عبدالله المتقي

في البدء..

بقع من الضوء...

المخرجة تدخّن بشراهة...

«الكاميرا مان» يستعد..

والمارة يتابعون التصوير من بعيد بفضول...

مطار قرطاج

بعد قليل سيلتقي بها كالعادة قرب نافورة المطار (هو ذو شارب رفيع)، ومن الممكن أن تصحب الأطفال كي يلتصقوا به ويتشمّمونه قبل أن يصعد السيارة الرمادية (هي ذات تسريحة خفيفة)، وهذا ما يحدث غالبا كلما عاد من سفر تكوينه وغيابه.

قبل أن تجتاز سيارتُها الحواجزَ المؤدَّى عنها، قالت له بغنج هامسة: «أفكر في التهامك دون ملح، ثم أمصّ مخّ عظامك»، وضحكت ملء فلجاتها، واكتفى هو بغمزتين وابتسامة محتشمة و.. فكرتْ في العشاء، ليقترح سمكا وشوربة سمك. وغمزته ثانية، لأنها تعرف ما يفعله السمك بهما، و.. ناولته منديلا ورقيا، لأن الشمس شرسة هذا الصيف في العاصمة، و.. عرَق يتصبب من جبهته غزيرا (المكيّف يؤجج ألما في عنقه).

و.. في الطريق إلى الطابق الثالث بالعمارة البيضاء، اشتهت البطيخ، أوقفت السيارة أمام عربة بطيخ وببهجات وضعت في فمه وفي أفواه الأطفال قطعا حمراء، وقالت بفرح: «أنا بطيخة حمراء، احذر أن تبصق بذوري». يفتح الأطفال نافذة السيارة على مصراعيها، قد يتعاركون حول لعبة «البلاي ستايشن»، قد يتزاحمون بعنف، ثم يتصالحون في شحمة أذن.

و.. وقفت السيارة أمام العمارة. في منتصف السلم تتوقف، وتضع كفها على جبّتها نسيانا (أقراص منع الحمل لم تخطر على بالها).

حي الوردية

كاد يدهسنا «الترامواي» دفعة واحدة، فنختبئ جميعا في مقبرة الوردية، وتتناثر بطيختنا الحمراء قطعا حمراء فوق السكة، كي يأكلها المارة والمسافرون على جثتنا، و.. ينتهي المشهد بدفن جماعي. لن نحتسي الشوربة، ولن نحول الأسماك المشوية إلى زعانف وهياكل عظمية نرميها في قمامة الأزبال. وسيظل «الترامواي» يأتي ويجيء وبسرعة مذهلة.

خارج سكة الموت، أخبرَته أن الحياة تغار منهما، وأنها تتعمد أن تحولها موتاً، ثم سرد لها كثيرا من ميتاته ومروره من تحت إبط عزرائيل. حدّثها مثلا، أن موتا كان سيحدث في شقته خنقا إثر تسرب الغاز الذي فطنت إليه القطة، التي ماءت ما يكفي، ثم عضّته كي يعود إلى الحياة مرعوبا ومخنوقا.

و.. كان الأطفال في المقعد الخلفي يضحكون على صورة اختناقه ودوخته.

حارس العمارة

حين استيقظ حارس العمارة من غفوته، كنا في الشقة (خمّن هو أن الحارس كان نائما)، وفكّرت هي (له عين الذئب)، وأضافت بسخريتها اللاذعة (حبا وقبلا حتى العياء وليشرب البحر).

الطفلان يقفزان ويشاغبان كالعادة في الشقة (أصابعهم تأكلهم).

الأسماك في كيس أبيض (من دون زعانف وتنظر إلى الفرن)

البنتان كائنتان رقميتان (لغزٌ هذا «الفيس بوك» الكلب).

البطيخة خضراء في الثلاجة (كي تبرد طبعا).

تجاعيد على زجاج هاتف فوق المائدة، وعلبة أقراص لتخفيف حرقة البول، و.. يبدو أن حارس العمارة أشعل سيجارته بضيق، ولم يرقه أننا نحب الحياة، ولا حاجة لنا أن نموت قبل الأوان عطشا، ولا يعرف أنها شعرت بتيار كهربائي في رأسها، و.. قالت له في المطبخ (هذا الحارس لا يعرف، ولا يريد أن يعرف، ولن يعرف).

حديقة الألعاب

الأطفال لم يتعبوا من الألعاب..

كانت تضع يديها في جيبها ثم تخرجهما..

