عندما يجري توثيق المسيرة الإعلامية الأردنية في السنوات الخمسين الماضية، فإن من سيقوم بتلك المهمة سيجد لدى الدكتور سمير مطاوع من التفاصيل ما يكفي، ليس فقط للتوثيق من موقع المشاركة وإنما أيضا لتقييم الأداء ولتفسير حالة عدم الرضا التي يشعر بها د. مطاوع وآخرون كثر من ذوي الاختصاص.

ملاحظات وزير الإعلام الأسبق، على التلفزيون الأردني والقنوات الجديدة، فيها قسوة الذي عاصر النشوء والارتقاء وليس مضطرا للمجاملة، والذي اعتذر في مرحلة ما عن تسلم إدارة هذه المؤسسة لأنه يرى للإصلاح شروطا مهنية أساسية غير متوفرة لهذه الصناعة الثقيلة.

ولد د.مطاوع في القدس واحتلت في جهده الأكاديمي والإعلامي مركزا محوريا أصدر فيه أوراقا بحثية توزعت بين خمسة أو ستة كتب أصدرها باللغتين الإنجليزية والعربية.

عُرِضَ عليك تسلم منصب رئيس مجلس إدارة الإذاعة والتلفزيون في عام 2010 فرفضت:

هذا صحيح، رفضت باعتذار فاستغرب رئيس الوزراء، وقد أخبرت نائب الرئيس ووزير الإعلام بأن أجهزة هذه المؤسسة جاءت في الستينيات، والآن أصبحنا في عصر الأجهزة الرقمية، فيفترض أنه إذا أردت استلامها أن أعيد بناءها، وأقدر أننا بحاجة إلى 100 مليون دينار لإعادة بناء دورها على مستوى المنطقة، فهل ستوافق الحكومة على هذا المبلغ؟.

لقد رافقت محمد كمال منذ ان أسس التلفزيون الأردني وأعرف من هي الدول أو المؤسسات التي نحصل على دعم منها، لكن الآن في عصر الفساد ماذا سيقول الناس؟! سيقولون بأن سمير مطاوع أخذ نصف الأموال التي جمعها من الدول أو المؤسسات المانحة، وأخبرت رئيس الحكومة أنهم إذا أرادوا أن استلم الإذاعة والتلفزيون من أجل أن أحسن البرامج فقط فلا يوجد لدي أي مانع، لا يجوز ترك الإذاعة والتلفزيون على حالهما الآن، خصوصاً وأن مستوى التلفزيون هبط عما كان عليه في الماضي إذ كان في المرتبة الأولى في الشرق الأوسط،.. كنا مدرسة وكل التلفزيونات ا?عربية أخذوا من شبابنا، لكن الآن أين نحن؟! والسبب أن الإذاعة والتلفزيون لا ينالان الموازنة التي يستحقانها أو يجب أن يحصلا عليها لشراء البرامج.

أيضاً التلفزيون أتخم بفضل الواسطة بمئات الموظفين الذين ليس بحاجة لهم، عندما أسسنا التلفزيون كان عددنا 101، وكنا نمزح مع محمد كمال ونقول له بأن نطرد الواحد حتى نصبح 100. عندما أصبحت وزيرا وجدت أن موظفي التلفزيون1700 شخص، لماذا كل هذا العدد؟! وعندما زرت التلفزيون وقتئذ وجدت أن معظم العاملين ينشغلون في مكاتبهم بشرب القهوة والشاي وأحاديث نقد الآخرين..الخ... لماذا التمويل أو المساهمة في إنشاء محطات تلفزيونية جديدة مع أن تلفزيون الوطن الأول يمكنه لو تم دعمه حسب الأصول أن ينافس كافة تلفزيونات المنطقة.

سبب مغادرتكم الوزارة في العام 1998؟

أذكر أن الملك الحسين حضر إلى مجلس الوزراء واجتمع بالرئيس ونائبيه د. عبدالله النسور ود. جواد العناني ووزير الخارجية كان جلالته منزعجا من الفلتان الذي مارسته بعض الصحف الأسبوعية، التفت إليّ رحمه الله، متذكرا أني صاحب تجربة في تأسيس صحيفة القبس الكويتية، فأشار بأن أقترح قانونا جديدا للمطبوعات والنشر ينهي حالة الفلتان.

ملخص ما حصل أن بعض الصحافيين رفعوا دعوة لدى محكمة العدل العليا لإلغائه على أساس أن الحكومة أصدرته في غياب البرلمان كقانون مؤقت لا يحتمل التأجيل فردته المحكمة على أساس شكلي بأنه يحتمل التأجيل. شعرت أنني يجب أن أقدم استقالي فنصحني د. عبدالله النسور أن لا أفعل ذلك والانتظار لحين قيام الرئيس عبدالسلام المجالي بإجراء تعديل وزاري فإما أن يغير حقيبتي أو يخرجني في التعديل وخرجت في التعديل لأنتقل بعد شهر إلى موقعي كسفير للأردن لدى هولندا.

