فقدان الوحدة الوطنية الفلسطينية انعكس سلبا على القدرة في العمل، وعلى إمكانية الاستفادة من الفرص المتاحة، فتعطلت دوائر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ولأسباب عديدة، في وقت يتعاظم فيه التأثير الخارجي الإسرائيلي والإقليمي والدولي.

قضايا بعض الشعوب دخلت منذ عقود دوامة الضياع، على رأسها القضية الكردية. ومما يظهر أن «القضية الفلسطينية»، رغم عدالتها، كما القضية الكردية، باتت تقترب من الدخول في هذه الدوامة، في وقت احتارت فيه بين متناقضات الأدوات السليمة للنضال، كما غابت كثير من القيادات الحقيقية والفرص التاريخية الأمر الذي جعل «القضية» تعيش أخطر مراحل ثورتها. واليوم، تعيش القيادة الفلسطينية الحالية في ظل أزمة حقيقية، جراء التحيز الأمريكي/ (الترامبي) الذي يسرع في إفشال مسار التسوية السلمية، وفي انسداد أية آفاق لتحصيل أي حقوق فلسطينية، في وقت يفتقد فيه الفلسطينيون وقادتهم إلى موقف قوي موحد يستجلب الدعم اللازم من العرب والمسلمين بل والعالم، فباتوا يعيشون تحت ضغط، أصبح واضحا للجميع، من الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل تحسن علاقات الدولة الصهيونية مع عديد الدول العربية.

مع هذه المعطيات الراهنة، وبالذات إصرار الإدارة الأمريكية على متابعة فرض ما يسمى «صفقة القرن»، تنذر التداعيات المتراكمة بأن آثارا كبيرة ستؤثر على مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فإسرائيل قد منحت أوراق تفاوض قوية أمام أي إدارة أمريكية «غير ترامبية» لاحقة، بحيث تبني مواقفها – ولو نسبيا–بناء على ما «زرعته» إدارة (ترامب). وعليه، قد تساعد الصفقة «إسرائيل» في شطب بنود أساسية من على طاولة المفاوضات التي يؤسس لها الرئيس الأمريكي، وأهمها حق العودة. هذا، بالإضافة إلى عديد الاستهدافات التي تسعى «صفقة القرن» لترسيخها «كحقائق» جديدة، لعل من أخطرها تشتيت القضية الفلسطينية إلى شظايا وتفكيكها وتحويلها إلى قضايا عديدة، أي تفكيك مكونات الشعب الفلسطيني وعناصر وحدته وقوته، وجعل الفلسطينيين «شعوباً وقبائل» وبمعنى أوضح «كردنة الشعب الفلسطيني وقضيته»: 1- «شعب» فلسطيني في الضفة، 2- «شعب» فلسطيني في القطاع، 3- «شعب» فلسطيني في أراضي 48، 4- «شعوب» فلسطينية فيما سمي «دول الطوق»، 5- «شعوب» فلسطينية في دول الشتات، ولكل منهم قضاياه الخاصة به، فتتحول القضية الفلسطينية الجامعة إلى مجموعة قضايا لجماعات فلسطينية «متباينة»! عندها يصبح الشعب الفلسطيني مثل الشعب الكردي شعب قوي وقضية عادلة بلا هوية وطنية جامعة، ناهيك عن دولة أو نصير فاعل.

في ظل هذا الواقع، بات من الضروري - وكما حدث في نهاية خمسينيات القرن الماضي - الإنشداد بقوة إلى مهمة رتق الفتوقات في أوساط جماهير الشعب الفلسطيني الواحد عبر استعادة «الهوية الوطنية» الجامعة على النحو الذي ساد منذ نهاية ستينيات القرن المنصرم. ولعمرك إن في هذا المهمة «الإسمنت» السياسي والثقافي الضروري لوقف عملية «كردنة» و«تشتيت» الشعب الفلسطيني الواحد داخليا وخارجيا. فهل نبادر؟