في عام 1984، كانت امرأة مسنة تعاني من ضيق تنفس في منزلها في دالاس بولاية تكساس الأميركية، واتصل ابنها بخدمات الطوارئ. لكن المكالمة بين المتصل ومتلقي البلاغ سرعان ما خرجت عن السيطرة وتسببت في كارثة.

فبعد نقاش دام عدة دقائق عن حالة المرأة، أثارت أسئلة متلقي البلاغات غضب المتصل ورفض الإجابة على الكثير منها، ما دفع متلقي البلاغات، الذي فاض به الكيل من تعنت المتصل، إلى إنهاء المكالمة بطريقة مقتضبة. وبعد 13 دقيقة فقط، أُرسل فريق الإسعاف إلى منزل المرأة لإعلان وفاتها.

وتقول تانيا ستيفرز، عالمة الاجتماع بجامعة كاليفورنيا، إن متلقي البلاغ كان يحاول الحصول على معلومات أساسية عن المريضة، لكن المتصل فسر أسئلته بأنها فظة وعدوانية.

وعندما حاول متلقي البلاغات التحدث إلى المريضة قال له المتصل إنها غير واعية. وحين سأله متلقي البلاغ عن السبب سبه المتصل وأهانه بكلمات جارحة.

واستحوذت الواقعة على اهتمام الصحف والقنوات الإخبارية المحلية آنذاك، واندهش المسؤولون من الطريقة التي أدير بها هذا الحوار. غير أن هذا الإخفاق في التواصل بين المتصل ومتلقي البلاغات قد يسلط الضوء على مدى تأثير الأسلوب الذي نصيغ به أسئلتنا على الإجابات التي نتلقاها. فإن انتقاء الكلمات قد يساعدنا في إقناع الآخرين واستمالتهم ومداهنتهم.

ولعل الدروس التي نستقيها من تجارب بعض الخبراء في فن الحوار، تجنبنا سوء التواصل مع الآخرين الذي يؤدي إلى نتائج كارثية.

لا تتوقف عن الكلام

يشجع مفاوضو الشرطة عادة الأشخاص الذين يمرون بأزمة نفسية أو يواجهون خطر الموت على مواصلة الحديث. وحلل الباحثان رين سيكفلاند وإليزابيث ستوكوي، بالتعاون مع الشرطة البريطانية، تسجيلات للحوارات التي دارت بين الأشخاص الذين يمرون بأزمات نفسية وبين مفاوضي الشرطة.

ولاحظ الباحثان أن المفاوضين يكثرون من استخدام كلمة «تكلم» في بداية الحديث، ليحثوا الشخص على التحدث، لكن هذه المحاولات كثيرا ما تقابل بالرفض من المستجيب ويمتنع عن التحدث.

وترجع ستوكوي هذا الرفض إلى المعتقدات الثقافية المتجذرة التي تقلل من شأن الكلام، مثل المثل القائل إن «الكلام رخيص». رغم أن استخدام كلمة مكان أخرى كفيل بإنقاذ حياة شخص.

لكن عندما يستخدم المفاوض كلمة «تحدث»، كأن يقول للشخص الذي يمر بأزمة «أريد أن أتحدث معك»، يحصل المفاوض على الاستجابة المطلوبة، وقد يقاطعه المستجيب ويسترسل في الكلام.

الرغبة في الكلام

ويستفيد وسطاء الصلح من قوة تأثير الكلمات لإقناع شخص رافض للصلح بالعدول عن موقفه. ويساعد هؤلاء الوسطاء المتخصصون أيضا في تسوية النزاعات التجارية والخلافات بين أفراد الأسرة وبين الجيران.

إذ يحاول هؤلاء الوسطاء بشتى السبل الوصول إلى نتيجة إيجابية ترضي جميع الأطراف. وفي المملكة المتحدة، يُلزم القانون أطراف النزاعات بشأن حضانة الطفل باللجوء أولا إلى خدمة وساطة الأسرة للتوصل إلى اتفاق.

إذ يبدأ الوسيط بتعريف الشخص الذي يتصل به هاتفيا بالخطوات التي سيتبعها للتسوية بين الطرفين، ثم يسأل المتصل: «هل توافق أنت والطرف الآخر على المضي في هذه الخطوات؟» ثم يرد عادة المتصل بأنه «ليس واثقا من أن الطرف الآخر سيوافق على ذلك، فهو عنيد للغاية».

ثم يبادر الوسيط على الفور بالقول: «ولكنك أنت مستعد أن تأتي لحضور اجتماع تمهيدي» وهنا يرد المتصل: «أنا لا أرفض أي محاولة للتسوية على الإطلاق».

فمن الواضح أن المتصل ليس متحمسا لفكرة التحدث إلى الوسيط، لكنه، كشأن الكثيرين منا، حين نستكره فعل شيء ما، نحمل شخصاً آخر مسؤولية الرفض. وفي هذه الحالة أنحى المتصل باللائمة على الطرف الآخر في النزاع.

وتعد هذه الطريقة فعالة، لأن الوسيط لم يطرح سؤالا يتطلب إجابة، فضلا عن أنه سمح للمتصل بأن يظهر بصورة الشخص الحريص على التصالح.

وتقول جان كولتون، رئيسة مجلس إدارة جمعية الوسطاء بالمملكة المتحدة، إن الطرف الثاني سرعان ما سيوافق على الحضور بمجرد ما يعلم أن الطرف الآخر في النزاع سيحضر الجلسة.

