د. فيصل غرايبه

إن العدالة الناجزة هدف ينشده كل إنسان يعيش على هذه البسيطة، وغدت سرعةُ التقاضي عنوانا لكل مجتمع متحضر، ومؤشرا على مدى حرص الدول على تعزيز استثماراتها والحفاظ على حقوق مواطنيها، وأصبح القضاء الالكتروني رديفا لتبسيط الإجراءات وتسريع التقاضي.

وللكتابة في هذا الموضوع قيمة توعوية لدى المهتمين بالقضاء الالكتروني وأثره على التقدم والنمو في الدولة، وهو يشكل إضافة نوعية للمكتبة القانونية الأردنية والعربية، كما نوه وزير العدل د.بسام التلهوني، في تقديمه لكتاب القاضية تغريد حكمت الذي صدر حديثا بعنوان «القضاء الالكتروني» ليعرّف القضاة والمحامين خاصة، والقراء عامة، بآخر ما توصل اليه العلم في مجال تكنولوجيا المعلومات وكيفية الاستفادة من هذا التطور في مجال القضاء الالكتروني والحوكمة الالكترونية، ومواكبة التطورات والمستجدات والمتغيرات في هذا الحقل معرفيا وعم?يا على مستوى العالم، إضافة إلى تزويد القضاة بالقواعد القانونية لإدارة الدعوى الالكترونية، وتنمية معارفهم بما يصل إلى تبسيط إجراءات التقاضي وتطويرها الكترونيا وضمان سرعة إنجاز العمل القضائي.

وهكذا نشأت المحكمة الالكترونية، كحيز تقني معلوماتي ثنائي الوجود، يتمثل بشبكة الربط الدولية ومبنى المحكمة، يعمل على استقبال الطلبات القضائية ولوائح الدعاوى وتجهيز الملفات الالكترونية، فيتمكن أصحاب العلاقة من الترافع وتحضير الشهود وتقديم البيانات والاتصال المباشر مع العاملين.

وجاء إنشاء المحكمة إدراكا من أنه إذا وَجد الظلم سبيلا لعرقلة أعمال البشر، فمن واجب العدل أن يجد سبيلا أوسع لتيسيرها. ومن التجربة والممارسة قام البشر باستنباط القيود لضمانة العدل، إلا أن بعض الدعاوى تستمر بالغدو والرواح في المحاكم سنين كثيرة، كما أنه ومن أجل سلامة العائد وسرعة الإنجاز، لا يليق بالمشرع الإكثار من المراسيم والقيود التي قد تكون وسيلة ناجعة للمماطلين وعبئا ثقيلا على أصحاب الحقوق.

في ضوء ما تقدم، سعت المحامية تغريد حكمت إلى إيجاد إجابة تفصيلية واضحة حول «كيفية تحقيق العدالة وسرعة الإنجاز» في الفضاء الافتراضي للقضاء الالكتروني. وأشارت إلى جهد القاضي الأردني حازم الشرعة من خلال مشروع طموح لإنشاء نظام للتقاضي الالكتروني أطلق عليه اسم «دائرة المعلوماتية القضائية»، وهو يشمل محاكم للطعن بالقرارات والأحكام الكترونياً، ودوائر للتنفيذ المدني للأحكام بوسائل عرض ومتابعة فائقة التقنية، علاوة على أنه لا بد من التطرق للتقاضي الالكتروني، كفرع من فروع القانون للدراسة والتطبيق في ما يتصل بمرحلتين أك?ديميتين: الأولى دراسة نظرية لمفهوم التقاضي الالكتروني ومحاوله تطويره وتحديده ووضع أسس الحماية له، والثانية: تطبيق وعرض فعلي لمحاكمات الكترونية متطورة، تبادر لعقدها كليات الحقوق في الجامعات، ضمن قاعات محاكمة مجهزة بأحداث الوسائل التقنية والحاسوبية، وبرامج محدثة تتم هذه المحاكمات بواسطتها.

يشكل هذا النسق من التقاضي ثورة تشريعية وتقنية في أصول وإجراءات التقاضي، ويمكّن المحاكم من أداء مهامها بطريقة أكثر فاعلية وسرعة،كما أنه يوفر إمكانية تسلّم المستندات في أيّ وقت يوميا، حتى في أيام الإجازات والعطلات، ومن أي مكان عبر شبكة الإنترنت. إذ يقوم الموظف المختص في الموقع الالكتروني بفحص المستندات، ويقرر قبولها أو عدم قبولها، ويرسل للمحامي رسالة الكترونية، يعلمه فيها بتسلم مستنداته، والقرار الصادر بشأنها.

إن نظام رفع الدعوى الكترونيا، يسمح للمحامين والمتقاضين بتقديم المستندات القانونية بطريقة الكترونية، ويقلل من تكلفة رسوم التقاضي، ويوفر الدليل الكتابي ومفهوم الأصل والصورة والنسخة طبق الأصل وحجتها في الإثبات.

