د.محمّد محمّد خطّابي •

في 24 آب 1899، وفي قلب العاصمة الأرجنتينية بوينس آيريس، وُلد الكاتب ذائع الصّيت خورخي لويس بورخيس، في منزلٍ متواضعٍ صغير، ورغم أنه أصيب بالعمى، إلا أنّه لم يُحرَم نعمة البصيرة، فأمكنه بما ألّف وخلّف لنا من أعمال جليلة وإبداعات رائعة أن يملأ الدّنيا ويشغل الناس في حياته وبعد مماته عام 1986 بمدينة جنيف السويسرية.

حكى لنا بورخيس في كتاباته المتنوّعة على مضض وبحسرة وألم، أنّ ذلك المنزل الذي كان مسقط رأسه لم يعد له وجود، إلا أنه لا يعلم -أو ربّما يعلم- أنّ الذي بقي لنا مشعّاً ولامعاً هو عالمه الأدبي الفسيح، وخياله الإبداعي المجنّح، حيث سيصبح ذلك الفتى المغمور الضرير من أبرز الوجوه الأدبية في القرن العشرين.

لقد أمتعنا هذا الكاتب بعوالمه الأدبية الفريدة، التي تتداخل فيها المرايا، وتتزاحم وتتلاطم المتاهات، وتتعدّد وتتجدّد المكتبات، وتنتثر فيها الأوقات المتشابكة الدائرية، وتنتشر فيها الفضاءات والمساحات داخل قصص وحكايات وقصائد وأبيات. وهو يخبرنا بتواضعه الجمّ، وبابتسامته الخجولة المعهودة، إنّ أصدقاءه كانوا يخبرونه أنّ قصصه وحكاياته فاقت بكثير أشعاره. وكان بورخيس قاسياً في حكمه على الرّواية وعلى مستقبلها، حيث كان يقول: «إنني لا أرى ولا أستسيغ أدباً إن لم يكن قصّة أو قصيدة.. وإنّ روايةً طويلة تتألّف من 400 أو 500 ص?حة قد تبعث على الملل وهي بالتالي مهدّدة بالزّوال».

كانت حياة بورخيس رحلات مستمرّة، وتنقلات متواصلة، بدءاً من حيّه المغمور في بوينس أيريس إلى عالم مشهور فى سويسرا وإسبانيا، ثمّ إلى بلدان وأماكن أخرى نائية من العالم. وبعد سقوط النظام البيروني في بلده الأرجنتين، عيّن -بعد أن أصيب بالعمى- مديراً للمكتبة الوطنية في بلده، كما زاول التدريس الجامعي أستاذاً للأدب الإنجليزي في جامعة بوينس أيريس. وإثر تعيينه في هذا المنصب قال بورخيس ساخراً: «من دون شعور منّي، كأنّني كنت أهيّئ نفسي لهذا المنصب طول حياتي».

مبدع وهب نفسه للأدب

هذا الرجل الذي وهب نفسه للأدب جسماً وروحاً، خلّف لنا أعمالاً إبداعية واسعة حقّق بها شهرة كبيرة وحصد من جرّائها نجاحات لا حصر لها، حسبنا أن نذكر من أعماله: «حديقة المسارات المتفرّعة»، و«كتاب الرّمل»، و«كتاب الألف» و«أدب الخيال»، و«المرايا والمتاهات».

وفي حقبة الستينات من القرن العشرين طفق بورخيس يحقّق نجاحات متوالية، وبدأ نجمه يسطع بقوّة في الأدب العالمي، ومن ثمّ نال العديد من الجوائز الأدبية المرموقة، منها جائزة «فورمنتور» الأوروبية عام 1961 مقاسمة مع كاتب اللامعقول العبثيّ صمويل بيكيت، كما حصل عام 1979 على جائزة «سيرفانتيس» التي تعدّ بمثابة «نوبل» في الآداب الإسبانية مقاسمةً كذلك مع الشاعر الإسباني الرقيق خيراردو دييغو. ورغم الشّهرة الواسعة التي حظي بها بورخيس في الأوساط الأدبية العالمية إلا أنه لم يتمكّن من الحصول على جائزة نوبل، ويرى العديد من النق?د والدارسين لأدبه أن مردّ ذلك قد يعود إلى آرائه ومواقفه السياسية، التي لم تكن تروق للأكاديمية السويدية المانحة لهذه الجائزة العالمية.

