يوسف حامد

موطن

لم يرتَضِ لها سكناً إلا «بسطاراً» قديماً وجده يتربع فوق كومة قمامة، أسرع بهمة ونشاط يهيئ لها المأوى الجديد، عبّأه بالتراب المسمَّد، واجتهد في إعداد التربة الجديدة وتزيين «البسطار» بربطات قماشية أنيقة زاهية تناسب الزائرة الجديدة، واحتفل بزرعها فيه ببهجة؛ ووضعه وسط أشجار الحديقة منتشياً بفكرته المبتكرة. بعد حين ذبلت الزهرة وماتت، ومن يومها تنتشر رائحةُ عفنٍ من الورود.

جائزة

وقف أمام المرآة بتأنُّق، ونشر رذاذ العطر من حوله، وبعد أن اطمأن إلى جاهزية مظهره، انطلق تسبقه في السرعة نبضاتُ قلبه الجذلان؛ إلى احتفالهم بفوزه بالجائزة التي ستُدخله عالم الأدباء رسمياً. يحلّق بذهنه في الآفاق التي ستفتح له ليصبح علَماً في الأدب والشعر.

في القاعة جلس قلِقاً في صف المكرَّمين الفائزين بجوائز رابطة الكتاب. حين نودي على اسمه؛ نهض لتسلُّم جائزته وسط تصفيق الحضور، ضمّها إلى حضنه وغادر مسرعاً إلى بيته.

في السيارة جلس في المقعد الخلفي منفرداً بجائزته التي لم يعد يستطيع مقاومة فضوله لمعرفتها، وحين افتضّ ورقة التغليف؛ وجدها مجموعة أعداد قديمة لمجلة تصدر عن الرابطة.

استنتاج

جلست الصغيرات الثلاث في إحدى زوايا ساحة المدرسة يتحاوَرْنَ بعيداً عن صخب بقية التلميذات وقد بدت عليهن ملامح الاهتمام بموضوع الحوار. قالت كبراهن لصاحبتيها وهي تحاورهما:

- أبوَانا آدم وحواء خُلقا من التراب.

وقالت أوسطهن باستغراب:

- كيف خُلقنا من تراب وابنة عمي بيضاء. والتراب بنّي اللون؟

انبرت صغراههن للإجابة وقالت ببراءة:

- هذه خُلقت من تراب أبيض، أما مَن خُلق من تراب أحمر فلونه أحمر؛ والبنّي خُلق من تراب بنّي من تراب حديقتنا.

براءة عصرية

التفّ الثلاثة من حولها متسامرين، حدثتهم وهي تعكس أحلامها فيهم عمّا تريد أن يكونوه في المستقبل :

- أنتِ (ونظرت للكبرى) ستكونين طبيبة كابن سينا، وأنتِ ستكونين مهندسة تبني الدُّور والمساكن، أما أنتَ يا صغيري فستكون طياراً تداعب الغيوم.

حدّقت الوسطى في وجه أمها، وقالت باحتجاج بعد طول تفكير:

- أنا أريد المهنة التي تعطيني مالاً أكثر.

سكون

فتح البابَ ودخل، يحاصره الصخب المرهق بعد يوم عمل شاقّ في مدينة أرهقه ضوضاؤها، تمسمر في مكانه ووقف يتأمل المشهد، محا جمالُ المشهد كلَّ أمواج الصخب الهادر في داخله، كانت الصبيّة الصغيرة تلفّ شقيقها الرضيع بذراعيها، وتضمّه في حجرها وقد جلست على الأرض تغنّي له دون أن تنتبه إلى وجود أحد من حولها، وقف بصمت يرقبها، حينها بدأ عالم من السكون يتولد ويهزم الضوضاء في روحه.

على ناصية الطريق

خفّف من السرعة بشكل مفاجئ، ثم أوقف سيارته على الجانب اﻷيمن من الطريق، ورجع بالسيارة إلى الخلف بتؤدة، ولمّا اقترب منهما، أوقف المحرك، وظل يتأمل المرآة أمامه، ثم ترجّل من السيارة واتكأ على بابها وتابع تأمّلَه للمشهد في السيارة التي تقف خلفه.

كان الرجل الجالس أمام المقود بمعزل عن صخب السابلة حوله، يُجلس طفله الصغير في حضنه، وبيده اليسرى يتناول من كيس «البزر» حبّة ثم يضعها بين أسنانه ليفتحها، وبعد ذلك يترك لُبَّها بين شفتيه، فيمد الصغير يده لتناول اللبّ ويضعه في فمه بسرور.

كaان البشْر يفيض من محيّا الأب كأنما تجسّدت كلُّ سعادته في تلكم اللحظة.

ابتسم وهو يتأمل المشهد أمامه، تمنى لو يحصل على جزء مماثل من تلك اللوحة التي تجعل القلب ينبض سروراً، أو لو يستطيع التقاط تلك الصورة بالكاميرا لاستعادتها مرة أخرى، ضحك ثم صعد إلى السيارة وواصل سيره.

جمود عاطفي

أشفقت السيدة من حالة الجيشان العاطفي التي توقّعت أن يفيض بها موقفُ الوداع بعدما طال وقوف الرجل العجوز أمام الجثمان المسجّى؛ فقالت:

- يجوز لك أن تقبّل جبينها يا سيدي.

نظر إليها العجوز برهة؛ ثم قال وهو يهمّ بمغادرة المكان متكئاً على عصاه:

- أسدلي الغطاء، فقد (بُسْتُ) في زماني ما يكفي.

مصلحة

احتدّ النقاش بين مدير مصلحة الرصد الجوي والراصدين حول دقة توقعات المدير بدرجات حرارة مرتفعة جداً خلال الأسبوع القادم والمغايِرة لتوقعات فريق الرصد بطقس معتدل الحرارة، وانتهى الأمر بأن أملى المدير نشرة الطقس الإعلامية وفق ما يريد.

فور أن خرج الجميع من المكتب رفع المدير سماعة الهاتف بفرح وخاطب مدير شركته لتجارة المكيفات:

- بإمكانك الآن الترويج لجهاز التكييف الجديد.

شهرزاد

أسلم عينيه للنعاس، وتوسّد فخذها بعد أن أنهت حكايتها، حملت رأسه المثقل ووضعته على الوسادة، ثم وقفت عند النافذة، ورفعت جهاز الارسال إلى أذنها، وقالت وهي تنظر من النافذة:

- تمت المهمة سيدي.

هدية

ما إن دخلت المنزل حتى ركضت نحوه مناديةً:

- بابا...... بابا.

مدّ يديه وضمّها إلى حضنه، قالت:

- أحضرتُ لك معي هدية من الروضة.

قال مداعباً:

- لي أنا! وما هي؟

- لقد أحضرت لك صورة وأريد أن أطبعها على وجهك، هيا أغمض عينيك كي أطبعها لك.

أغمض عينيه وأسلم خده ليديها، أخرجت لسانها وقرّبت فمها من وجهه وبلّلت خده بلعابها كي تطبع الصورة.

انفجر ضاحكاً حين أحس بدفء لسانها على خده فاعترض:

- بلليه ببعض الماء وليس بلسانك.

- لا، أبلله بلساني أحسن.

ضحك مجدداً، وأسلم لها خده مرة أخرى.