أبواب - زياد عساف

فيض من الحنين يغمر عشاق وسط البلد، كلما مر احدهم بجانب صالات السينما القديمة: كالخيام أو الحسين او فلسطين، عندها يستعيد عشاق السينما صوت تصفيق وصفير الجمهور في نهاية الفيلم مع مشهد وصول سيارات النجدة لتلقي القبض على العصابة ورئيسها، أو عندما ينتصر الحب وتكلل الخاتمة بالزواج، وعلى الجانب الاّخر شعور بالخيبة ينتاب المشاهدين لحظة الخروج من الصالة بسبب نهاية حزينة للفيلم كوفاة احد العاشقين.

هكذا كانت الخاتمة لمعظم الأفلام العربية، ما ساهم مع الوقت وبشكل غير مباشر بتعطيل الية تفكير الانسان العربي جراء ربط الأمور بمفاهيم خاطئة للقدر او الصدفة، دون الحث على خلق افاق تساهم بإيجاد رؤى وحلول للعديد من القضايا كان من الممكن للفن السابع ان يمتلك دور الريادة في ابتكار طريقة تفكير ترتقي بالإنسان نحو الأفضل والأجمل.

«هات من الاّخر.. »

«هات من الاّخر»، أي فلسفة تحملها هذه الكلمات البسيطة والتي ألفت الاذن سماعها من احد المتحاورين وهو يوجه كلماته للطرف المقابل بهدف الوصول للنتيجة المجدية للحديث أو (الزبدة) كما يقال عادة بعيدا عن الاطالة ومضيعة الوقت، وهذا ما ينطبق بطبيعة الحال على نهايات الافلام التي ترسخ مضمونا قيما يتماشى مع التسلسل المنطقي للأحداث.

أما لأي درجة استطاعت السينما العربية تبني هذه الرؤيا فهذا يتطلب استعادة نماذج من الأعمال منذ البداية الأولى للسينما وللان، وبالمجمل كانت الخاتمة للعديد من الأفلام ساذجة بالمعنى الدقيق للكلمة، وهذا ما يلمسه المشاهد بأفلام عبد الوهاب وأم كلثوم وليلى مراد وانور وجدي ويوسف وهبي وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم .

مضمون هذه الأعمال أرهق الجمهور بتلك الديباجة المتكررة لقصة شاب فقير معدم يرغب بالارتباط من فتاة غنية وتقاليد المجتمع تحول دون هذا الارتباط، وبالنهاية وبالصدفة يربح ورقة اليانصيب، أو يكتشف ان له ميراثا من احد اقاربه في المهجر، أو يكتشف فجأة انه ابن احد الباشوات تجمعه الصدفة بوالده فتحل على اثرها كل العقد، ومن النماذج الأخرى رفض الأب الثري زواج ابنه من فتاة فقيرة، وفي نهاية الفيلم يتغير موقف الأب ويوافق على هذا الإرتباط بتحول مفاجئ غير مقنع، وهذا ما ينطبق على افلام الحركة أو (الأكشن)، وتكون النهاية بوفاة الشرير صدفة وبحادث سير على سبيل المثال، أو تؤول النهاية للسجن، بالمحصلة هي نهايات مفتعلة تؤول لإحدى نهايتين لا ثالث لهما: الفرح أو الحزن، وحتى لو كانت هذه النهاية التي ارتّاها المخرج مخالفة للقوانين او الأعراف.

أسباب كثيرة أدت لهذه النوعية من النهايات منها قلة الخبرة وضيق الأفق لدى صنَّاع العمل، وتركيز المنتج أو المخرج على رضى المشاهدين، أو بالأحرى على جيوبهم.

نهاية مفتوحة..

هذا النمط من النهايات الثنائية (الفرح والحزن) له جذوره في العقلية العربية، ومرجعها الاساطير والحكايات التي تربت عليها الأجيال كألف ليلة وليلة عندما تختزلها شهرزاد مع نهاية كل حلقة في عبارة: (وعاشوا في تبات ونبات.. وخلفوا صبيان وبنات.. الى ان اتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات).

ولأن الفن بطبيعته هو وسيلة للوصول لغاية، يبقى الأجدى ان تكون النهاية مفتوحة كونها ترسخ بذهن المشاهد لفترة طويلة باعتباره هو من يضع النهاية بعد حالة من العصف الذهني مع الاخرين، او في حوار ذاتي مع نفسه أهَّله لذلك امتلاكه فسحة من الخيال والتأويل وابداء الرأي.

محطات..