البصير مقابل الضّوء

شغل بورخيس الأوساط الأدبية في أنحاء العالم، وأُنجزت عنه وعن أعماله وإبداعاته العديد من الدراسات والكتب في بلده الأرجنتين، وفي إسبانيا، وفي معظم بلدان أميركا اللاتينية وأوروبّا. وفي الكتاب الذي صدر تحت عنوان «بورخيس مقابل الضوء»، تسوق الكاتبة الأرجنتينية إستيلّا كانتو (المرأة التي عاش معها بورخيس ردحاً من الزمن، قبل أن يقترن بـ«إلسا أستيتي ميّان» ثمّ بـ«ماريا كوداما»)، العديد من الحقائق التي تلقي الأضواء الكاشفة على بوخيس. وقد قورن هذا الكتاب بكتاب آخر كان قد وضعه الكاتب البيروفي المعروف ماريو برغاس يوسا ال?اصل على جائزة نوبل في الآداب تحت عنوان «حقيقة الأكاذيب» يتعرّض فيه لحياة بورخيس وأعماله ونبوغه.

ويصف الناقد الإسباني «رفائيل كونتي» إستيلّا كانتو بأنها «كاتبة شجاعة لتجشّمها عناء الدخول إلى عالم بورخيس وعر المسالك، ومتعدّد الجوانب، ومتشعّب المشارب والاهتمامات». فهذه المرأة عرفت بورخيس من قرب، لذا فإنّ كتابها يعدّ شهادة حيّة مهمّة عن بورخيس وعوالمه الأدبية المحيّرة. ويعمل هذا الكتاب على تأكيد الأسماء والرموز والمجازات والأساطير والأبنية التي تنعكس على تلك المرايا التي تتكاثر وتتكرّر فيها الصّور بشكل متواتر ومستمر إلى ما لا نهاية في أعمال بورخيس. ويشير كونتي إلى أنّ الفرق الذي يظهر لنا على حساب الصّورة?التي كانت في مخيّلتنا عن الكاتب هو «تأكيد تشكّكاتنا إزاءه»، وبالتالي المخاطرة في محو أو طمس أو تشويه تلك الصورة. وعليه فإنّ كتاب إستيلّا يكاد لا يكشف لنا عن أيّ شيء ممّا كنا نشكّ فيه بشأن حياة بورخيس وملابساتها، كما أنه لا يزيح النقاب عن العديد من الجوانب الخفيّة من أعماله، وهو يكاد يكون -والحالة هذه- ضرباً من النميمة».

الهيام بنون النّسوة!

يقول الناقد الاسباني «رفائيل كونتي»: «ينبغي أن نضع في حسباننا أنّ بورخيس كان عاشقاً للنساء، وعليه فإنّ إستلّا كانتو تستفيض في الحديث عن هذا الجانب في كتابها، بل إنها تحكي لنا قصصاً وطرائف وحكايات عن ميولات بورخيس ومغامراته في عالم الهوى والصّبابة، خاصة المتعلقة بها نفسها، حيث عاشت إلى جانبه حوالي ثماني سنوات، ونقترب بذلك من صورة العبقري الغائب فتغدو حاضرة معنا وقريبة منّا مؤثرة وواقعية؟