وترى المؤلفة أن الاعتماد على التقنيات الحديثة في إجراءات التحقيق والتقاضي يمكن تطبيقه من الآن، دون حاجة الى تعديل تشريعي في كثير من الإجراءات، سواء في القضايا المدنية أو الجنائية، وحتى إذا كانت هناك بعض النصوص التي تحتاج إلى تعديل تشريعي فلا مانع من تعديلها. وهي تقترح عقد دورات تثقيفية للمحضرين، ترشدهم إلى المواد والقوانين التي تتعلق بالتبليغات، وكيفية التعامل مع الأشخاص المراد تبليغهم، وطبيعة المخاطبة والجدال في حال امتناع أي طرف عن التوقيع على المذكرة.

وتؤكد أنه لا بد للجميع من قانون، ولا بد للقانون من قضاء. وتستشهد هنا بقول مأثور من قبل فقهاء القانون البريطانيين مفاده «تعويق تحقيق العدالة هو نكران للعدالة نفسها».

أما على الصعيد العملي أردنياً، فقد تم تنفيذ الموقع الالكتروني الخاص بوزارة العدل والمجلس القضائي، لتمكين المواطنين من الحصول على المعلومات التي تهمهم. كما أن الخطة الاستراتيجية لتطوير القضاء، تتضمن تعزيز النزاهة والاستقلال القضائي، وتطوير كفاءة الجهاز القضائي، وتقليل الطلب على المحاكم، وحوسبة أعمال المحاكم، وتعزيز العلاقات مع الشركاء المعنيين، والمراجعة المستمرة للقوانين والتشريعات وتطبيقاتها. لتصل إلى اعتبار أن المحاكم الالكترونية أصبحت واجبة، على أن لا يعوقها متشككون أو أصحاب مصالح أو رافضون لكل ما هو جد?د. إذ يظهر مدى عجز القانون الأردني عن مواكبة التطورات العلمية والعملية الحديثة والتي من أهمها إبرام العقود عن طريق شبكة الانترنت. كما أن القواعد العامة في الإثبات في القانون المدني الأردني لا تستوعب المحررات الالكترونية كدليل إثبات، فقد تكون مجرد قرينة أو دليل ثانوي خاضع لتقدير القاضي، وهو ما لا يتفق مع الغاية والغرض المرجوّ من وراء هدف التجارة الالكترونية التي تسعى إلى سرعة إنجاز المعاملات وبأقصر الطرق.

إن المحكمة الالكترونية وفقاً للمؤلفة، قد تكون حلّا عصريا لأزمة بطء التقاضي، وإن العدالة البطيئة ظلم طويل وهمّ ثقيل. ويتيح هذا النظام للقضاة وأطراف الدعوى تقديم البينات الخطية والشخصية دون داعٍ للحضور إلى المحكمة، ومن خلال مواقع الكترونية ضمن الشبكة الخاصة بموقع المحكمة.

هناك أنواع من الجرائم الالكترونية، كجرائم ضد الأفراد وجرائم الانترنت الشخصية كسرقة الهوية والبريد الالكتروني، وجرائم ضد الملْكية عن طريق نقل البرمجيات المضرّة إلى الأجهزة، والجرائم ضد الحكومات،كمهاجمة المواقع الرسمية وأنظمة الشبكات الحكومية، وهي توصف بأنها خفية وسهلة الارتكاب، وهي غير أخلاقية، تتعدد فيها طرق الوصول للضحية، كنسخ المعلومات المخزنة، وخطوط الاتصال الهاتفي، وأجهزة الهاتف النقال، والبرامج المدمرة، بما يسمى «أحصنة طروادة».

وتورد الباحثة، للحد من الجرائم الالكترونية وآثارها على المجتمع، إجراءات فرض عقوبات كبيرة على مرتكب الجريمة الالكترونية، وابتكار تقنيات جديدة للحد منها والكشف عن مرتكبيها، وإنشاءخطوط هاتفية ومؤسسات خاصة للإبلاغ، والتعريف بكيفية الحفاظ على سرية المعلومات. إلا أن هناك رأيا آخر في هذا المجال مفاده أن الجرائم في الوسائل الالكترونية تندرج في قانوني المطبوعات والنشر وقانون العقوبات. ولا بد من الفصل بين ما يُنشر على المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن الباحثة تقف مع الحرية الصحفية ومع صيانة الحرية?الشخصية وعدم اغتيال الشخصية، وترى أن تغليظ العقوبة ليست الحل المثل لمعالجة الأمر، ومما يهمها إزالة القلق وسوء الفهم لمشروع القانون، لأن الحقوق الدستورية وحرية الرأي يكفلها الدستور. وبمزيد من الديمقراطية والانفتاح والحريات، يتجسد الحرص على حماية الدولة والمجتمع وسيادة القانون ليكون الكل فائزا في النهاية.