أبواب - وليد سليمان

الإطلاع على «سيرة حياة» الدكتور حفص السقا، هذا الرجل دمث الأخلاق والمليء بثقافة الحياة التي عاشها ما بين الألم والأمل, ومن خلال تجاربه واحتكاكه مع الآلاف من البشر من جميع الجنسيات والثقافات.. يأخذك بالتفكير بأنه شخص صاحب نظرة انسانية شاملة ومفكر اجتماعي متميز.

يقول د. السقا صاحب الـ 90 عاماً: تعلمت في حياتي أشياء كثيرة خصوصاً من أسفاري الى بلاد العالم المختلفة الأميركية والأوروبية والاختلاط مع الشعوب في هذا العالم ومن أهم ما تعلمته:

قافة الابتسام

على المرء أن يلقى أخاه بوجه باسمٍ ضحوك بشوش الوجه، حتى عندما يعاتب الزوج زوجته أو تعاتبه، فيجب أن يكون عتابه مصحوباً بابتسامة تبعـث الطمأنينة والأمن.. ابتسم وأنت تدخل منزلك وتذكر قول الشاعر:

«ابتسم حتى إن قست عليك الأيام

هل رأيت أجمل من ثغر باسم».

ابتسم في وجه زوجتك, وفي وجه كل من تقابله, فالابتسامة تبعث في النفوس الأمل وتحيل الخريف ربيعاً، والليل صباحاً مشرقاً.

«تمتع بالصبح ما دمت فيه

لا تخف أن يزول حتى يزولا

ويعتقد بعض الرجال خطأً أن الجد والوجه العابس المكفهر يبعث على الاحترام والتقدير.

لقد علمتني الحيـاة أن أحب كل الناس, وأن لا أكون حقوداً أو حسوداً, وأن استسلم لمشيئة الله, وان أقبل ما يقوله المثل المأثور: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون».

وعلمتني الحياة أن لا أحمل السلم بـالعرض, وإنما أطبق القول المأثور «حط في الخرج» أو كما يقول المثل الانجليـزي «Take it_easy», ولا أعني بذلك أن أكون سلبياً.. ولكن أقول: «خير الأمور الوسط، والاعتدال خيرٌ من التطرف».

ثقافة الشكر

هناك في إحدى الجامعات الأميركية مُدرِّسة اعتادت أن تسأل طلابها:

ما هو مفتاح العلاقات الاجتماعية؟!

وبعد سماع ردودهم كانت تجيب قائلة:

إنها أربع كلمات: الشكر والثناء والاعتذار والابتسام.

ففي كثير من المجتمعات الراقية يتعلم الطفل منذ الصغر أهمية الشكر، قال تعالى: (ولئن شكرتم لأزيدنكم)، إنهم يزرعون ثقافة الشكر في نفوس أبنائهم وهم صغار.

ثقافة الاعتذار

والاعتذار خُلق اجتماعي رفيع، ومستوى عالٍ من مستويات الشجاعة الأدبية وسلوك إنساني نبيل، والاعتذار صفة إنسانية نبيلة يتخلق بها الأقوياء، وهو شيمة من شيم الكرام وعلامة من علامات الثقة بالنفس، انظر الى هذا الزوج يقول لزوجته معتذراً:

«تحمل عظيم الذنب ممن تحبه

وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم

تعلمت أسباب الرضى خوف سخطها

وعلمني حبي لها كيف تغضب

وإذا الحبيب أتي بذنب واحدٍ

جاءت محاسنه بألف شفيع».

ولذلك فهي ترد عليه قائلة:

«هذا فؤادي فامتلك أمره

فإظلمهُ إن أحببت أو فإعدل».

ثقافة الصفح والتسامح

إن ثقافة الصفح والتسامح لا تقل أهمية عن ثقافة الاعتذار، ولا يمتلك القدرة عليها إلا الشخص النبيل القوي الذي يتمتع بدرجة عالية من الخلق الرفيع والجرأة، ومثل هذا الإنسان يبادر بقبول الاعتذار عن طيب خاطر وبنفس راضية.

