وامتلاك الكثير من القوة لمواجهة الضغوطات التي لن تتوقف أبدا.