علي السباعي

يسطع نهار أيار ذهبياً مشرقاً من سراج شمس قوية. ألمح تساقط الضوء الأشقر على بيوت محلّتنا العتيقة. يستحيل اللون الرمادي للبيوت أصفرَ محاطاً بهالة من القدم.

وسط زقاقنا الضيق، الزاهية حدائق منازله بأشجار السدر، وعلى جانبيه تقف شامخة وساكنة أشجار الأوكالبتوس في هذا الصباح الساكن، أجلس تحت ظلالها الباردة المنعشة، تحفّ بي زقزقات العصافير، وتتداخل مع موسيقى عذبة تقترب نحوي من أول الزقاق.

فوق اسفلت زقاقنا الضيق، تسير عربة خشبية يجرّها حمار أبيض، محمّلة أسطوانات غاز قديمة، متسخة بلون رصاصي قاتم، تصدر عنها أصداء موسيقى لبتهوفن، وتعلو كلما اقتربت من دارنا.

يقود العربةَ رجلٌ يرتدي ملابس رياضية في نهاية العقد الثالث من عمره، يجلس فوق إحدى الأسطوانات، واضعاً حاسوبه الشخصي فوق ركبتيه، منادياً بين فواصل موسيقى بتهوفن سبع مرات:

- غاز، غاز، غاز، غاز، غاز، غاز، غاز...

كانت الشمس ساخنة. بضع غيوم متفرقة تسود السماء الزرقاء. هي سماء لم أرَ مثل صفائها قطّ. تبدو الشمس لا حدّ لجمالها، تملأ سماء المدينة بشقرة مغرية. أوراق الأشجار مبتلّة بالندى، وأوراق سعف النخيل مشبعة ببخار الماء المتصاعد على أشعة الشمس.

ما يحدث، يثير حقاً استغرابي وتساؤلي، بوصفه أمراً غريباً لم أعهده من قبل، كوني اعتدتُ على نغمة محددة أصبحتْ بمثابة إعلان لوصول بائع اسطوانات الغاز منذ زمن طويل.

قلت في دهشة: موسيقى لبتهوفن؟!

هدوءٌ ناضج ترسله معزوفة بتهوفن، ببطء، ببرودة، بقشعريرة، بينما يصيح بشكلٍ متواترٍ ومتوازٍ، صوتُ رجلٍ نشيط، مكرراً سبع مرات كلمة «غاز»، ليبادرني لدى اقترابه مني بصوتٍ له وقعٌ محبب:

- أتريد قنينة غاز؟

أجيبه نافياً بحركةٍ من رأسي، وأسأله بحزم ومهابة:

- أتحبّ موسيقى بتهوفن؟

فيجيبني بكلمة واحدة تنطوي على نبرة حالمة:

- جداً.

كان مزاجه رائقاً، وقد تلألأت ابتسامة عذبة على شفتيه المكتنزتين، وأشرق وجهه بفرح طفولي قلّ نظيره.

أعلّق على ردّه بصوتٍ عميق:

- يا لك من إنسان رائع!

كان الوقت ضحى. وكانت شمس الضحى ساطعة، وهادئةً كانت أوراق أشجار السدرة والأوكالبتوس، حاضنةً عصافير مزقزقة لاهية بنشاط ومرح عاليين.

روحي المتعبة، شعرتُ بتعبها من قطرات عرَق قليلة راحت تنحدر من جبيني. هواءٌ صباحيّ جافّ ينذر بشمس حارقة.

يبدي الرجل خجلاً وتردّداً واضحين، تعبّر عنهما عيناه الخفرتان. وبصوتٍ فيه من الوحشة والشجن الشيء الكثير يقول:

- أنا إنسان حالم.

فأسأله بخفوت بينما عيناه في ذروة لهيبهما الحالم:

- هل حلمُك يشبهك؟

مثل نايٍ حزين يجيء ردّه حزيناً:

- نعم، حلمي يشبهني.

الصباح يزفّ نبوءة تفسير حلم الناي الحزين إلى مدينتي التي كانت جميلة، وزاهية، بخضرة أوراق أشجارها وسعف نخيلها، وكان وردها الجوري يضحك لنا بعطره الطيب، فأعلّق بمشقّة:

- لكنْ ما أسرع ما تنتهي الأحلام!