ویجب أن تعلم بان كلمة «آسف» وحدها لا تكفي!! فالاعتذار قول وفعل وندم.

وعلى المرء اختيار كلمات لها وقع وتأثير لإنجاح مهمة الاعتذار وأن يقدمها الإنسان بأسلوب رقيق لطيف صادر من القلب حتى تدخل إلى القلب.

وعلى المرء عندما يقدم الاعتذار أن يختار الوقت والمكان المناسبين, فقد يكون من المناسب أن يقدم الاعتذار أمام الأشخاص الذين حدث الخطأ أمامهم.

عندما أساء إليَّ أحدهم!

ويقول د. السقا من تجربته الشخصية: أذكر وأنا أعمل مع الأمم المتحدة أن رئيس فريق الأمم المتحدة أساء إليَّ بكلمة فغضبت منه!! وبعد فترة دعا الى اجتماع خاص وجه فيه الدعوة إلى جميع خبراء الأمم المتحدة وبدأه بالقول:

الغاية من هذا الاجتماع هو الإعتذار أمامكم الی الأخ حفص السقا فقد أسأت إليه وأنا أعترف بذلك.. وأرجو منه الصفح والمغفرة وقبول اعتذاري. ثم تقدم نحوي مصافحاً ومعتذراً، كان ذلك عملاً طوّقني فيه ذلك المدير بكرمه واعتذاره.. فما كان مني إلا أن قبلت الاعتذار وعدنا أصدقاء وزملاء أعزاء.

فما أحوجنا الى نشر ثقافة الاعتذار والتسامح بين الناس, مما يشجع المُسيء على الاعتراف بذنبه.

«یا رب إن أنا أسأت الى الناس فأعطني شجاعة الاعتذار، وإن هم أساءوا إليّ فأعطني شـجاعة التسامح والعفو ».

هل أمك إنجليزية؟!

وقد أعجِب السقا كثيرا باهتمام الناس في الغرب باحترام المواعيد والدقة, فالوقت عندهم مقدس، ففي اليابان وألمانيا وبريطانيا وسویسرا وغيرها من الشعوب المتمدنة وجدهم يُولون الوقت حقه من التقدير والاحترام إلى درجة تصل حد التقديس، فالثانية عندهم زمن طويل ولا يجوز إهدار الوقت, ويجب استثماره واستغلاله الى أقصى درجة ممكنة.

ففي دراسة مقارنة عن الوقت جاء فيها: إن إنتاجية الإنسان العربي قد لا تتجاوز (46) دقيقة في اليوم!! بينما إنتاجية الإنسان الياباني حوالي (16) ساعة يومياً.

ويذكر د. السقا قائلاً: أذكر أنني عندما كنت مديراً للتدريب وتنمية القوى العاملة في شركة للبترول بالسعودية، أرسلت الشركة مهندسين سعوديين للتدريب في بلاد العالم المختلفة ومنها اليابان، وعندما عادوا بعد أكمال تدريبهم كان المهندسون السعوديون القادمون من اليابان يقدسون الوقت تقديساً كبيراً مثلهم في ذلك مثل المهندسين اليابانيين!!، فلم يسبق أن تأخر واحد منهم دقيقة واحدة خلال العام, أو غادر مقر عمله قبل دقيقة واحدة، بل كانوا دائما يحضرون قبل مواعيد العمل ولا يغادرون إلا بعد انتهاء العمل بفترة قد تطول أو تقصر.

وهذا دليل على أن التدريب الجيد يترك اثراً جيداً وأنه لا فرق بین عربي أو ياباني إذا أحسنت برامج التدريب عملها.

