رفعة يونس

مَن الطائر الصغيرُ؟!

هل هو «زياد سعيد» في حبه؟! ذاك الشاب الذي هرب ليبحثَ عن نفسه في إطارِ الحريّةِ والانعتاق، حتى لو كلفه ذلك التعبَ والمشقةَ والإدمان على الحبِّ، فحبّه نوعٌ آخرُ مع حبيبتهِ «ربى»، تلك المتزوجةُ والتي عادتْ لروتينِ حياتها بعد هذه الإجازةِ، مع «زياد» ذاك الهارب من حضنِ الأسرةِ, ومن قلب «سارة» حبيبته المتعففة إرضاءً لنفسها ولمجتمعها.

هل هو «زياد سعيد» في عمله؟! زياد الذي وجد نفسه في «دير ألما»، حيث اضطرته الظروف للعمل في المسلخِ على غير ما يشتهي، وعلى غير ما يوافق شهاداته العلمية الجامعيّةِ، وقد أصبح باحثاً عن نفسه الضائعة في عملٍ وصحبةٍ لا تروق له، ولا تناسب طموحاته بشيء!

حاول «زياد» أن يجد نفسه بصداقته مع «عواد» (أبو الفهد)، هذا الذي آثر أن يترك العسكريّةَ ليفتح استراحةً على طريق العقبة، كي يتمكن من سداد نفقات تعليم ابنه «الفهد». حاول «زياد» أن يتقرّبَ منه, وعمل معه واستطاع أن يكسب ثقته، كان يحسب أن «أبو الفهد» لقب، لكنه اكتشف أن «الفهد» حقيقة. تعرف على «الفهد» من مذكراته، أحسَّ بقربه من هذه الشخصية الغامضة والشائكة، إذ إنّ كليهما قد وجدا في أسرةٍ محبةٍ ومضحّيةٍ من أجلهما، كلاهما نالا الشهادة الجامعيةَ، ووظيفةً مرموقة في البداية، كلاهما أحبّا أن يعيشا الحريةَ، «زياد» حريته?في الانعتاق من قيود الأسرةِ والعمل والحبيبة، أما «الفهد» فقد أراد الانعتاق من الوظيفةِ ومن الأسرةِ ومن عمله في الخليج، حيث تعرّفَ على «أبو بكر» و«أبو الدرداء»، وانغمس في القتلِ والدماءِ وسبي النساءِ بحجةِ نشر الدينِ وقتال الكفّارِ، لنيل الرضا من الله ومن هؤلاء، بحسب اعتقاده..

انغمس «الفهد» في كل ذلك ولم يجدْ نفسَه التي ظلَّ باحثاً عنها، حتى النهاية، وانتهى به المطاف غارقاً في وحدته وغربته في الصحراء، ظلَّ متوحشاً ومنفرداً لا صديقَ له إلا كلبهُ!

كلاهما ظل باحثاً عن الخلاصِ, خلاص الرّوحِ، أيُّ شيءٍ يرضي تلك الرّوح!

و«زياد» الذي وجد نفسه قد خسر في لحظةٍ كل ما لديه في تلك الليلة، حيث سُرق ماله، وكذلك سيارتهُ. هذه الحادثة التي كانت سبباً في تعرفه على «وائل»، الذي كان وجهاً آخر يبحث عنه «زياد» في نفسه، فـ «وائل» عاشقٌ لابنةِ الشيخ، ولا شيء يربط بينهما إلا الحب، ذاك المبنيّ بلا دعائم، واللا صحيح، فانتهى بهما إلى الموت قتلاً وانتحاراً.

تماماً كالذي حصل مع «زياد» في علاقته بـ «ربى». وي علاقة غير متجانسة. هي نزوةٌ ربما، فـ «ربى» امرأةٌ متزوجة مرتبطةٌ بعائلتها وزوجها، مع أنَّ لديه حبيبة سابقة هي «سارة». وفي نهاية المطاف افترقا، إذ إنَّ عشقاً مبنيّاً على أعمدةٍ من هواءٍ لا بدَّ أن ينهارَ ويهوي.

أما عن علاقة زياد بـ «وديع»، المناضل والمطلوبُ والمفروضُ أن يثبتَ وجوده للمركز الأمني كلما طُلِبَ, والذي قد نُفيَ إلى «دير ألما» أسوة بـ «زياد».. غير أن الفارقَ أنّ النفي كان لـ «وديع» قسراً، أما لـ «زياد» فهو رغبة وغاية.

يمكن القول إن هنالك شخصيتين رئيسيتين في الرواية، هما «زياد سعيد» و«الفهد».

وتؤثر شخصية «الفهد» في نفس القارئ كثيراً؛ كيف انغمست يداه بالدماءِ والقتل دون رحمة! وما انتهى عليه من سكنه في خيمةٍ منبوذةٍ في صحراء ممتدة، وكيف تعايش مع وحدته بعيداً عن دفء أسرته وأقرب الناس إليه أسرته، يقتات على الشاي والسجائر! أهُوَ عذاب الضمير الذي دفعه لتلك النهاية البشعة، مما تكبدته الأسرة لتعليمه الجامعي، أو مما اقترفته يداه من سفك للدماء في حرب مفتعلة ومخطط لها لغاياتٍ شيطانيّة!

«وائل» كذلك الذي رغم ماضيه الأسود، في داخله عاشقٌ متمردٌ على القيودِ، يحققُ ما يريده حتى لو قضى من أجل ذلك، وهذا ما حصل في النهاية على أيدي عصابة الشيخ «أبو ندى».

أما عن المرأة في الرواية، فالنساء غالبيتهن مثل الأم.. «أم فهد»، و«أم زياد»، و«سارة».. كلهن أمهات عاديات لا يجدن إلا الطبخ ومراعاة أسرهن, والطاعة.

أما «ربى»، فقد تمردت وخرجت عن التقاليد الاجتماعية في علاقتها مع «زياد»، وكانت بحاجة ماسةٍ إلى أن تحسَّ أنها مرغوبةٌ ومعشوقةٌ ولو لفترةٍ بسيطة، وبعدها ستعود طواعيّةً لبيتها وزوجها وأسرتها.

وبالنسبة لـ «ندى» ابنة الشيخ، فقد غلب قلبها على عقلها حين تعلّقت بـ «وائل» ذي التاريخ السيئ، وتمردت بذلك على كل القيود, إذ هربت معه، وتزوجته سراً، لكنَّ ذلك كلّفها واياه الموت.

في النهاية، ظهر لنا أنَّ جميع شخوص الرواية كانت نازفةً.. كلهم طيور نازفةٌ.. فمَن سيداوي هذا النزيف؟! وما هو الخلاص منه؟!