د. أماني حاتم بسيسو

اختار د.عصام أبو شندي لروايته هذه عنوان «ملابس عسكرية»، فأيّ دلالة لِهذا العنوان؟!

إذا تأمّلنا -بدايةً- مفهوم الملابس وفلسفتها، وجدناها تَرِدُ في القرآن الكريم: «يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير» (الأعراف: 26). «يواري سوءاتكم»: الكاتب «يواري» ويُخفي خلف اللغة العسكرية والصّور المخفية، معنىً عميقاً، لا يَصِلُ إليه القارئُ إلا بعدَ التَّأمُّلِ في إبداع المبدع القائم -بدرجةٍ رئيسية- على الخيال الفني.

الخيالُ الفني يحوز القدرة على جمع «الأشياء الحيّة والميّتة، والمتجاذبة والمتنافرة على غيرِ نسَقٍ أو ترتيب فيعمل على تركيبها وتنظيمها وإخراجها في صور مكانيّة لمّاحةِ الإشارة، وموسيقى زمانية موقعة الصوت، وفق أوتار النفس شدّةً وارتخاء. ثم تتجمع بقية الوسائل الفنية، والتشكيلات اللغوية الأخرى حول هذه الصور لِيتألَّف من الجميع نصّ» وفقاً للناقد د.عبد القادر الرّباعي.

وإن كان حديث الرباعي هنا وصفاً للفن الشعري، ففنون الأدب كلُّها تقترب في وسائل أدائها، وفنيّات إبداعها، وعصام أبو شندي –في روايته هذه – يُركِّز على الأداء التمثيلي. روايتُه هذه تقترب –إلى حَدٍّ بعيد- من فنّ السيناريو والحوار في الفيلم السينمائي.

العنصرُ الجمالي الذي ينتظم الإبداع الفني في هذه الرواية، هو فن التَّصوير التمثيلي النابع من الإيحاء الفني، هذا الإيحاء مهمّتُه الأساسية -كما يرى الرباعي- «أن يُعبِّرَ عن تجربةٍ حيَّة أولاً، وأن يؤدي هذه التجربة إلى الآخرين فيمارسونها بالحيوية نفسها التي مارسها هو فيها ثانياً». التصويرُ التمثيلي هو ما يُعرف بالسيناريو، ويتضمن وصف المشهد الخارجي، ووصف الشخصيات، و«الحوار» الذي يجري بين تلك الشخصيات، ضمن إثارة أحداث الفن القصصي بأسلوبٍ مشوِّقٍ، يجذب القارئ أو المشاهد.

يفتتح الكاتب الروايةَ الصادرة عن مكتبة الطلبة الجامعية بإربد (2019) بمتابعة حوارٍ سابق.. القارئُ لا يعلم المتحاورين، لكنّ حوارَهما مُشوِّقٌ، يُثيرُ الفضول، ويَنشرُ جوَّ الألغاز والأحاجي، بلغةٍ مُعبِّرة، مليئةٍ بعلامات التَّعجُّب. تسأله فيجيبها إجاباتٍ رمزيّة ليتحاشى التصريح. هذه الحادثة وهذا الموقف لا يرتبطان بمكان أو زمان بعينِهما، لعلَّ هذا الموقف غدا سيرةً معهودةً في حياتِنا!

«- وُلِدتُ في السَّنةِ التي غطَّت السُّحُبُ السوداءُ فيها أفقَ المدينة.

• هذه أحجيةٌ ولا ريب!

- أبداً ليست أُحجية.

• وكيف لي أن أعرف المدينة التي غطَّت السُّحُبُ السوداءُ أفقها؟ ألا ترى أنَّكَ تراوغ بقصد التَّهرُّب من الإجابة عن سؤالي؟!» (الرواية ص5).

يُشير الكاتبُ –في وصفه الدَّقيق لِمَسرحِ الحَدَث- إلى ِوَجه أوّلِ زبونٍ في مطعم الفلافل، ويربط وصفَه له بأوصاف الأرض، وسِماتِ أهلِها الخاصّة بهم دون غيرِهم: «زبونٌ صغير لون وجهه كلون هذه الأرض التي نسكن فيها في هذه المنطقة من العالم، ما بين الأسمر والأبيض» (ص6).

