د.إبراهيم خليل

ليس ثمة شك في أن للإيديولوجيا مفاهيم شديدة الاختلاف، ومعاني كبيرة التباين، ووجوها قد يتآلف بعضها مع بعضها الآخر، وقد يتنافر ولا يأتلف. فلكل إيديولوجيا تصورها الخاص الذي تختلف به عن الإيديولوجيات الأخرى. بيد أن هذا الاختلاف لا يحول دون أن يكون بين هذه الإيديولوجيات المختلفة قدْرٌ مشترك، فالإيديولوجية الدينية -مثلا- تختلفُ عن الإيديولوجيا الماركسية، وكذلك عن الإيديولوجيا الوجوديَّة الملحدة.. وهكذا.. لكنَّ هذه الإيديولوجيات جميعاً تشترك في أنها تمثل المنظور الذي يَرى منه المؤمن بهذه الإيديولوجيّة أوْ تلك الحي?ةَ والعالمَ وعلاقته بهما.

من هنا كان الأدبُ، بصفته أداة تعْبير، ووَسيلة تمثيلٍ وتصوير، تتوسَّلُ باللغة لبيان رؤية المبدع الخاصة للحياة، وتصورهُ للعالم، متّحدةً بالإيديولوجية، أو منبثقة عنها، مشتقة منْها. فالمغترب يعبّر في ما يكتبه عن إيديولوجيا يمكن أن نسميها الاغتراب، والوجودي يعبّر هو الآخر في ما يكتبه من أدب عن رؤيته الوجودية للعالم، سواءٌ أكان من فريق هيدجر، أم من أتباع سارتر. والماركسيّ الاشتراكي والمغترب والديني الإسلامي أو المسيحي يعبّر عن شيء من هذا القبيل، والمهموم بهموم المجتمع، وطبقاته الدنيا، المسحوقة، يعبّر، هو الآخر، ?ن قصد، أو بلا قصد، عن إيديولوجية سوسيولوجية هدفها التغيير، وتلافي ما يُسْفر عنه الصراع الطبقي من نتائج مأساوية. وحتى المرأة التي تستخدم الأدب للتعبير عن رؤيتها للعالم، قد تعتنقُ في ما تكتبه إيديولوجيا توصف بأنها نصيرةٌ للنساء، وتدعو لإنصافهنَّ، وتحريرهنّ، من المجتمع البطركيِّ الذكوري، ومن النزعة الأبوية المهيمنة على النساء، لا سيَّما في المجتمعات التي تعاني من الفقر والجهل والتخلف.

ولما كانت الرواية دون غيرها من سائر الأنواع الأدبية تهتم ببناء نموذج تخييلي للمجتمع يحاكي فيه الكاتبُ المجتمع الحقيقيَّ الكائن في هذه الرقعة الضيقة أو الواسعة، من الفضاء الإنساني والمكاني، فقد كُتب على الروائي أنْ ينطلق في كتاباته من رؤية يمكن أنْ توصف وتصنَّف في إحدى الإيديولوجيات التي تتحدث عنها معاجم المصطلحات السياسية والفلسفية والاجتماعية. ولكنَّ الرواية، ونظراً لما تتصف به من استيعابها لحقول شتى من السرد والتشخيص، ومن الأمكنة والأزمنة والمرويِّات، كُتب عليها أيضاً أن تتضمَّن طيفاً إيديولوجياً قد تختل? فيه الإيديولوجيات وتتَصارع، وهذا الاختلافُ أو الصراع، يمنَحُها القوة الأدبية التي ترتقي بها إلى مستوى البناء الدرامي المتألق. وذلك ما نجده بوضوح في روايات مشهورة يعرفها القارئ العربي جيداً، مثل رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ، و«لأرض» للشَّرقاوي، و«شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف.

فقد تمثل إحدى الشخصيات إيديولوجية دينية متطرفة، لا تؤمن إلا بالعنف لتحقيق ما ترمي إليه من غايات وأهداف، ترى فيها الحل الوحيد لمشكلات الحياة الاجتماعية المعاصِرة، مقابل شخصية أخرى تتصدى للتطرُّف الديني، في الوقت الذي لا تتراجع فيه عن التصدي للتطرف العلماني أو الوجودي. وهكذا نستطيع القول: إنَّ الرواية، شاء الكاتب أوْ لم يشأ، بنية تشاكل البنية الاجتماعية، يُوجِّه من خلالها المبدع رسائل، وهذه الرسائل تدعو بصفة غير مباشرة لرؤية إيديولوجية يراها هي الفُضلى مقارنة بغيرها من الإيديولوجيات التي تضطرب وتصطرع في ثناي? فضائه السرديّ وخطابه الروائي.