وفي المقابل، فإن «الأدب الحقّ» كان ممثَّلاً كذلك في الجانب الآخر لحياة هذا المبدع الهادئ الخجول والوديع! إلّا أنه بواسطة الانغماس في الأدب، أمكنه أن يستعيد حريته، بل أن يعلّم الناس الحرية كما علّمهم التعامل مع الموت. مع الإشارة إلى أن قوّة بصيرته زادت عندما خبا

بورخيس وسيجموند فرويد

لم يكن بورخيس ينظر بعين الرّضا إلى تحاليل فرويد، بل كان يستنكرها، إلاّ أنه هو نفسه -بحسب إستيلّا كانتو- لجأ إلى هذا الأسلوب، أيّ أسلوب التحليل النفسي الشخصي، وقد ألقت الأرجنتين مزيداً من الضوء على هذه الحقيقة، فهو لم يكن رجل سياسة، إلا أنه كان مناهضاً للبيرونية، ولم يخطئ في ظنه وتكهّناته. لقد كان يعشق الطيش، ويهيم بالحياة، وجاء أدبه حافلاً بأعمق مظاهر السخرية والتهكّم المبطّنين بالمرارة والمضض. وقد أحبّ كثيراً، إلّا أنه لم يفِ إلّا قليلاً. وقرأ بعض الأشياء، ولكنه تعمّق فيها حتى ليخيّل لنا أنه قرأ كلّ شيء.

إن هيام بورخيس مثير للشجون، إنه عاشق رومانسي، حالم وواقعي في آنٍ واحد. إننا نجد الحبّ في أعماله عنيداً وضنيناً، في حين أن الأدب والموت والمعرفة هي المعاني الأسمى في حياته. لقد عاش بورخيس دائماً للكتب، ومن أجل الكتب، وداخل الكتب، وقد جذبته إستيلّا كانتو لأنها كانت تعشق برناردشو، كما أنها كانت تجيد التحدّث بالإنجليزية، وكانت تبدو وكأنها مكتملة، ليس بالنسبة له شخصيّاً بل بالنسبة لاعماله الإبداعية، وهذا ما حدث.

المرايا والمتاهات

كتاب «إستيلّا كانتو» يزيح الستار عن غير قليلٍ من الغوامض والمبهمات والرموز والملابسات التي أحاطت بحياة بورخيس وأعماله الإبداعية، إذ يقدّم لنا الكتاب النصوص الأصلية للرسائل التي كتبها بورخيس نفسه، وقبل أن نورد نموذجاً من هذه الرسائل بعد ترجمتها إلى اللغة العربية للمرّة الأولى، نترك هذا الكاتب الفذّ نفسه يذكّرنا بشخصيته غريبة الأطوار ضمن ملحقين طريفين يحفلان بأنصع صور السّخرية وأعمق مظاهر التناوش الفلسفي، وهما من كتاب «المرايا والمتاهات» من ترجمة الأديب إبراهيم الخطيب، الذي نقل فيه إلى لغة الضّاد بأمانة وبرا?ة وإتقان منتخباتٍ من قصص بورخيس.

جاء في الملحق الأوّل من هذا الكتاب القيّم: «إنه للآخر بورخيس، مَن تقع الوقائع. إنني أسير خلال بوينوس أيريس فأتوقّف لعلّني بصورة آلية، لمشاهدة قوس دهليز أو الباب المثلّث المصاريع، تصلني أخبار بورخيس بواسطة البريد، وأرى اسمه في لائحة كراسي علمية، أو في معجم تراجم. أحبّ ساعات الرّمل، والخرائط، وطباعة القرن الثامن عشر، وطعم القهوة، ونثر ستفنسون، ويشاركني الآخر هذه الميول ولكن على نحو مغرور. سيكون من المبالَغ فيه الادّعاء أن علاقتنا عدائية، فأنا أحيا، وأترك نفسي تحيا كي يستطيع بورخيس حبْك أدبه، وهذا الأدب يبرّرني. إنه لا يضيرني شيئاً أن أعترف أنه تمكّن من كتابة صفحات قليلة قيّمة، بيد أنّ هذه الصفحات لا تستطيع إنقاذي، ربما لأن الجميل لم يعد ملكاً لأحد، بما في ذلك الآخر، سوى لحظة ما منّي. لقد فهم سبينوزا بنّ الاشياء تريد البقاء في كينونتها، الحجرة تريد أن تظلّ حجرة إلى الأبد، والنمر يريد أن يبقى نمراً، أمّا أنا فعليّ أن أبقى في بورخيس».