الصَّباح انبعاثٌ جديد، وتَوقٌ لِحياةٍ أجملَ وأفضل -كما اعتاد الخيالُ الأدبي أن يكون- لكنَّه ليس كذلك في تجربة بطلِ هذه الرواية! «في صباحٍ من صباحات الفشل التي لا تَنفكُّ تتوالى في شريط حياتي قال لي جدّي إنه رأى رؤيا في المنام، وقبل أن يرويها لي أدركتُ بفطرتي الطفولية آنذاك، أن ما سيقوله لي جدّي سيكون نذير نحس عليّ في حياتي، ذاك أن جدّي عاش فاشلاً ووَرَّثَ الفشلَ لأبي، ومن الطبيعي أن أرث الفشلَ عنهما. قال لي إنه رآني في المنام خيالاً أسود، نعم أسود لكنَّه كان يُميّزني..ما أتعسكَ وما أتعسني من بعدكَ يا جدّي!?» (ص7).

إيمانُ الإنسان، ويقينُه بقدرته، حتى على تأويل الأحلام، هو الذي يصنع نجاحاتِه، ويصوغ قدراتِه!

إذا الشعبُ -يوماً- أرادَ الحياةَ فلا بُدَّ أن يستجيب القَدَرْ!

(أبو القاسم الشابي)

قناعةُ الإنسان هي التي تهيئ له الهِمّةَ في ارتيادِ النَّجاح، والعملَ على تحقيقه، أما إيمانه بالفشل فهو الذي يخذلُه ويهزُمه قبلَ أيِّ شيء!

نوع التَّصوير

التصويرُ في هذه الرواية قائمٌ بالدَّرجةِ الأولى على البُعد المعنوي الانفعالي، فهو يصوغ الأحداثَ التي مَرَّ بها بطلُ الروايةِ معنىً يسري في فؤاد القارئ، فيثيره بالانفعالات الحادة العارمة: «كم أنا متهالك إلى حدِّ الموت.. ثم رفعتني الأيدي وراحوا يفتشون في ثنيّات جسدي» (ص38)! لقد مثّل جسده بالثوب ذي الثنيات.

والصور الميتافيزيقية في إبداع أبو شندي، تُجاوز الحدود المعهودة، لأنَّ الآلامَ تفوق حدودَ الوصف المادّي المُجرَّد، فالمسافة بين الموت والحياة هي مسافة، لكن هل هي مسافة مكانية أم مسافة زمانية أم مسافة من مسافات الميتافيزيقيا؟! المهم أنها طويلةٌ. «أمين أحسن حظاً مني، فالمسافة بين حياته وموته كانت موجزة مكثفة بأيّ مقياسٍ كانت، المهم أنها كانت قصيرة، أما أنا فأرى أن المسافة بين موتي وحياتي الآن وفي هذا الظرف ستكون مؤلمة» (ص38-39).

أيُّ تعبير هذا! (المسافة بين موتي وحياتي مؤلمة)، إنَّه يَتفوَّق على جماليّة «تراسل الحواس» إذْ يُجاوز العالم الحسي كلَّه، إنه يقلب تشبيه المعنوي بعالم المادة إلى العكس فتُضحي المسافة مؤلمةً! لكنها ليست إلا مسافةً بين الموت والحياة! بين معنيين! الكاتب مغرمٌ بالعالم المعنوي، أسيرٌ لِظلاله وأجوائه.

جدوى التصوير الإيحائي

هذا الإيحاء يُحيي التجربة، ويُقرِّبُها إلى المتلقّي لِيُمعِن في تأمُّلِها المَرّةَ تِلوَ المَرَّة، وتُحفِّزه للتَّساؤل حولَ ما تُهيئ جماليات التصوير السينمائي الإيحائي للقارئ من مَعانٍ تتحرَّك في لاوعيه العميق، لِإدراكِ ما يُناجي خيالَ المبدع.

والكاتب -لا ريب- يقصد لإثارة انتباه القارئ، لكنّه لا يتصنَّع وسائلَه إلى ذلك، إنها تجيء عفويَّةً دون تَكَلُّفٍ أو قصد، لِذا فهي تملك التأثيرَ في القارئ، من مِثلِ ذلك: ظاهرة تداخل الأجناس الأدبية، إذ تسيطر على الكاتب، فهو في إبداعه هذا روائيٌّ، وفيلسوف، ومصوِّرٌ، ورسَّام، وشاعر، ونحّاتٌ، ومؤرِّخ، ورجلُ سياسة!