ونظرا لأهمية هذا الموضوع في هذه الحقبة التي تمرُّ بنا، وفي هذه الأيام السوداء التي لم يُرَ ما هو أكثر منها سواداً، فقد تصدَّت الباحثة د.حنين إبراهيم المعالي لدراسة الرواية الأردنية دراسة جديدة، من خلال منظورها الإيديولوجي، وتأثيره في البناء الفني للخطاب الروائي. واتخذت لذلك مجالا محدداً، فهي لا تتناول من الروايات إلا تلك التي صدرت بعد العام 2000 وقبل العام 2015 واختارتْ من بين الروايات الكثيرة التي صدرت في هذه المدة عدداً محدوداً، وهذا العدد المحدود جرى انتقاؤهُ وفقاً لشرط آخر، وهو أن يكون الكاتب -صاحب الر?اية- من الراسخينَ، غير الطارئين على هذا النوع الأدبي، واسْتُبْعد الهواة، وأصحاب الرواية الواحدة، واقتُصر على المواظبين المثابرين، علاوة على أنَّ اختيار الرواية من بين روايات الكاتب ليس اختياراً عشوائياً أيضاً، وإنما هو انتقاءٌ على وفق المعيار الملائم لهذه الدراسة، وهو معيار الجوْدة.

أما الكتُّابُ الذين جرى اختيار المؤلِّفة لهم، فهم من الجيلين الحاضر والماضي، ومن الماضي ليلى الأطرش (أبناء الريح)، وفاروق وادي (عصفور الشمس)، وهاشم غرايبة (الشهبندر)، وإبراهيم نصرالله (شرفة الفردوس)، وسميحة خريس (الصحن)، وجمال ناجي (موسم الحوريات)، ومن كتاب الجيل الحاضر جلال برجس (أفاعي النار)، وجهاد الرجبي (الرحيل)، ومفلح العدوان (العتبات)، وهزاع البراري (أعالي الخوف).

وهكذا، نجد د.حنين المعالي تتناول في الباب الأول من هذا الكتاب ما يُمكن وصفه بالخلفية النظرية للدراسة، فتعرض لما قيلَ ويُقال في مفهوم الإيديولوجيا، واختلاف القراءات لهذا المفهوم بين الفلسفة والأدب. وخلصت من هذا إلى نتيجة على جانب كبير من الأهمية، وهي أنَّ المنهج الاجتماعي في النقد الأدبي هو أكثر المناهج النقدية لصوقا بالإيديولوجيا، فالناقد الذي يتَّبع هذا المنهج، لا المنهج النفسي، ولا المنهج الجمالي، ولا المنهج التاريخي، ولا المنهج الرومانتيكي، هو أكثر النقاد بحثاً عن الرؤى الإيديولوجية المختلفة التي تتجلى ?ي الآثار الأدبية عامة، والرواية منها على وَجْه الخصوص. ومن النقاد الذين أبدوا اهتماما بهذا: حميد لحمداني، وسعيد علوش، وأبو علي ياسين، ونبيل سليمان، وأنيسة السعدون.

وعكفت المؤلفة على تتبع الرواية الأردنية من النشأة، في توطئة موجزة، وهي توطئة لا بد منها لربط الماضي بالحاضر، ووضع الروايات المنتخَبة للدراسة في السياق المعرفي من حيث الفن الأدبي، ومن حيث علاقته بالإيدولوجيا. فقد تبيَّن لها -على سبيل المثال- أن رواية «أنت منذ اليوم» لتيسير سبول تعبّر عن رؤية إيديولوجية قومية سواءٌ حيال الحرب العربية- الإسرائيلية عام 1967 أو في نظرتها للتراث والفتوحات الإسلامية، في حين أنّ رواية أخرى مثل «الكابوس» لأمين شنار، تتضمَّن في رؤاها الأدبية ملامح إيديولوجية دينية ذات طابع إسلامي. و?م تخلُ روايات غالب هلسا من التصور الإيديولوجي الماركسي، لا سيما رواية «سلطانة» التي تسلط الضوء على التحولات الاجتماعية في الأردن، وظهور الأحزاب في خمسينات القرن الماضي.

وبهذا القدر أو ذاك من الالتزام بضوابط البحث العلمي الأكاديمي ومعاييره، تستقصي الباحثة ما تصفه اختصارا بالمضامين والرؤى الإيديولوجية في الروايات العشر التي انتخبتها، كاشفة عن مظاهر مشتركة فيها، كالقلق من مآلات الصراع الطبقي، وظهور التطرف الديني، والإرهاب، وتفكك الأسرة بمرجعياتها من حيث هي الوحدة الأساسية في بناء المجتمع، وانتشار ظاهرة أبناء الشوارع، أو أبناء الريح، وما تسببه هذه الظاهرة من تشويه يمس العلاقات الإنسانية في المجتمعات، بما في ذلك علاقات النسَب والقرابة.