هذه الصورة الايجابية والمتمثلة بنهايات تحتمل دلالات كثيرة لم تغب عن نسبة لا بأس بها من الافلام العربية، ومن الأمثلة على ذلك توظيف القطار في المشهد الأخير لأكثر من عمل كرمزية لاستمرار المسيرة والحلم وعبر محطات هامة في حياة الانسان، منها فيلم (الباب المفتوح) 1963 لفاتن حمامة وصالح سليم ، والمشهد الاخير نهاية مفتوحة عندما تسافر (ليلى) بالقطار مع حبيبها (حسين) ليلتحقا معا في حركة مقاومة العدوان الثلاثي في بور سعيد عام 1956، وهذه الخطوة بطبيعة الحال ليست نهاية وانما بداية لتحقيق الحلم بالحرية والأمل بمستقبل واعد.

بفيلم (المنسي) 1994 لعادل امام (يوسف) عامل التحويلة في السكة الحديد، ويسرا (غادة) التي تتعرض لاعتداء فتلجأ اليه في مكان عمله ليلا لتحتمي به، بالنهاية يساعدها بالهروب في قطار الصباح مع مشهد وداع مفتوح على كل الاحتمالات،كأن يعودا للقاء في المستقبل بعد العلاقة الانسانية والعاطفية التي جمعت بينهما.

ومن فيلم (شقة مصر الجديدة) 2007 لـ غادة عادل (نجوى) التي تحضر للقاهرة قادمة من المنيا، وفي خضم احداث متشابكة تجمعها قصة حب مع الشاب خالد ابو النجا (يحيى)، وفي النهاية واثناء ركوبها القطار وقبل الانطلاق للعودة لبلدتها تتذكر انها تجهل رقم هاتف يحيى، وتسأله عنه كي لاتفقد فرصة اللقاء به ثانية، ويحاول بدوره ان يملي عليها الرقم من زجاج نافذة القطار الفاصل بينهما، ويختتم الفيلم بمشهد وهي تتمتم بالرقم لتحفظه، ومن هنا لا بد ان يتحرك خيال المشاهد بطبيعة الحال لعدة احتمالات لشكل هذه العلاقة بالمستقبل.

أعمال أخرى..

وتتوالى الأمثلة حول هذه النوعية من النهايات، ومن المحطات المضيئة في السينما المصرية فيلم (ملك وكتابة) 2006 لمحمود حميدة ويقوم بدور استاذ التمثيل المسرحي الذي يرتبط بقصة حب مع ممثلة مبتدئة تصغره بكثير، الا انها غيرت بشخصيته وجعلته يتخطى اشكاليات كثيرة في حياته، ويكون المشهد الأخير بارتباطها مع شاب مناسب لها، ومع ذلك يبقى يحتفظ بمشاعره الانسانية تجاهها ويبدو سعيدا لتخطيه للأزمة الشخصية التي كان يعيشها، ما جعل حياته مفتوحة على كثير من الاحتمالات، يخمنها المشاهد بالنهاية كأن يرتبط بقصة حب جديدة مثلا، أو تغيير اسلوبه في التدريس بشكل أفضل؟.

اعمال كثيرة تؤكد جمالية النهايات المفتوحة في السينما العربية ومنها: الفتوة 1957، بين السماء والارض 1959، ثرثرة فوق النيل 1972، العصفور 1974، احلام هند وكاميليا 1988، ليلة ساخنة 1994، الرهينة 2006، هي فوضى 2007، كباريه 2008، الفيل الازرق الجزء الاول 2014.

غصن الزيتون..

النهايات المفتوحه في الرواية ناجحة بأغلبها ومنطقية، وكان من الممكن ان تخدم السينما العربية لو التزم بها المخرج، إلا أن نسبة كبيرة من المخرجين لم يلتزموا بذلك، وارتأى بعضهم نهايات تقليدية حسب رؤيتهم، وهذا ماينطبق على رواية (غصن الزيتون) للاديب محمد عبد الحليم عبدالله، ففي الرواية يفترق عبده عن زوجته عطيات بعد ان ساورته الشكوك بوجود علاقة بينها وبين زميله المدرس جمال، ويذهب كل منهما لافاق اخرى بالحياة ضمن احتمالات كثيرة يرسمها القارئ بمخيلته، اما بالفيلم والذي انتج عام 1962، وضع المخرج السيد بدير حبكة غير منطقية، بأن يكتشف عبده (احمد مظهر) ان صديقه جمال (عمر الحريري) يعاني من الضعف الجنسي، وبالتالي تزول شكوكه بامكانية وجود علاقة بينه وبين زوجته ما يشجعه للعودة اليها !.

وهذا ما ينطبق على رواية السراب لنجيب محفوظ وبطلها كمال، الذي يسير في طريق الضياع مع بائعة الهوى جراء فشله في العلاقة مع زوجته لشعوره بالعجز، اما بالفيلم الذي اخرجه انور الشناوي عام 1970 فالنهاية مختلفة، وتنتهي بوصول سيارة الاسعاف لنقل زوجته التي توفيت للتو جراء عملية اجهاض زادت من شكوكه نحوها.

إقحام..

