أبواب - ندى شحادة

عندما تتنامى المشاعر السلبية في داخلنا وتزداد يوما بعد يوم في أنفسنا تتحول إلى هاجس مزعج لا يكاد يفارق صاحبها، ويصبح الإنسان حينها أسيرا للمشاعر السلبية التي لا تنتهي، فلا ينجز ولا يحقق النجاح الذي يشعره بأهمية ذاته ووجوده في هذه الحياة، وهذا ما يعرف بعدم التصالح مع الذات والذي يحيي صراعا في داخلنا يجب القضاء عليه كي نمضي قدما ونحقق السلام الداخلي في حياتنا، فالتصالح مع الذات هو سلاحنا الأوحد لنكون قادرين على مواجهة الحياة بكل صعوباتها وتعقيداتها ولحظات التوتر فيها.

تقول (ع، م): «أعيش مع عائلتي في أجواء تخلو من المشاكل والمهاترات اليومية، ومع ذلك فإنني أعادي نفسي عداء كبيرا، وأعلم أن ذلك العداء ينبع من عدم الرضا الداخلي عن شكلي، أتصف بضعف الثقة أمام الآخرين، ولا أجد السبيل في كيفية المصالحة مع نفسي».

تبين الباحثة الإجتماعية والتربوية لمى الحرباوي بأن:«التصالح مع الذات هو أن تقبل واقعك كما هو دون محاولة فرض قوانينك أو أفكارك، فمثلاً يحاول البعض فرض رؤيتهم وقوانينهم دون النظر إلى الواقع أو رأي الآخرين أو اعتقادهم، وهذا بداية الخلاف والتناحر».

وتقول :«يذكر الكثير من العلماء بأن مفتاح التصالح مع الذات هو التعامل بتلقائية مع النفس ودون تكلف ولا تصنع ولا مباهاة، وفي هذا الموضوع علينا أن نفرق بين التصالح مع الذات وتطوير الذات، فالتصالح هو الرضا والقناعة بما أنت عليه، والتطوير هو تقييم الذات ومن ثم تقويمها، وبالتالي رفض الغرور بصورة مطلقة».

وتضيف: «على الإنسان أن يسعى دوما كي يكون مقبولا ومحبوبا من الناس الذين يحيطون به، لذلك يجب أن يحرص على إبداء السلوك القويم في الوسط الذي يتحرك فيه».

وتلفت الحرباوي إلى أن: «هناك مخاطر لعدم التصالح مع الذات، فالإنسان الذي لا يرضى عن نفسه يكون أكثر استعدادا للفوضى، وأكثر رغبة في إثارة المشاكل بطرق ووسائل كثيرة، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى إثارة الفتن المختلفة بين أفراد ومكونات المجتمع، ولا شك أن الاستقرار يحتاج إلى نبذ مثل هذه الظواهر».

وتشدد على أنه: «من حق الإنسان أن يتطور ويتفوق وينجح ويتصالح مع نفسه ويقبل عليها ويتفق معها، ولكن ينبغي أن يتم هذا بطرق لا تسيء إلى الآخرين، ولا تدفع الإنسان المسؤول أو غيره إلى حالة من التعالي والغرور، كما أن التصالح مع الذات لا يعني إرضاء النفس على حساب المحيط الخارجي وإغضابه».

ويبين أستاذ الشريعة الإسلامية أنس الكسواني بأن: «التصالح مع الذات يخلق حالة إيجابية عند أسوياء البشر وتتمثل بوجود تطابق بين ظواهرهم وبواطنهم، علانيتهم وسرهم، وبخلافه تكون حالة الفصام داخل الشخصية غير السوية، فصاحبها متعدد الوجوه والأدوار، يجيد التمثيل والتزوير، وهو ذو طبيعة مائعة تتشكل بحسب القالب الذي توضع فيه، فهو صالح إذا كان مع الصالحين، وفاسد إذا كان مع الفاسدين».

ويصف الكسواني: «المتصالح مع ذاته بأنه إنسان مستقر الحال، هادئ البال، مطمئن النفس، قرير العين، وصادق لا يعرف الازدواجية».

كيفية التصالح

ويبين أخصائي التنمية الذاتية المصغرة الدكتور أمجد محمود الحتاملة بأن: «هناك خطوات تساعدنا من أجل تحقيق التصالح مع الذات والارتقاء بأنفسنا نحو الانسجام والاستقرار النفسي، كأن نعلم جيدا بأنه لا يوجد شخص سيئ مطلقاً أو جيد مطلقاً، ولكننا جميعاً مزيج بين هذا وذاك».

ويرى الحتاملة بأن: «التسامح هو الحل الأمثل لكل مشاكلنا، التي تواجهنا سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين؛ لأنها تحررنا من الماضي وتطلق سراحنا نحو الحاضر والمستقبل».

ويلفت إلى أنه: «علينا كأشخاص أن نعتني بأنفسنا عن طريق تحقيق الإنجازات، فكل شخص لديه القدرة على إدخال التغييرات على حياته الخاصة وحياة الآخرين، حيث إن التغيير يحدث انطلاقاً من صغائر الأمور، فعندما تنتقد نفسك انتقدها لا بأس من ذلك، ولكن انقدها لبنائها فهنالك فرق شاسع بين النقد البناء والنقد الهادم المدمر».

ويقول الحتاملة: «كما يجب أن نضع أنفسنا في مكانها الصحيح، وعدم تحميلها أخطاء أكبر من حجمها أو إعطاء الإنجازات أكبر من قيمتها، فهذا سيفيض بنا إلى تحقيق التوازن المقبول بين الجسد والروح، وعلينا أن ندرك بأن مفتاح الانسجام الداخلي يتمثل في التعامل بتلقائية مع النفس دون تكلف أو تصنع».

ويشدد على أنه: «يجب أن تكون لدينا القدرة على المغفرة والتخلص من الغضب، فالتسامح يحقق لأنفسنا السلام الداخلي في حين أن الغضب مشوش عظيم لصفاء أذهاننا، كما أن التحكم في العقل شيء مهم جدا، فعلينا أن نفكر فقط في الأشياء التي نتمنى حدوثها في حياتنا وليس العكس، وبذلك لن يبقى شيء يدعو إلى القلق بإذن الله» .

ويؤكد: «أننا يجب أن نواجه الأفكار السلبية ولا نجعلها تستقر في عقولنا، فهي بمثابة الحشائش الضارة التي تحتاج إلى إزالة فورية لتحقيق السلام الداخلي، فعلينا القضاء على الأفكار السلبية والتفكير في كل ما نتمنى حدوثه من إيجابيات في حياتنا».