بدا لون عينيه كنحاسٍ محترق يخفي تحته زلزال حزنه، الذي يشعل الموسيقى في روحه، التي تشعل النهار في ليل عينيه، اللتين بلون الليل في بلاد الرافدين. أرفع رأسي عصيّاً مثل رأس ثور قيثارة أور، لأخبره بعدما توجّه إليَّ بنظرةٍ بين اللوم والحنان وهو يسحب نفَساً عميقاً، ويتحسر بشدة:

- الناجح هو الحالم الذي لا يستسلم في حياته أبداً.

ليجيبني بعينين حازمتين وبنبرة حازمة:

- أنا تعسٌ من دون الموسيقى.

في تلك اللحظة رأيته قوياً وحائراً وحزيناً مثل كمان. لم يكن يرغب في التحدث، ولم يكن قادراً في الآن نفسه على الصمت.

نغرق من جديد في لجة الصمت، ليعود بعد لحظات قاطعاً الصمت بصوته الأليم:

- تعاستي تكمن في أنني لا استطيع أن أعيش من دونها. من دون الموسيقى.

أسأله في محاولة مني لأعتذر منه ولتوضيح الأمر، وأنا أبتسم له ابتسامة عريضة:

- هل أخرجتكَ الموسيقى من قنوطك بعدما طرقتَ جميع أبواب الحياة؟

يجيبني:

- فتحتُ باب بيتي ببيع الغاز.

أسأله:

- ولماذا تبيع الغاز على إيقاع موسيقى بتهوفن؟

يتخذ وجهه في تلك اللحظة سيماء جادة أقرب إلى الصرامة، ويرد عليَّ بكلمات تامات صادقات بعد أن رمقني بنظرة غريبة تلتمع في عينيه اللوزيتين المغمستين بضوء شمس قاسية، ويقول بصوت مبحوح يشبه الهمس:

- حبي للموسيقى يجري في عروقي.

خضرة حديقتنا في هذا الصباح فياضة، ناصعة، ومتنوعة.

أسأله:

- هل درستَ الموسيقى؟

يجبني بتهدُّج:

- أنا متخرج أكاديمية الفنون الجميلة.. قسم الموسيقى.

- ألم تحصل على وظيفة ضمن تخصصك؟

- أين تعيش؟ ألست تعيش في بلاد ما بين قهرين؟!

أنظر إليه، فأرى دمعة صغيرة بلون الماء الصافي تنزلق على وجنته اليمنى. يمسحها بسرعة، ليمتد بيننا صمتٌ قصيرٌ يافعٌ موجعٌ.

- لم أحصل على فرصة عمل، مما دفعني في مهنة بيع اسطوانات الغاز التي توارثتها أسرتي منذ سنين طويلة.

كان يتحدث إليّ بهمة وصدق، مشيراً بيده اليسرى:

- بيع اسطوانات الغاز مهنة غير معيبة! لكني حاولت تغيير أسلوب العمل في مهنة بيع الغاز اعتماداً على تغيير الرنة المتوارثة حيث اعتمدت على موسيقى بتهوفن وجعلتها عنواناً جديداً لبيع الغاز!

صباحٌ صيفي من صباحات أيار، شمسه تستدير في سماء غير بعيدة يلتمع ضوؤها فضياً حاداً صريحاً. أراقب جلالها الواضح فأتعجب من قوة هذا الإنسان وقدرته على التحمل:

- هل تحب عملك؟

لا يجيب، لكنه يرفع إلي عينين مكتظتين باللوم. ثم يقول بعد صمت:

- باتت موسيقى بتهوفن تجد لها صدى عند بعض الناس رغم غرابة الأمر لدى الكثيرين.

وواصل مبتسماً:

- أحد زبائني رجلٌ مسنّ لقّبني ببتهوفن! بتهوفن يبيع اسطوانات الغاز!

يتركني بعد أن يطلق عنان حماره، رافعاً صوت موسيقى بتهوفن وهو ينادي بشجاعة وقوة:

- غاز. غاز. غاز. غاز. غاز. غاز. غاز.