وبهذه المناسبة أيضاً يقول: عندما ذهبتُ الى لندن للالتحاق بدورة خاصة في اذاعة BBC والمجلس البريطاني؛ كنت أذهب قبل الموعد المحدد لمقابلة الشخص المسؤول بعدة ساعات!! وكنت أقيس الطريق من الفندق الذي كنت أنزل فيه؛ كم يستغرق مـن الوقت! وهل يوجد مقهی بالقرب من المكان! وكنت أحرص بأن أقرع الجرس في الوقت المحدد بكل دقة، وقد استغرب المسؤولون احترامي للمواعيد بهذا الشكل الدقيق غاية الاستغراب!!!.

مما دعا الكثيرين منهم أن يسألوني: هل أمي إنجليزية وهل أبي إنجليزي!؟ ولما استفسرت عن سبب هذه الأسئلة.. قال أحدهم ربما أنت الوحيد من الدول العربية الذي يحضر دائما في الوقت المحدد!! بل أن الكثيرين كانوا لا يحضرون ولا يعتذرون!! وبعضهم يحضر متأخرا ساعة أو عدة ساعات ولا يعتذر؟!.

لقد زرتموني بالأمس!!

وهناك حكاية أخرى رواها د. السقا بقوله: لقد أرادت مجموعة من كبار القضاة زيارة صديق لي هو الأستاذ «عبد الحمید ياسين» فرحَّب بهم؛ إلا أنه سألهم متى ستحضرون؟! فقالوا له بعد صلاة العصر.. ولكنه أصرَّ على معرفة الساعة! فقالوا له الرابعة، ثم أصر على معرفة الساعة التي سيغادرون فيها!! وعلى كل حال تمت الزيارة وسُروا وغادروا.

وفي اليوم التالي حضروا مرة ثانية فقال لهم ماذا تريدون؟! فقالوا: نريد أن نزورك.. فقال لهم لقد زرتموني بالأمس!! فقال أحدهم وهل أنت مشغول أو عندك ارتباط؟! فقال: لا ولكن أريد أن أكون حرا أقرأ أو أكتب, ولا داعي للزيارات يومياً!.

طبعا مثل هذه الحادثة نادرة جداً وربما يؤدي ذلك الى سوء تفاهم بين الناس.

وأذكر أنني دُعيت إلى حفل عشاء عند أحد الأميركيين, وكان الموعد السابعة مساءً.. فذهبت الى منزل الداعي, ووجدت الناس أمام البيت وقد تجمعوا قبيل الساعة السابعة، وما أن دقت الساعة السابعة حتى قرعوا الباب ودخلوا كلهم مع بعضهم البعض، وكأنهم طلاب مدرسة!!.

وهذا يذكرني بدعوة عشاء عندي في البيت وكانت الساعة الثامنة، فهذا يحضر الساعة الثامنة.. وآخر يحضر الساعة الثامنة والنصف.. وثالث الساعة التاسعة.. بل انَّ أحدهم حضر الساعة الحادية عشر مساء!.

هشام ونظام الشرابي!

وأيضا يذكر السقا أن: «نظام الشرابي» أقام حفلة عشاء علی شرف أخيه د.هشام الشرابي الأستاذ الكبير القادم من أميركا، فصار المدعوون يحضرون الواحد بعد الآخر حتى قاربت الساعة العاشرة والنصف والمدعوون يتوافدون مع انَّ الدعوة كانت الساعة الثامنة مساء، فالتفت إليّ هشام الشرابي وقال:

ألا يعرف هؤلاء بأن الدعوة الساعة الثامنة، قلت طبعا يعرفون، وهنا علّق قائلا: «ولكن هذا احتقار للداعي وقلة أدب»!.

ويستطرد صاحب الذكريات بقوله: على أن بعض الأساتذة المسؤولین عندنا في الأردن حاولوا جهدهم زرع أهمية الدقة في المواعيد... فقد حدثني أخي وصديقي عبدالحميد ياسين بأنه عندما كان مديرا لدار المعلمين في عمان, ودعا رئيس الوزراء لتوزيع الشهادات على الخرِّيجين واضطر الرئيس أن يتأخر بضع دقائق إلا أنه بدأ الاجتماع ولم ينتظر وصول الرئيس!.

