كتب: خالد قوقزة



أهل حاراتنا المنسية كانوا يطبقون المثل الذي يقول: الناس لبعضها، وكان هذا المثل هو شعار يفتخر به الصغير قبل الكبير، فكان فعلا الجار للجار، والجار قبل الدار، وكل شيء قرضة ودين. على هذه الأسس ووفقا لهذه المباديء كان يسير أهل الحارات العتيقة.

الحج عبدالمحسن ابوأحمد يِنصاه في بيته بعز المربعانية صاحبه ابو علي، وكله أمل أنه راح يحمّل حماره حمل حطب يدفي عليه عياله. وبعد ما يِصهد نص ابريق شاي منقوع على نار الحطب يقول ابو يوسف: خيوه يا ابو احمد تراني جايّك وأنا عارف أنه الوقت مش ولا بُد، بس ما فيه باليد حيلة. يقول الحج عبدالمحسن: أول إشي جيرة الله من المعارضة راح تتغدى وبعدين اللي بدك إياه انا عارفه وتراه وصلك. يخرج الحج عبدالمحسن فيذبح ديكين بلديات ويقول لأم احمد: إمعطيهن وساوي عليهن غدا للضيف، وبعدها ينادي على إبنه أحمد ويقول له: يابه هاظ الزلمة جاي بده حمل حطب لأولاده وشايف الدنيا برد و كريزة، وأنت عارف أنه الخان ما فيهوش حطب، يابه خذ الفاروعة وشقّح عود الحراث وجهزه مشان تحمّله على حمار أبو علي. ولما شاف ابو يوسف السالفة قال: شوه هاظ اللي سويته يا خيوه. يقول ابو أحمد: خيوه الناس لبعضها.

ابو مصلح ينصاه طارش غريب، وداره ما فيها شيء من واجب الضيف، يسمع محمد الجابر ابو جابر ان هناك ضيوف عند ابو مصلح، فيقود معه جِدي من صيرة الغنم وينادي على ابو مصلح: هُوه طل جاي خيوه. فيخرج اليه ويتفاجأ بالجدي، فيسأل ابو جابر: وشوه هاظ خيوه؟! يقول ابو جابر: خيوه هاظ غدا ضيوفك. يقول ابو مصلح بخجل: والله غلبناك خيوه. يقول ابو جابر: انا أخوك والناس لبعضها.

مَرّ أسبوع بالمربعانية والثلجة حابسه الناس بدورها، وغنم الحارات مش قادرة تسرح، والراعي هويشان مش حاسب حساب الثلجة، وتبانه فاضي من التبن والشعير، يراه ابو فلاح وهو يمشي بالثلج وبغبّص فيه ورِجِل ورا ورِجِل قُدام وعلى كتفه طبر فيسأله: وين رايح خيوه؟. يرد هويشان: والله يا أخوك إنقطعت من التِبن والشعير وبدي أروح أجيب للمِعزى حِمل قِصِف. يقول ابو فلاح: انت شايف الدنيا كيف بتندف والنفش نازل مثل آذان القطاط، إرجع خيوه على مِعزاك وأنا بدبرك. يا أخوك جيب أحمارك وحمّل من هالتبان خيشة تبن ورُبعية شعير على بين ما ربك يفرجها و يِفْجي الجو. يقول هويشان والله بنغلّبك يا ابو فلاح، يقول ابو فلاح: خيوه الناس لبعضها.

ثور من فدان عبدالرحمن ابو أحمد بتنكسر رجله، ويتعطل ابو أحمد عن حراث أرضه. يسمع ابو فالح بالسولافة فيقود ثوراً من ثيرانه ويربطه بحوش دار ابو أحمد ومعاه شوال كرسنّة وخيشة تبن. عندما شافه ابو أحمد قال وشوه هاظ خيوه يا ابو فالح؟! يقول ابو فالح: مثل ما إنت شايف، كمّل عليه حراث أرضك قبل ما تفوشِر، يقول ابو أحمد: غلّبت حالك خيوه. يقول ابو فالح: تراك عمرك ما قصّرت مع حدا خيوه، وترى الناس لبعضها.

قاسم العلي حالته الماديه مش ولا بُد، ويا دوب مكفي عياله خبز ومرقة، يقوم ابو دوخي ويخز له عنزتين من شليته، ويقول له هظول منوحة لعيلتك، حليبهن وفطايمهن لك، وخليهن يرعِن مع الشلية، واللي بتمرض او بتموت إلك بدالها. يقول قاسم: وليش إمغلب خيوه يا ابو علي، يقول ابو دوخي وتؤيده ام علي زوجته، الناس لبعضها خيوه، وإحنا لو إحتجنا شغلة بنلاقيك اول الناس بتركض وتفزع.

سقيا للحارات العتيقة وزُلمها الأصيلة، وأسفاه على زمن الرحمة من قلوب أهله انتزعت وصار فلان يستنى علاّن لما يقع مِشان يتشفّى فيه.