وتقول كولتون: «نحن نركز على الطريقة التي يصف بها كلا الطرفين مشاكله حتى ننتقل من السلبيات إلى الإيجابيات». فإن أطراف النزاع لا يرون عادة غير السلبيات، لكن إذا دققت النظر ستجد الكثير من الأمور المشتركة، مثل حبهم للأطفال.

وتنتهي عادة جلسات الوساطة الأسرية بالاتفاق مع كلا الطرفين على أن يعودا في المرة القادمة بحلول بديلة لمشاكلهما وأن يتوصلا إلى اتفاق.

تبعات غير مقصودة

وفي بعض الأحيان، قد تؤدي الطريقة التي تصاغ بها الإجابة على السؤال إلى نتائج لم تكن في الحسبان.

وعند تحليل المحادثات التي دارت بين الأطباء والآباء والأمهات عن صحة الأطفال، اكتشف الباحثون أنها كثيرا ما تتحول دون قصد إلى ما يشبه المفاوضات.

فقد تؤدي بعض السلوكيات من الآباء والأمهات إلى زيادة كميات المضادات الحيوية التي يصفها الطبيب للطفل. إذ كثيرا ما يفسر الأطباء بعض إجابات الأمهات أو الآباء على أنها محاولة لإقناع الطبيب بوصف مضاد حيوي للطفل، رغم أنهم لا يطلبون ذلك صراحة.

وتقول ستيفرز، إن الآباء قد يقولون إن ابنهم ربما يكون مصابا بالتهاب في الجيوب الأنفية، وبمجرد ما يسمع الطبيب كلمة التهاب أو عدوى بكتيرية قد يظن أن الأب أو الأم يريدان مضادا حيويا.

لكن الآباء والأمهات في الحقيقة يريدون الحصول على أفضل علاج لأبنائهم. وترجع ستيفرز هذا الفهم الخاطئ إلى سوء التواصل بين الخبير والشخص العادي. فإن استخدام المصطلحات الطبية يحمل الطبيب على الاعتقاد أن الآباء والأمهات يطلبون مضادات حيوية، رغم أن هذا ليس صحيحا.

هل هناك كلمات أخرى؟

بعض الكلمات قد يكون لها وقع كبير أيضا على نتائج المحادثة. ففي إحدى الدراسات طلب من أطباء في الولايات المتحدة أن يشجعوا المرضى الذين يزورون عياداتهم على التحدث عن مخاوفهم.

وسألت المجموعة الأولى من الأطباء مرضاهم في نهاية الزيارة: «هل هناك أي شيء آخر تود أن تسألني عنه اليوم؟»، بينما قالت المجموعة الثانية: «هل هناك شيء معين تود أن تسألني عنه اليوم؟». أما المجموعة الثالثة فاستخدمت الصمت كوسيلة لتشجيع المرضى على التحدث.

وكانت النتائج واضحة، إذ كان الصمت واستخدام عبارة «أي شيء» أكثر فعالية في تشجيع المرضى على التعبير عن مخاوفهم، مقارنة باستخدام عبارة «شيء معين». إذ تحدث 53 في المئة من المرضى في المجموعتين الأولى والثالثة عن مخاوفهم في نهاية الزيارة.

وتقول ستوكوي إن عبارة «أي شيء» لها دلالة رمزية، إذ تدل على ترحيب الشخص بالرد على الإستفسارات. فإن استخدام كلمة واحدة مكان أخرى قد يجعلنا أكثر استعدادا للتعبير عن مخاوفنا.

السؤال المناسب

تقول هايدي كيفوي فيلدمان، الأستاذة المساعدة بقسم دراسات التواصل بجامعة نورث إيسترن بولاية ماساتشوستس، إن الموظفين المسؤولين عن تلقي البلاغات وإرسال سيارات الإسعاف مدربون على التعامل مع أشخاص يمرون بضائقة شديدة. وأحيانا يتحدث المتصل بصوت يتهدج حزنا وبكاء، وتكون إجاباته غير مترابطة.

وقد يكون من المفضل أن يطرح متلقي البلاغات أسئلة تتطلب إجابات مباشرة بنعم أو لا، أو أن يعطي المتصل خيارات للإجابات المحتملة.

فعندما سأل متلقي البلاغات في واقعة دالاس، المتصل عن منزله، ما إن كان شقة أم منزل مكون من طوابق، فسر المتصل السؤال على أنه ينطوي على إهانة، رغم أنه سؤال ضروري لتحديد شكل سيارة الإسعاف التي ينبغي إرسالها. فإن المساعدة التي تتلقاها تعتمد على إجاباتك على الأسئلة.

وقد تكمن المشكلة في أن المتصلين لا يفهمون السبب وراء الأسئلة التي يطرحها متلقي البلاغ. وتقول ستيفرز: «قد يظن المتصلون أنه يتعين عليهم أن يجيبوا على الأسئلة الكثيرة التي يطرحها متلقي البلاغ بطريقة معينة للحصول على المساعدة».

ويطمئن متلقي البلاغ في المعتاد المتصل بالقول إن سيارة الإسعاف ستتجه إلى منزلك فورا، حتى لا يظن المتصل أنه لن يتلقى المساعدة، ثم يستأنف الأسئلة للحصول على التفاصيل.

وتنصح كيفوي فيلدمان عند الاتصال بالطوارئ بأن تعرف موقعك وتصفه بالتفصيل لمتلقي البلاغ، لأن وصف الموقع قد يلعب دورا كبيرا في إنقاذ حياة مريض. (المصدر: بي بي سي)