لكم مع الثورة الجزائرية تجربة وثيقة تسمح بتقييم هذه التجربة التي انتهت الآن إلى ثورة تصحيحية.. بتقديركم اين حصل الخلل الذي أحدث الثورة المضادة؟

أيام الثورة كان للجزائر ضابط من جيش التحرير موجود في بروكسل، يشرف على شراء احتياجات جيش التحرير الجزائري من الأدوية والمستلزمات الطبية وغيرها. كانت المخابرات الفرنسية تراقبهم عن كثب حيث صادرت العديد من شحناتهم.

ولأنني كنت أغطي مفاوضات دخول بريطانيا للسوق الأوروبية المشتركة، في بروكسل لمجلة الأسبوع العربي اللبنانية التي عملت مراسلا لها في منطقة غرب أوروبا من مقري في أمستردام، فقد تعرف هذا الشاب علي، وانتبه بأنني أدخل دون تفتيش أو توقف على الحدود لأن السيارة مكتوب عليها (صحافة)، فطلب مني مساعدته.

كان يدعى يوسف بودراع، رتب لي أن أحصل على الحق الحصري لتغطية مفاوضات استقلال الجزائر في ايفيان بسويسرا. وبعد انتهاء المفاوضات، وتوقيع إتفاقية الاستقلال دعيت لدخول الجزائر مع الرئيس بن بيلا يوم الاستقلال، وزرنا الجزائر شبراً شبراً، لذلك كرمني الإخوة الجزائريون بأكثر مما كنت أحلم.

كتابكم «العلاقات العامة جسر الاتصال والنجاح».. ماهي العلاقة بين الدبلوماسية والإعلام والعلاقات الدولية؟

العلاقات العامة عامود الخيمة فهي الصورة الذهنية الإيجابية، فالأمر الأساسي المطلوب أن يفعله مدير برنامج للعلاقات العامة أن يخلق صورة إيجابية للشركة أو للسلعة أو للشخص أو الدولة، لدى الجمهور المستهدف الذي يتعامل معه. إذا استطعت أن تخلق الصورة الإيجابية في أذهان الزبائن أو الجمهور المستهدف فمعنى ذلك أنك نجحت في مهمتك.

الدبلوماسي وخصوصاً الذي يمارس دورا فاعلا مثل السفير أو نائبه وفي الدرجات العليا مثل القائم بالأعمال أو الوزير المفوض.. وظيفة هذه الفئة من الديبلوماسيين تقديم بلدهم للطرف الآخر، بصورة إيجابية. مثال على ذلك عندما كان عقل بلتاجي وزيرا للسياحة اتصل بي حين أسست السفارة الأردنية كأول سفير أردني في هولندا، وسألني ماذا أنت فاعل هناك؟ مضيفا بسرعة حتى لا أتصور أني ارتكبت خطأً أو أخطاء أن السياحة من هولندا للأردن زادت بنسبة 48 بالمئة في السنة، وارتفعت مقاعد الملكية الأردنية على خط أمستردام عمان إلى نسبة 65 بالمئة. لأ?ني نجحت في خلق صورة إيجابية للأردن في هولندا.

أيضاً عندما توفي الملك الحسين فتحنا سجل عزاء في السفارة، جاء اثنان من النواب ووقعا في السجل، واحد منهم قال لي إن الملك الحسين يستحق أكثر من مجرد سجل عزاء، اقترح علينا أن نقوم بشيء كمجلس نواب، أخبرته أن لدينا تقليدا في الأردن نسميه تأبين المتوفى، واقترحت أن يقوم البرلمان الهولندي بعمل حفل تأبين للملك الحسين.. وبعد يومين اتصل بي أحدهما وأخبرني بأنني مدعو غداً الساعة 2 إلى البرلمان الهولندي لحضور حفل تأبين الملك الحسين فذهبت وبرفقتي غالب الزعبي وزير الداخلية الذي كان في زيارة عمل لهولندا فذهبت وإذا بالحاضرين ?امل أعضاء الوزارة وأعضاء مجلسي النواب، والشيوخ الهولندي والوزراء السابقين ورؤساء الأحزاب الممثلة في البرلمان، والسفراء.. الاحتفال دام 90 دقيقة والجميع وقوفاً احتراماً لذكرى الملك الحسين، هذا الذي أسميه الصورة الإيجابية، وهو الرابط ما بين العلاقات العامة والدبلوماسية والإعلام أيضاً لأنه هو الوسيلة بطبيعة الحال.

كم بقي من عمر للصحافة الورقية الأردنية بعد أن انفض سامرها نحو السوشيال ميديا؟

الصحافة الورقية ضرورة حضارية وإنسانية وليس بوسع السوشيال ميديا أن تحل محل الصحافة الورقية مهما حاول الذين يبثون السموم من خلالها.

الآن بعد تعدد المنابر الفضائية للدولة تحت عنوان رسمي وغير رسمي كيف تقيمون الإداء الإعلامي الفضائي للدولة؟

ما يحيرني في موضوع الفضائيات هو الدعم الحكومي لتأسيس قنوات فضائية جديدة بمستوى أعتبره - بالمقارنة مع الفضائيات العربية التي تبث في السماء العربية حاليا - ضعيفا للغاية.. ولا عجب فتوزيع الدخل سواء الرسمي أو الإعلانات لا يمكّنها من الارتقاء بمستويات برامجها.