و.. كان هو يضع «فلتر» السيجارة في فمه ويتأملها تتأمله...

وضحكااااااااا

و.. أقبل الأطفال ضاحكين ويركضون، وفي طريق العودة لا شيء في فمه، في فمها، في فم الأطفال، سوى «الآيس كريم»، و كل الأفواه باردة كالشتاء في السيارة، وحرارة العاصمة دوما مفرطة.

مساء البحيرة

البحيرة مزدحمة بالسيارات والناس، المقاهي مكتظة، نظر إليها بذهول، وقال بجفاء: «قيامة»، فتقول: «أنا متذمرة أكثر منك»، و.. أقبل الأطفال كي يقترحوا أن نهرب إلى بعيدا عن اليابسة والناس، ثم جلسنا في القارب ومشينا في الماء على غير توقع (وحده لا يرى في خوفها سوى فلجات أسنانها).

في شرفة الليل، قالت له: «تصور لو أننا غرقنا يا عزيزي». نظر إليها مليّا وقال بامتنان: «ليتنا». نظرت إليه قاطبة جبينها، ضحك، ولبثت أساريره ضاحكة، ثم أضاف: «أحب أن نموت ارتواء، أكره العطش». ابتسمت، و.. ذهبت لتعد القهوة لأنها تراها مناسبة جدا الآن.

مطعم باريس

الحياة ماضية بكل جلبتها في شارع بورقيبة، كلّ من يمشي أو يجلس يحمل سره، ولا يمكن أن يكونا الوحيدين اللذين يحملان أسرارا بداخلهما. بالنسبة إليها (رجل يضرب دوما بعكازته على أرض رأسها ولا يتعب)، وفي رأسه (امرأة تكره الدفء).

و.. الحاصل في الكلام، صعدا سلّم مطعم باريس، كي يأكل سمكا مشويا (حكت له أن هذا كان في ملْكيّة فرنسي، وخاصٌّ بالفرنسيين والمتفرنسين، واستقر الآن في ملْكية محظوظ تونسي، ولا أحد يعرف كي مرت الصفقة).

انتهى الغداء، ونزلنا السلّم كي نحتسي قهوة محمولة في السيارة، ونغادر العاصمة كالعادة، كي نحتسي قهوة في انتظار انتهاء دروس الأطفال.

(في طريق العودة تنقر على مقود السيارة بعنف، وتلعن الازدحام. أما هو فيتكور في سوق رأسه، لأنه يعرف أنها ستوقف سيارتها في الطريق وتشتري لنا التفاح، ونقضمه كما تقضمه هي ضاحكة).

المدينة العتيقة

أكلا سندويشا خفيفا، وعبرا المدينة العتيقة سريعا، وعَدته بزيارتها لاحقا، شربا قهوة عربية في مقهى كالتركي، دخن «الشيشة».. ولحدّ كتابة هذه القصة، ما زالت لم تفكر بعد في أن تكون عصاه في دروب المدينة العتيقة.

الكآبة

الذي حدث أن الراوي لم يعد يتابع الندف بنشوة وفرح. يقطب حاجبيه، ويتابع بالكاد هذه المرأة (التسريحة الخفيفة نفسها). أحيانا تغلق عليها باب غرفتها في بيت أمها، تفتح باب كآبتها، وتجلس فوق كرسي متحرك، وتحفر في ذكرياتها الرمادية.

الراوي لا يعرف أسباب نزول هذه الكآبة، وحتى الرجل الذي يتقبل مزاجيتها لا يعرف حتى ربع غرام من هذه الكآبة (سوى أن جلساتها مع طبيب نفسي، تقول إن أقراصه لا شيء تُحْدِثه سوى أنها تسمن وتغنّي، وتعود لغرفة كآبتها).

الذي حدث...

الراوي يبدو كئيبا، ويدخن بشراهة كالمخرج...

ويتأمل جثة الرجل والمرأة على الرصيف، مندغمين حتى في موتهما..

(قررا السقوط من نافذة الشقة التي في الطابق الثالث، وتمويه الرجل الذي يطرق بعصاه على الأرض ويتجسس عليهما بتواطؤ مع حارس العمارة).

END

تقف سيارة «جيب» خضراء، توضَع أدوات التصوير في الخلف، يركب الجميع، وينطلقان صوب استوديو، وكانت ندفٌ من ثلج تلتصق بزجاج السيارة بخفة رشيقة.