إلى ذلك، تعبّر بعض هذه الروايات عن الفروق بين الريف والمدن، والمواجهة السافرة بين المتديِّنين وأولئك الذين يعتنقون أفكاراً بعيدة عن التدين. وهناك روايات منها تقف من الخرافات موقفَ المؤمن بها، المقتنع بصحتها، في مواجهة أولئك الذين يتصفون بالنزعات المادية التي ترفض المغيبات وتراها ضربا من الخزعبلات التي تسيء للفكر.

ولا تخلو بعض هاتيك الروايات من التصدي للصهيونية على أساس أنها ضرب من الإيديولوجيا الدينية العنصرية المتغطرسة، فتقوم هذه الرؤية على تبني إيديولوجيا المقاومة ممارسةً وتفكيراً، وهذا واضح في رواية جهاد الرجبي (الرحيل). ولا تخلو الروايات أيضا من وقفات متأنية إزاء إحساس بعض المثقفين بالاغتراب، كالذي تلاحظه المؤلفة في «أفاعي النار» لجلال برجس.

ولأنَّ الرواية -في الأساس- تعبيرٌ أدبي وفني، فليس من الحكمة أن يقتصر هذا الكتاب على الجانب الإيديولوجي، إذ لا بد من الإجابة عن سؤال، هو: ما أثر هذه الإيديولوجيات في البناء الفني للروايات قيد الدراسة، وما تأثيرها في جماليّات السرد الروائي؟ وجواباً عن هذا يجد القارئ في كتاب د.حنين المعالي باباً بعنوان «الإيديولوجيا والتشكيل الفني». وهو باب تضمَّن دراسة تحليلية للروايات، فتتناول الراوي فيها جميعا، العليم وغير العليم، المشارك وغير المشارك، وتتناول في موقع آخر الشخصيات، فتبدأ بالطفل على أساس أنه شخصية يعبّر من ?لالها الكاتب عن رؤية إيديولوجية تتعلق باستغلال الأطفال أو إهمالهم، لأسباب أخلاقية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو لهذه الأسباب مجتمعة، وتتناول شخصية المثقف، والانتهازي الذي يسعى لتحقيق مصالحه، ومن بعده فليكُنْ الطوفان. وهو شخصية سلبية بطبيعة الحال، خلافا لمن تصفهم المؤلفة بالمتمردين، كشخصية سلمى في رواية «الشهبندر» لهاشم غرايبة. وقد وجَّهت المؤلفة نقداً لبعض الشخوص، فثمة شخصيات تبدو ضعيفة، وركيكة، بينما تبدو شخصيات أخرى أكثر قوة وحكمة.

ولا يفوت المؤلفة أن تقف بنا وقفة متأنية إزاء أثر الإيديولوجيا في اختيار الروائيين للأمكنة التي تجري فيها حوادث الروايات. فالفضاء الروائي يعد مكوِّنا أساسيا للرواية، لا يجوز إهماله أو تجاوزُه. فلم يكن اختيار إبراهيم نصرالله لبناية سكنية متعددة الطوابق، مكاناً لمجريات روايته «شرفة الفردوس» لولا أن هذه البناية تتحول في سيرورة الوقائع واستمراريتها، إلى علامة تحيلنا لمواقف إيديولوجية متباينة، وأولها البعد الطبقي للشخوص. وتقول حنين المعالي شيئا من هذا القبيل عن رواية «أبناء الريح»، وعن رواية «العتبات»، وعن رواية?«رحيل» التي تقودنا فيها إلى الأرض التي تشهد انتفاضة الحجارة، وهذا اختيار يتّسق مع موقف جهاد الرجبي من المقاومة بصفتها إيديولوجيا ممارسةً وتفكيراً.

وقد يطول بنا الأمرُ إذا تتبعنا جلّ ما جادت به قريحة د.حنين المعالي، سواء في ما يتعلق بالتقنيات السردية وأثر الموقف الإيديولوجي فيها، أو في ما يتصل باللغة سرداً وحواراً.

وصفوة القول إن هذا الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بدعم من وزارة الثقافة (2019) -وهو الثاني للمؤلفة بعد كتابها «الرؤية والتشكيل الفني في قصص جمال ناجي القصيرة» (2014)- يبشّر بميلاد ناقدة، باحثة، في الدراسات القصصية والروائية، يسعدنا الترحيب بها في صفوف النقَدة والباحثين الأكاديميين.