وأسأل لماذا لا يكون الدعم للتلفزيون الأردني الذي يبث نفس البرامج على فضائية غير الإرسال المحلي وبالتالي تمكينه من العودة إلى مستوياته الراقية التي ميزته على كافة محطات التلفزيونات العربية في السابق ؟..

وأقترح إعادة دراسة الوضع من قبل أخصائيين لتقرير الحاجة الفعلية للتمويل خصوصا ونحن نعرف أنه متى عاد التلفزيون الأردني إلى سابق عهده في تقديم البرامج المميزة سيرتفع دخله الإعلاني بشكل يمكنه من تحقيق ما يصبو الأردن إليه وما يستحقه.

استراحة



لكم مع الشخصيات التالية مقاربات شخصية وإعلامية قد يكون في بعضها جديد لم يُقل من قبل:

د. عبدالسلام المجالي:

لا أبالغ إذا قلت إن د. المجالي من أنجح الذين تولوا رئاسة الحكومات في الأردن، فهو صاحب رؤية مكنته حين تولى رئاسة وفد الأردن إلى محادثات السلام مع الإسرائيليين على سبيل المثال أن يحصل على كل مطالب الأردن وخصوصا إعلان واشنطن الذي يعترف ويقبل دور الأردن في رعاية المقدسات في مدينة القدس.

لا أستطيع هنا أن أعدد إنجازات وقدرات الرئيس المجالي وبإمكان القارئ أن يعود إلى مذكراته «من بيت الشعر إلى سدة الحكم» ولي الشرف أن ساعدت في إعداده ونشره.

محمد كمال:

يعود له الفضل في تأسيس التلفزيون الأردني وتمكينه أن يصبح في مقدمة مؤسسات التلفزيون في العالم العربي.

قبلنا كان هناك عدد من الدول العربية لديها محطات تلفزيون مثل لبنان وسوريا ومصر والكويت..الخ، ومع ذلك استطاع محمد كمال في أقل من عامين أن يجعل من التلفزيون الأردني رقم واحد، بدليل أن شبابنا الذين عملوا في التلفزيون الأردني أصبحوا نجوم محطات التلفزيون الأخرى.

لقد كونا معا مدرسة يقلدها الآخرون ويتعلمون منها، والفضل لمحمد كمال، أضف إلى ذلك أنني رافقت الرجل في زياراته للمؤسسات الكبرى مثل الـBBC. وغيرها.. له أسلوب مكّنه من الحصول على الذي يريده بأقل الأسعار أو هدايا ومنح، وبالتالي استطاع أن يؤسس هذه المحطة بأقل كلفة ممكنة ويجعلها في المقدمة. لكن أين هي محطة التلفزيون الآن؟! للأسف أنني واحد من المؤسسين ولا أشاهدها، اذا ما استثنيت نشرة الأخبار بين الحين والآخر.

عدنان أبو عودة:

في مذكراتي ذكرت عدنان أبو عودة على أنه من ألمع السياسيين العرب الذين تسلموا حقيبة الإعلام، ومن حسن حظي أنني زاملته في الديوان الملكي وتعلمت الكثير من أسلوبه وفكره السياسي في تلك الفترة.

الملك الحسين لم يكن يحب أن يستمع لأحد أكثر من عدنان أبو عودة، وهو الذي كتب كل الخطابات الرئيسية المهمة للملك الحسين، وأهمها على الإطلاق خطاب فك الارتباط.

صلاح ابو زيد:

صلاح أبو زيد كان بلا شك رائدا إعلاميا نجح في إحداث نقلة نوعية في البرامج التي اقترح إنتاجها أو تطويرها للتماهي مع روح العصر.. استفاد من التجربة الأميركية في دورة لجامعة سيراكيوز المشهورة بكليتها الإعلامية، فلم نعد نذيع برامج تقليدية.

لا شك أنه صاحب فضل كبير في ارتقاء الإذاعة في فترة خدمته لتصبح مسموعة على مستوى العالم العربي. أدخل العديد من أفكار البرامج التي لها دور مؤثر بعد تأسيس «الإذاعة الجديدة» في منطقة أم الحيران.

أسرتي:

لدي ولدان وابنتان، الكبير عبدالله والصغير ناصر.

عبدالله مواليد عام 1970 محامي درس القانون في بريطانيا، متزوج ولديه سمير ومايا وزين. وابنتي لولوه ولدت في الكويت عندما كنت أؤسس جريدة القبس، هي محامية أيضا درست القانون في بريطانيا متزوجة ولديها «آيلة» (اسم العقبة القديم).

ناصر لم يتزوج بعد، ويعمل في نظام تقنية المعلومات في دبي، وابنتي الصغيرة ليندا درست في بريطانيا إعلام تخصص انتاج سينمائي تلفزيوني وعملت عدة سنوات في الهيئة الملكية للإفلام في الأردن، لديها ولدان فاروق وأمير. أنا جد لـ ستة أحفاد أكبرهم 17 سنة وأصغرهم 4 أشهر.