وليد سليمان

المنسف هو طبق عربي شعبي، وهوالأكثر شهرة في الأردن، مما جعل من المنسف طبق الطعام الوطني بامتياز.

إنه طعام مصنوع من الأرز ولحم الضأن ولبن الماعز المجفف المسمى بِـ (الجميد الكركي) مع إضافة اللوز والصنوبر والشراك (خبز الصاج)، وفي بعض الأحيان، يتم وضع رأس الخروف المطبوخ على قمة طبق المنسف كرمز لتقدير الضيوف المعزومين على طعام المنسف.

وتحظى هذه الوجبة الاردنية بطعمها اللذيذ، وبشعبية كبيرة ليس فقط في الاردن بل في عدة دول مجاورة مثل: سوريا والسعودية والعراق وفلسطين، مع وجود اختلافات طفيفة في الإعداد.

و المنسف ليس مجرد طعام، إنه جزء من الثقافة الأردنية؛ ففي الماضي، كان الطبق معروفًا بحل النزاعات بين القبائل الأردنية.

وفي الوقت الحاضر فمن الشائع تناول المنسف في الحفلات، وعند لم شمل الأسرة الممتدة.

ولقد تم قديماً إعداد أول المناسف من قبل البدو في الصحراء الاردنية.. وفي ذلك الوقت تم صنعه من لحم الإبل أو لحم الضأن الخروف، وخبز الشراك والسمن أو مرق اللحم.. وتمت إضافة الأرز في طبق المنسف في مرحلة لاحقة من السنين.

فمن تقاليد المنسف الاردني قديماً.. ان طعام المنسف البدوي الاردني الاصلي قديما لم يكن فيه الأرز!! بل كان يتكون من لحم الاغنام ومن خبز الشراك المصنع من القمح البلدي ولبن الجميد والسمن البلدي.

وكان الاردنيون يزينون وجه المنسف الموضوع في سدر كبير بالمعاليق واللِّية المفرومة المطبوخة.. ثم يوضع رأس الخروف أعلى منتصف سدر المنسف وذلك زيادة في تكريم الحضور.

ثم تطور المنسف حتى أخذوا يضعون معه الجريشة المصنوعة من حبوب القمح وذلك بدل الارز الذي لم يكن بعد منتشراً بكثرة آنذاك.

وبعد ذلك ومنذ نحو مائة عام عُرف المنسف الاردني بصنعه وعمله بمادة الأرز الابيض متوسط الحجم او كما يُسمى بـ«الارز المصري».

ثم أصبح المنسف الوجبة الشعبية الاولى الشهيرة التي يتميز بها الاردنيون ويفتخرون بها عربياً وعالمياً، حيث حاز هذا الطعام اعجاب وذوق كل من تناوله من زوار الاردن عرباً وأجانب.

طقوس تناول المنسف

ومن المعروف انه يتم تقديم طعام المنسف على طبق كبير، مع تناول كل شخص من نفس الطبق بأيديهم.. ويتم أكل المنسف أثناء الوقوف او القرفصة حول الطاولة التي يتم تقديمها عليها.

ومن بعض العادات ان يخدم المضيف الضيوف أثناء تناولهم هذا الطعام؛ وهذا دلالة على التقدير والاحترام وحسن الضيافة.

من المتوقع أن يضع المضيف قطعًا من لحم الضأن بشكل مستمر أمام جميع الضيوف، كما يواصل صب شراب الجميد على طبق المنسف.. وليس من المفترض أن يتوقف المضيف عن الأكل حتى ينتهي الضيف الأخير من الأكل.

للحصول على لذة طعام المنسف حقًا، يجب أن يتناوله الشخص بالطريقة التقليدية بيده اليمنى أما اليد اليسرى نتكون خلف الظهر لإفساح المجال للآخرين.

ومن طقوس وآداب تناول المنسف كذلك:

من الضروري جداً أن تتقيد بتناول الطعام من أمامك، ولا يجوز أن تأكل من أمام الآخرين.

- تناول الطعام يتم بيد واحدة فقط، هي اليد اليمنى..ويُكره تناوله بالملاعق!.

وأن يكون الضيف مهذباً في طريقة تناوله للطعام، وأن يحرص على عدم تناول كميات كبيرة من الطعام، ومراعاة ألا يظهر قاع الطبق المعدني.

والحرص على عدم التحدث والكلام أثناء تناول الطعام.

وكضيف عليك اقتسام قطع اللحم مع الشخص الذي يجلس بجانبك بدون رفعها إلى الأعلى.

والحرص على عدم نفض اليدين فوق المنسف بعد الانتهاء من تناول الطعام، فهي عادة غير محببة مطلقاً.

حول المنسف

ومن العادات الأخرى لدى بعض المناطق في الاردن ان المعزب صاحب طعام المنسف لا يأكل مع الضيوف بل يظل واقفاً يقوم على خدمة الجميع وحثهم على الاستمرار بالأكل.. وعندما يكون رأس الخروف موضوعاً على قمة سدر المنسف فإنه لا يجوز ان يمد الشخص يده ليأكل مثلاً العين او اللسان قبل ان يأكل اللحم فالاصل ان يأكل الضيف اللحم الذي امامه حتى يصل الى الرأس.

