د. كميل موسى فرام

يوم الامتحان النهائي هو يوم مفصلي بكل أبعاده ونتائجه، امتحان مختلف بطقوسه عن جميع الامتحانات السابقة التي اجتزتها، سيحدد مسار قطار العمر للقادم من الأيام والسنوات وسيكون عنصر صناعة التغيير، دخلت بثقة مطلقة متسلحا بالعلم والمهارة، وبدأت الأسئلة من اللجنة الكريمة توجه بنظام وتنسيق واحترام والتي تهدف لاختبار المستوى العلمي والنظري والسريري بحقل الاختصاص الرئيسي والفرعي، أسئلة بقالب المنطق البعيد عن التعجيز، ارتفعت وتيرتها وحساسيتها مع مرور الوقت، فكان هناك انتقال مبرمج بالعلم والمعرفة على سلم متدرج يفحص مستوى التحصيل ويقارن الأمر مع بنود الخطة التعليمية وأهدافها منذ اليوم الأول، وتبع ذلك الانتقال لاختبار آخر لمستوى المهارات الجراحية والعملية التي اكتسبتها أثناء فترة التدريب بغرف العمليات حيث مطبخ الصقل والاكتساب وفنون التطبيق، أعقبها فاصل من سلسلة أسئلة الافتراض للصعوبات والمضاعفات المحتملة أثناء العمل لرسم خطة التصرف بحرفية وعنوانها الأهم شعارنا الطبي «حياة وسلامة المريضة أولوية» وهل أنا طبيب آمن، وربما هنا أريد التوقف للحظات السعادة وأتذكرها دائما في ذلك اليوم الشهير حيث كنت واثقا جدا وتنفست الصعداء بعد انقضاء الدقائق الأولى، دقائق جس النبض وتبادل الثقة كعربون اطمئنان، فكانت حُسن المعاملة من اللجنة الموقرة الدافع الأهم للثقة وانسياب المعلومات دون مقاطعة أو محاولة ارتداء ثوب المستحيل.

بدأت الاجابات تنساب بألحان وسيمفونية فيروزية روافدها مناسبة لكل سؤال وبحدود المعرفة البعيدة عن الفتوى، فمهنتنا لا تحتمل الفتوى أو إدعاء المعرفة بجميع جوانب الاختصاص بوقت كانت وسائل انتشار المعرفة بمتناول الجميع، وأسجل لنفسي الاجابة على قدر السؤال ومقاسه بحدود معرفتي وخبرتي دون التوسع بالاجابة أو التبرع بالحديث عن مرض ذات صلة أتقن تفاصيله لأشد انتباه الممتحنين لأنه سلاح ذو حدين بنفس فرص الفرض، ففنون اجتياز الامتحان بتفوق شكل من أشكال الحكمة التي يوظف فيها الذكاء، حكمة تتعدد جوانبها بأولوية تطويق الممتحنين بسياج من الأجوبة المحددة المتعلقة بفحوى السؤال بحذر ووضوح، حتى لا أتورط بفاصل الادعاء بمعرفة لأجد نفسي محاصراً برتل من الأسئلة وواحد منها يكفي لتعطل المسيرة وتبخير الحلم، فحكمتي الـي أطبقها وأنصح فيها وأدافع عنها لأنها منحتني درجات النجاح عبر مسيرتي بأن التبرع بإجابة بغير حدود السؤال قد تكون بوابة للغرق ببركة ثلجية يصعب ذوبانها أو التزلج عليها، فجواب السؤال وأي سؤال حتى في الحياة يجب أن يكون محدداً بقيمة السؤال دون التشهق وما يتبعه من صعاب، وفي قراري فجميع الامتحانات حتى الحياتية منها يجب أن تكون بإطار المعرفة المتعلقة بفحوى السؤال.

مرت ساعات الامتحان دون الشعور بالزمن بسبب العطاء ولكن دقائقها الأخيرة كان لها رأي آخر حيث حوصرت بسؤال جراحي بحاجة لمهارة المعرفة وسرعة البديهة من قبل مشرفي الأول الذي يعلم خريطة المعرفة التي تسكنني ويعلم بدرجة الامتياز مستوى مهاراتي ومعلوماتي، وهي بتكرار لمواقف سابقة أثناء العمل: إن كنت أملك خطة أفضل أو يمكنني الأداء بصورة أفضل لمثل هذه الحالات التي تعتبر ثوانيها مفصلية بحياة المريضة أثناء وضع وشرح خطتها العلاجية، وبعد نفس تفكير طويل بواقعية بشكوك نوايا الدكتور المشرف ألين فيرير والذي قد يكون ميالاً لتمديد فترة الابتعاث بعد أن صنع مني جراحا منافسا يساعده ويدين له بمستواه العالي وإضافات لن تقرأ بكتاب أو تشاهد بشريط تعليمي، وبذات الوقت وجدت نفسي بدرجة الاشباع للاجابة فأجبته: هذا أقصى ما يمكنني عمله ولا يوجد لدي الأحسن أو البديل، ليبتسم من أعماقه للمرة الثانية خلال سنتين والتي تعني لي الكثير ليبادرني القول أن هذه الاجابة النموذجية المحددة والمطلوبة، ليقرع جرس الامتحان بتوقيت أنقذني من القامات العلمية التي تقيمني ولها سلطة التقدير وتحديد المصير، فللامتحان رهبة يصعب اكتساب مناعة له أو تناول مطعوم يقلل من تأثيراته، فطلبت مني لجنة الامتحان الانصراف لدقائق لافساح المجال لأعضاء اللجنة للمداولة واتخاذ القرار المناسب، وبعد دقائق مرت كساعات انتظار، خرج الدكتور ألين فيرير لمكتب سكرتيرة القسم وهمس بأذنها لطباعة ورقة مروسة، فقذفتني عن بُعد بسهم ابتسامة ليتبين فيما بعد أنها تحمل تواقيع أعضاء اللجنة الكريمة على منحي شهادة الزمالة نتيجة اجتيازي الامتحان بدرجة الامتياز، فانسابت دموع الفرح بصورة عفوية لا إرادية والتي روت برذاذها شتلات الأمل في حديقة القلب والقلب، ايذاناً باستقلال مستحق بأي زمان ومكان، ماراثون حرية متسلحا بأعلى الشهادات وانجاز بالتوقيت المحدد، اكستبت فيه علما ومعرفة ومهارات جراحية متميزة وحققت طموحا بتحد بعد اجتياز عقبات ومطبات بقالب تحديات، وبعد تماسك أعصابي وتلقي التهنئة من اللجنة الموقرة التي غادر أعضاؤها جميعاً، هممت بالمغادرة لأتلقى طلبا مستعجلا بضرورة الحضور لرئاسة القسم لمقابلة الرئيس الذي هنأني وطلب مني الجلوس بمكتبه والتريث بعض الوقت، فجلست صامتا لأفاجأ أن الزملاء بالعمل قد أحضروا الحلوى للاحتفال بي ومعي باجتياز امتحان الزمالة الذي زودني بسلاح الجراح الواثق، يرافقه خفقان قلبي للعودة مسرعا لمنزلي لاخبار زوجتي وطفلتي المدللتين، والاتصال بالأهل في الحصن ليقيني بلهفتهم لسماع خبر يسعدهم، ثم الاتصال بالأخوة في الولايات المتحدة والأصدقاء الداعمين لمسيرتي، فتمالكت أعصابي محتفلا سعيدا بين الزملاء الذي أحاطوني بأيقونة محبة أحتفظ فيها بخلدي حتى الساعة لأبدأ الاستعداد للعودة للوطن والجامعة الأم وللحديث بقية.