ماّخذ اخرى على خاتمة بعض الأفلام العربية والتي تم اقحامها مسايرة لطبيعة نظام الحكم السائد، ومن بينها فيلم (قلبي دليلي) 1947، ففي النهاية يهنيء الحاكمدار الضابط وحيد لقضائه على العصابة مخاطبا اياه: احسنت القيام بالواجب نحو الوطن العزيز برعاية الملك فاروق الأول، وبفيلم (في بيتنا رجل)1961 يستشهد ابراهيم (عمر الشريف) ويطلق سراح المساجين السياسيين في ليلة انطلاق ثورة يو ليو 1952 تأكيدا على بداية عهد جديد واعد بالحرية والعدل، والعديد من افلام التي تتحدث عن حرب اكتوبر انتهت بمشاهد تمجد فترة حكم السادات في الوقت الذي كانت تعرض به افلام تنتقد فترة الحكم السابق مثل (الكرنك) 1975، و(احنا بتوع الاتوبيس) 1979، أما بفيلم (الحقونا) 1989، وفي مشهد المحكمة عندما يعجز القضاء عن انصاف قرشي (نور الشريف) بعد سرقة كليته بهدف انقاذ أحد المتنفذين، ينظر نور الشريف الى صورة الرئيس حسني مبارك مخاطبا اياه: يخلصك كده يا ريس؟! اتسرقنا حتى لحمنا !.

بعض النهايات غير المقنعة تكون بسبب احداث خارجة عن الارادة ما يفرض مثل هذا الاجراء، والمثال الأقرب على ذلك فيلم (غرام وانتقام) 1944 وذلك بسبب وفاة اسمهان قبل الانتهاء من تصوير الفيلم، ما تطلب تعديل النهاية بشكل غيرمقنع وبعض النهايات اعترضت عليها الرقابة فتم تعديلها، وفيلم (البريء) 1985 مثال اخر على ذلك بعد ان تم حذف مشهد اطلاق الرصاص على ضباط وجنود المعتقل على يد المجند الذي قام بدوره احمد زكي، وتم الاستعاضة عنه بأن ينتهي العمل بصرخة المجند وهو يشاهد افواج المعتقلين السياسيين وهم يقتادونهم للمعتقل، وللحق كانت هذه النهاية اقوى، وتخلق حالة من التأويل واستنتاج المستقبل لدى المشاهد، في الوقت نفسه فقدت مجموعة من الاعمال السينمائية من قيمتها الفنية والفكرية بتدخلات الرقابة، أو جنوح المخرج باتخاذ الجانب المسالم تجنبا للخلاف مع التيارات الدينية المتشددة.

نهايات بأثر رجعي..

حسنا فعل صناع السينما بالسنوات الاخيرة بخروجهم عن النهايات التقليدية التي كانت سببا في تراجع السينما بالمنطقة العربية عموما، خاصة بعدما اصبح واضحا للجميع ان العديد من النهايات المدروسة بدقة بالأفلام العالمية كانت واحدة من الأسباب للحصول على الجوائز في المهرجانات الدولية، وعلى ما يبدو ان العلاقة مع السينما في المستقبل القريب ستأخذ شكلا مختلفا، اذ اصبح بامكان المشاهد ان يتحكم باحداث الفيلم مع التطور التكنولوجي الحاصل،وهذا ما حدث بخصوص فيلم (بلاك ميرور) الذي عرض عبر موقع نتيفلكس، ويحكي قصة شاب اوكلت له شركة تكنولوجية تحويل رواية خيالية الى لعبة فيديو يستطيع المشاهد الضغط على عدة خيارات ما يجعله يتحكم بالاحداث والنهاية بطبيعة الحال، ولو اتيح للكثيرين تطبيق هذه الفكرة على نهاية الأفلام القديمة والسابقة وبأثر رجعي لكانت فرصة ثمينة لتصحيح الكثير من المفاهيم التي خلفتها هذه الأعمال.

وعلى سبيل المثال ان الزواج في خاتمة الفيلم لايعني السعادة الابدية لأنه يعقبه التزامات وأعباء اجتماعية واقتصادية، وان الانتصار قد يتحول لهزيمة والعكس صحيح، وان قيام ثورة لا يعني تحقيق الهدف المنشود فقد يأتي من يجيِّر مكتسباتها باتجاه اخر عكس احلام وطموحات الناس، ولعل أول هذه الأعمال التي تحتاج لتعديل نهايتها فيلم (عنترة بن شداد) 1961، اذ يظهر المشهد الأخير مناقضا لواقع الحال أي بزواج العبد عنترة (فريد شوقي) من عبلة (كوكا) باعتبار انه قد نال حريته أخيرا، فالصراع بين العبودية والحرية لازال باقيا على الارض، ونضال الشعوب ضد العبودية لم يحسم لغاية الاّن .