وجاء في الملحق الثاني: «خشية من ارتكاب مفارقة تاريخية، وهي الجنحة التي يتوقعها القانون الجنائي وإن كان حساب الاحتمالات والعرْف يدينانها، سننسخ مادة من (موسوعة أميركا الجنوبية) التي ستنشر في مدينة سانتياغو في تشيلي عام 2074. لقد حذفنا إحدى الفقرات التي يُحتمل أن تُعتبر جارحة، كما وسمنا بالقيم طريقة الكتابة التي تتوقّف في كل الأحوال، وحاجيات القارئ المعاصر.. سيظهر النصّ على النحو التالي: (بورخيس خورخي فرنشيسكو أسيدورو لويس: كاتب عصامي من مواليد بوينس أيريس، عاصمة الارجنتين إذ ذاك، سنة 1899، لا يعلم تاريخ وفا?ه، نظراً لأنّ الصّحف وهي نوع أدبي ينتمي إلى تلك الحقبة، قد تلاشت خلال الصراعات الواسعة التي يرويها لنا اليوم المؤرخون الجهويون، كان أبوه أستاذاً للسيكولوجيا، وكان هو أخاً لنورا بورخيس، وكانت ميولاته تتمحور حول الأدب والفلسفة ونظرية الأخلاق». ترى هل شعر بورخيس بالشقاق الحميم الذي ميّز مصيره؟ يمكننا أن نظن ذلك، فهو لم يكن يؤمن بالخيار الحرّ، وكان يحبّ ترديد عبارة كارلايل: «إنّ التاريخ الكوني نصّ نحن مرغمون على قراءته وكتابته من دون توقّف، وحيث نكتب فيه بدورنا أيضاً».

الرسائل الأخيرة إلى إستيلّا

يقول بورخيس: «على الرّغم من مرور ليلتين ويوم مرهق من غير أن أراك (كدت أبكي عندما عرّجت أمس على حديقة بنما) أكتب لك، ويغمرني بعض الفرح، لقد أخبرت والدك أنني أحمل أخباراً عجيبة، على الأقل بالنسبة لي، وأرجو أن تكون كذلك بالنسبة لك، يوم الاثنين سنتحدّث، وسأشعر بنوعٍ من الحبور، إلاّ أنني تيقّنت في ما بعد أنّ السعادة إنما هي وهمٌ إن لم تكوني أنت بجانبي».

ويضيف: «حبيبتي إستيلّا، حتى اليوم أنجبت أشباحاً بعضها ربّما تكون قصصي، وقد ساعدتني على العيش، وأخرى وهي هواجسي كادت تودي بحياتي، أمّا هذه الأخيرة فسوف أتغلّب عليها في حالة مساعدتك لي. إنّ نغمتي المضخّمة قد تجعلك تبتسمين، أعتقد أنني أناضل من أجل شرفي، من أجل حياتي (وأكثر من ذلك، من أجل حبّي لإستيلّا).. أغنّي لك بالحرارة المعهودة، والشّجاعة المدهشة.. لويس بورخيس جورجيا».

وتقول إستيلّا معلّقةً على آخر رسائل بورخيس إليها: «إنّها آخر رسالة من جورجيا، إنّ القدر قد فرّقنا. الظروف، الناس والأشياء.. إلاّ أننا بشكلٍ أو بآخر مكثنا صديقين حتى النهاية»!

• كاتب وباحث ومترجم وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأميركية للآداب والعلوم، بوغوتا/ كولومبيا.