تعبير أبو شندي بالصور الحسية عن المشاعر والمعاني تعبيرٌ حسّاس، يلفتُ النظر إلى مدى عمقِ انفعالِه وتفاعلِه: «هذا الشعور المُلِحُّ أُحِسُّ به متحوصلاً في صدري»، «هذه الأحاسيس بِتُّ أشعر بها الآن تهرش جسمي هرشاَ» (ص48). «لكنَّ المأساةَ الساكنةَ بين الجوانب الآن هي الجوع والعطش، وكأنَّ هؤلاء العسكر أطعمونا وجبةَ الأمس لِتكفينا دهراً بأكملِه... المهم أن الأجسادَ نالت قسطاً من الطعام والشراب، وهي صائرةٌ إلى الموت لا محالة، فعلى الأقل أن تستطيع الأقدام حمل الأجساد إلى موضع قبض الرُّوح» (ص88)! هذا تعليلٌ هازئٌ مؤل?: «أطعموني حتى أتمكن من الوصول إلى مكان الموت».. ألِهذا -وحدَه- أطعموني! وقولِه «موضع قبض الروح» تعبيرٌ تهكّمي! فالذي هو مجهولٌ في تجربة الناس كلِّهم: «وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت» (سورة لقمان: 34) باتَ معلوماً لنا! فقد طال عهدُنا به في تجربتنا!

الأوصافُ تخرجُ عن محيطها المألوف، يتداخل كلٌّ منها في عالم لم يُعهد أن ينتمي إليه: «زخات من الرصاص انطلقت نحونا تطنّ وتَهذي بلحن الموت المؤكَّد» (ص91)، صار الموتُ لحناً ينتظمنا كلَّنا -كأنغامٍ لإيقاعِه! تراسلُ الحواسِّ -هنا- يثير انتباهَ القارئ، ويوضِّحُ مدى اندماج الأديب وتفاعله في ما حولَه كلَّه، «إننا بإزاء الصور وهي تتفتح في سياق الإيحاء الذي يضعنا في تضاعف دلالي، أشبه ما تكون بمن ينظر إلى الأشياء من وراء زجاج يمتزج على صفحته الضباب/ بقطراتٍ من المطر... إلا أنه غموض يؤسّس تحجُّباً لا يمكن اعتباره فارغا? من الدّلالة والماهيّة» كما يرى عاطف جودة نصر.

تجسيد المعاني والمشاعر

الكاتبُ لا يُجَسِّدُ المعاني حَسْب، إنَّه يخلق لها حركةً تُناسِبُ جَوَّ التعبير (الموت فاغراً فاه)، ويوظف الاستعارةَ الفنية لِتجسيدِ الصورة في ذهن المتلقي لِيَملك التأثيرَ فيه: «أحسستُ بالموت فاغراً فاه يريد أن يفترسنا... بقينا نحن الاثنان نقف على قارعة الموت والخوف والبرد والفشل» (ص33)، ومن ذلك قوله:"والخوف يتلوى في جوانبي ويسري مع دمي» (ص37).

الذكرياتُ –هذه- توجِعُ المُتلقي، فيتمثل وجعَ البطل، ليس لأنَّ محنتَهما واحدةٌ وحَسْب، بل لأنَّ المظهرَ التمثيلي يتراحب بالذهن الإنساني، لِيَتَّسعَ أمامَه الإدراك: «تقوقعتُ هناك ورحتُ ألعق انهزامي وضعفي وكرامتي المهدورة، وأسأل نفسي لماذا لا يطعمني هؤلاء القوم ما داموا أسروني... وهنا عادت الغصَّة تُطبق على صمامات قلبي وشراييني ونفَسي يضيق وعَرَقي يتَنزى وأنا أتذكر كرامتي المهدورة» (ص58).

ليست قوّتُنا المزعومة إلا «ملابس» نلبسُها! وهي «ملابس عسكرية» كما ينبغي لكلِّ الدّول أن تكون! لكنها خاويةٌ من المعنى الحقيقي للقوة والقدرة، ها أنذا «سقطتُ على الأرض وسقط معي النزر اليسير من كرامتي المزعومة، لم يسقط وحسب، بل تناثر على الأرض كسفاً» (ص42)، ولا ريب «أنني مقبل على مراحل أشد ضنكاً في السرداب الذي دخلتُ فيه» (ص46).. سلسلة من النَّكسات والهزائم!

نمط التَّصوير في الإبداع الفني هو ما يُميّز تجربةَ عصام أبو شندي في روايته هذه، ويُكسِبُها ميزةً جماليّةً فريدة، ترفع من مستوى إبداعِها، وتُحقق لها القُربَ المرجوَّ من المُتلقي للتأثيرِ المراد.