ولأن طعام المنسف يُعتبر طعاماً دسماً إلا أنه مع ذلك سريع الهضم بسبب وجود شراب الجميد فيه المصنوع من اللبن.. وهذا الجميد يسّرع من عملية الهضم.. وكذلك شرب القهوة السادة بعد الأكل يساعد على الهضم وعلى تقليل الدهون في المعدة.. فلا غرابة إن شعر الشخص بالجوع بعد فترة ساعة او ساعتين مثلاً من تناوله المنسف.!

الجميد الكركي

وطعام المنسف والذي يذكرنا بتمسكنا بعاداتنا وتقاليدنا الاردنية الشعبية لا بد له من مرق او شوربة الجميد البلدي.. ومن أشهره الجميد الكركي نسبة الى مدينة الكرك الاردنية والتي يربي بعض الفلاحين من حولها الأغنام التي تحلب الحليب الطازج والذي يتم أخذه لصنع الجميد منه.. على ان لا يُنزع منه أي عنصر من عناصره مثل السمن والزبدة.

لذلك فان الجميد الكركي يعتبر من أغلى وأفخر الانواع الأردنية وذلك لأسباب منها ان الاغنام التي يُحلب منها الحليب او اللبن لا تأكل إلا الأعشاب البرية الطبيعية المفيدة جداً مثل الزعتر البري والبابونج البري وأعشاب أخرى صحية شعبية معروفة.

وهناك مناطق أردنية اخرى تقوم بصناعة الجميد الطيب كذلك، والذي يطلق عليه مصنعوه ايضاً تسمية جميد كركي.. لأن هذه التسمية أصبحت منتشرة، يفتخر بها كل من صنع الجميد في الاردن او خارج الاردن كذلك.

الجميد أنواع!

والجميد–قبل طبخه–يتكون من كتل أشبه بالحجارة الكروية البيضاء اللون والمصنوعة في الأصل من لبن الغنم (النعاج).. ومنها ما هو مصنوع من لبن الماعز ومن لبن الابقار كما نلاحظ باعة الجميد في عدد من المحلات التجارية في عمان، والتي تخصصت فقط بعرض وبيع أنواع الجميد المختلفة!!.

ولا بد للجميد ان يُمرس في وعاء فخاري خاص لإذابة كتله الصلبة بالماء الساخن او الفاتر.

والجديد في عالم الجميد ومنذ سنوات هو تصنيع جميدٍ على شكل مكعبات أشبه بمكعبات مرقة دجاج ماجي.

والشكل الآخر من الجميد هو الجميد السائل للطبخ السريع والذي ظهر في الأسواق منذ سنوات قليلة.. حيث لا يحتاج الى مجهود التفتيت والهرس والمرس بالماء.

وهذا الجميد السائل يعبأ بالأوعية البلاستيكية او الورق المقوى (المجلتن)..اما الجميد العادي كروي الشكل والناشف الصلب فله عدة انواع:

- الجميد الكركي الذي يُصنع في منطقة الكرك والشوبك والطفيلة حيث تتكاثر المراعي والثروة الحيوانية والحليب الطازج.

- الجميد الاصفر حيث يضاف اليه مادة الكركم الصفراء اللون.

- الجميد الضخم الحبة، وشكل الحبة منه أشبه بالبرج الذي تعلوه قبة.

- والنوع الاخيرهو المواني.

اما عن مكونات الجميد فهي بالدرجة الاولى الحليب الغنمي الصافي الخالي من الدسم مع بعض الملح والمحلب.. وهناك من اصبح يقوم بعملية صنع الجميد بطريقة آلية بعيداً عن لمس الأيدي.

وبسبب ازدياد الطلب على الجميد في الاردن فان دولاً مثل سوريا وتركيا وبسبب خصوبة مراعيهما وكثرة أغنامهما وحليبهما فقد صارتا تقومان بتصنيع الجميد السوري والتركي لتصديره الى الاردن.

ورغم كل ما ينتجه الاردن من الجميد وبجميع مناطقه: في الجنوب كالكرك والطفيلة، وفي الوسط كالبلقاء وجرش، وفي الشمال كالمفرق والرمثا والبادية.. فان هذا لا يكفي ويظل الاردن يستورد الجميد من جيرانه العرب بنسبة كبيرة سنويا لأن الاردن الاكثر استهلاكاً للجميد في العالم.

أكلات أخرى للجميد

هذا ويُستخدم الجميد كذلك في عدة أكلات أردنية أخرى مثل: الشيش برك او (أذن الشايب)، ثم أكلة (الرشوف) وتتألف من الجميد والعدس والقمح المسلوق والمدقوق والخبز المفتوت، وهناك ايضاً اكلة (المجلجلة) وهي أكلة تُصنع من خبز القمح العويص والجميد، وطعام (الكوسا المخشي) باللحم مع مرق الجميد.

وتأتي فلسطين في الدرجة الثانية تقريبا عربياً في الإقبال على شراء وصنع وعمل الأطعمة التي تعتمد على الجميد مثل المنسف والشيش برك والرشوف.

اليابان في سوق السكر

وكان من الجميل ان يأتي فريق من التلفزيون الياباني قبل سنوات الى عمان ليقوم باجراء عملية تصوير ومقابلة مع احد اصحاب محلات بيع الجميد في سوق السكر، وذلك لعرض برنامج خاص على التلفزيون الياباني ليتعرف الشعب الياباني على الأكلة الوطنية الاولى التي نتميز بها عن كل مأكولات دول العالم وهي طعام المنسف.