وفي أحد الأيام دُعيَ المرحوم وصفي التل وكان رئيسا للوزراء لإلقاء محاضرة, فتأخر خمس دقائق فقط... لكنه أحضر معه تقريراً من الشرطة لأن حادثة وقعت أثناء محاولته الحضور في الوقت المحدد.

مع الأسف فإن قلائل من الأخوة والأخوات العرب الذين يلتزمون بدقة المواعيد حتی أولئك الذين تعلموا في الجامعات الأجنبية فإنهم عندما يعودون الى أوطانهم ينسون قيمة الوقت!!.

لقد لاحظت أن أعضاء العائلة في الغرب يعقدون جلسة خاصة أسبوعيا أو مرة كل شهر لمناقشة ميزانية الأسرة, والنظر في شراء الأشياء التي يحتاجها كل فرد من أفراد الأسرة, وهل هي ضرورية وهل تتوفر الأموال الكافية لها!.

أنجح الطُرق في الحوار

وتعلمت من الحياة الطرق الصحيحة في الحوار، فهناك عوامل كثيرة لإنجاح الحوار.. أَهمها توافر النية الصادقة للحوار..فتذكَّر وأنت تناقش زوجتك أو ابنك أو غيرهم انه قد يكون وَرَدَ مَشربا ثقافيا أو اجتماعيا غير مَشربك.. وقد يكون مشربه معاكساً لمشربك!!.

ولكن ذلك لا يعني أبدا أنك على صواب وأنه على خطأ.. فقد تكونان كلاكما على صواب أو كلاكما على خطأ، وكم أثبتت الأيام عكس ما كنا نعتقد ونتصور.

وفي حالة كهذه فأنت مطالب بطريقة أو بأخرى أن تتفهمه وتستوعبه بل وتتعاطف معه وتدعوه بالحكمة والموعظة الحسنة وتعامله كما تحب أن يعاملك.. وعلينا أن نتذكر قول رسولنا الكريم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

وقد يطلب من يحاورك رأيك في أمر ما، فتذكر في هذه اللحظة المثل القائل «ما بين العبقرية والجنون شعرة»، و «وما بين الصراحة والوقاحة أيضا شعرة».

وأرجو أن نتذكر دائما بأن من أبسط آداب الحوار أن نحرص على شعور من نحاوره، فلا تُحرجه بأية كلمة مهما صغرت حتى ولو رأيتها كلمة بسيطة هينة.

إن كبار المثقفين يؤمنون بأن الصراحة قبل كل شيء لُطف وذوق وأدب، لذلك حاول أن تجعل رسالتك تصل بطريقة مؤدبة لبقة من غير نقد او تجريح.. وكن على يقين بأن لا تُحرج من تحاوره ولو بكلمة واحدة مهما كان معجبا بك وبرأيك، ومهما كان مخطئاً.

وتذكر بأن صراحة التجريح والتشهير تؤدي إلى العناد وعدم التراجع عن الخطأ.. حتى لو اقتنع الشخص الذي تحاوره بكل ما تقوله.

من هو السقا؟!

يحمل شهادة الدكتوراة في فلسفة التدريب من أميركا, وكان أصغر خبير دولي عينته اليونسكو في مؤسساتها عام 1956, عمل قديماً مديراً للمركز الثقافي في غزة حتى أصبح المركز في عهده مكان التقاء الجمهور برواد الفكر والعلم والحضارة, وهو عضو في جمعية الشؤون الدولية, وفي العديد من المؤسسات الاجتماعية والاكاديمية الأردنية.

يشغل الآن رئاسة رابطة الأمم المتحدة للموظفين الدوليين المتقاعدين في الأردن.