لا شك ان فترة حكم «محمد علي الكبير» لمصر قديماً والتي عايشها المفكر الشهير «رفاعة الطهطاوي» بما حققته من انفتاح على الحضارة الاوروبية والأخذ بأسبابها المادية لتحديث الدولة؛ وفرت المناخ الملائم للطهطاوي لتأمل الجوانب الفكرية والانسانية لهذه الحضارة الغربية.

وقد جعله ذلك يتصدى لمهمة تجديد الحياة الفكرية المصرية والأخذ بالفلسفات الحديثة.. بعد أن تعرف عن قُرب على المجتمع الفرنسي الذي أقام فيه على مدى ست سنوات.

وفي هذا السياق عبرت كتابات الطهطاوي عن فهم مستنير للحضارة الأوروبية، حيث يقول في كتابه «مناهج الألباب: إن مخالطة الأغراب لا سيما اذا كانوا من أولي الألباب فإنها تجلب للأوطان من المنافع العمومية العجاب.

لكن دعوته هذه يجب ألَّا تُفهم أنها كانت تعني التخلي عن بعض القيم أو الثوابت في الثقافة العربية!! وإنما سعت في المقام الأول الى التفاعل مع الحضارة الغربية, والأخذ منها ما لا يتعارض مع القيم الاسلامية.. ومن هنا كانت محاولته لايجاد صيغة وسط توائم بين المطلبين.

وكان هدفه من ذلك كما يشير في كتابه «تخليص الإبريزفي تلخيص باريز» أن يوقظ سائر بلاد الاسلام.. كي يبحثوا عن العلوم البرانية والفنون والصنائع التي كان لها ببلاد الإفرنج ثبات شائع والحق أحق ان يُتبع!.

أما الذين يرفضون اقتباس العلوم الاجنبية عن أوروبا فهو يصفهم في كتابه «مناهج الالباب» بأنهم (واهمون، لأن الحضارة دورات وأطوار، وهذه العلوم قد كانت إسلامية عندما كنا نعيش عصر نهضتنا فأخذتها عنا أوروبا وطورتها).

ومن هنا اعتمد الطهطاوي على المنهج العقلي في قراءة التراث وتحديد علاقته بالمدنية الحديثة والفكر الغربي.

غير أن الطهطاوي في هذه القراءة لم يكن يتجه نحو نبذ الثقافة القديمة, أو وضع أسس ثقافة جديدة تماماً لا تنهل إلا من النبع الأوروبي، ولكنه حَرِصَ على تأكيد نقطة أساسية في هذا المجال، وهي أسبقية الاسلام في صنع حضارة انسانية قبل أوروبا.

وبالتالي فقد كان الطهطاوي أول من قال بفكرة أن العلوم الأوروبية كانت علوماً إسلامية في الأساس، ويبدو أنه اعتمد في ذلك على ما شاهده في فرنسا!! حيث ظلت بعض الكتب العربية تُدرس في الجامعات الأوروبية مثل بعض مؤلفات ابن سينا والرازي في الطب، كما أن العديد من المؤلفات اليونانية كان قد أعيد ترجمتها من العربية إلى اللغات الاوروبية إبان عصر النهضة في اوروبا، وبقي الاوروبيون حافظين لجيل العرب في حفظ تراث اليونان، كما يقول الطهطاوي.

ومن هنا كان تكريسه لفكرة أن العلوم الأوروبية الحديثة هي نتاج العلوم الإسلامية أو هي وليدة الامتزاج بينهما.. (اذ هناك جذور إسلامية للنظم والقوانين الغربية، فيشير إلى أنَّ ما نسميه «فروع الفقه» يسمونه (قوانين الحضارة)، وما نسميه «عدلاً وإنصافاً» يسمونه هم (حرية ومساواة)، أما حب العقيدة التي ارتبط بها المسلمون فيسمونها (حب الوطن).

ولعل الطهطاوي قد استند الى هذه الفكرة في معرض محاولته إقناع المصريين بأهمية العلوم الأوروبية وطمأنة هواجسهم من نتائجها على الإسلام والمسلمين، ونفس الشيء يسري على المنجزات التقدمية «للديمقراطية الليبرالية الأوروبية», فقد سعى الطهطاوي الى تأكيد أنها ليست جديدة على تراثنا, وإنما هي قيمة أصيلة فيه, عميقة الجذور.

وكان يبرر سبق الاوروبيين في تطبيقها بالتخلف الحضاري، والاستبداد التركي المملوكي الذي باعد بين المجتمع الاسلامي وبين القيم الليبرالية الديمقراطية الحديثة.

ولا يعدو ذلك غريباً!! فرغم ان الطهطاوي كان من المفكرين المجددين بحكم النشأة والثقافة, فإنه كان مهتما بالعودة الى المنابع الاسلامية في اطار عملية التجديد الفكري والثقافي، كما يبدو أنه في إنطلاقه من التراث إنما كان يتحرك في اتجاهين. (الاول) هو محاولة اقناع المصريين والمسلمين بأن علوم أوروبا ليست خطراً على العقيدة كما يشاع خطأ!! ومن هنا كان استخدامه أسانيد تراثية في دعوته الى الأخذ بالافكار الحديثة.

و(الآخر) كان التوجه الى أوروبا لتحسين صورة الإسلام والمسلمين.. لذا فلا شك ان الطهطاوي كان على دراية بالصورة السلبية للإسلام التي رسمتها أوروبا في عهد الحروب الصليبية لشعوبها, خاصة في القرن الحادي عشر وحتى بدايات القرن الخامس عشر، حيث شاعت في أوروبا فكرة مسؤولية الاسلام عن تخلف شعوبه!!.

ولهذا السبب يمكن القول ان الطهطاوي عندما حاول رد مفاهيم العدل والحرية والمساواة الى الشريعة الاسلامية بإيجاد مترادفات لها.. وكذلك اعتباره العلوم الأوروبية علوما إسلامية المنشأ إنما كان يعمل على تغيير الصورة السلبية عن الاسلام لدى أوروبا بتذويب التناقضات القائمة بينه وبين الحضارة الغربية، والمزاوجة بينهما. والملاحظ أن هذه الصورة نفسها هي التي أدت الى صرف جزء هائل من جهود العديد من المفكرين المصلحين لتحسينها كما بعد ذلك عند جمال الدين الافغاني ومحمد عبده.

ويبقى القول إن المنهج العقلي الذي اتبعه الطهطاوي سواء في قراءته للتراث الإسلامي، أو في تأملاته الفكرية عن الحضارة الأوروبية قد أدى به الى المطالبة باعادة تفسير الشريعة الاسلامية في اتجاه التواؤم مع احتياجات العصر.

ويعتبر الطهطاوي بذلك أول من فتح باب الاجتهاد بعد أن ظل مغلقاً لفترة طويلة، وأول من جدد في نظرته «للعلماء» الذين طالب بألا يقتصر دورهم على مجرد حراسة تراث «ثابت» او «جامد»!!.

إنما عليهم دور أهم وأخطر!! وهو إعادة تفسير الشريعة في ضوء الاحتياجات العصرية, ودراسة العلوم التي أتى بها العقل الإنساني.