أبواب - وليد سليمان

البُخل هو جمع المال وعدم إنفاقه في المُباحات بحجة الخوف من عاديات المستقبل!! والبخل خصلة ذميمة مكروهة تمنع الفرد من البذل والعطاء.. وهي من الصفات القبيحة التي تقلّل من الرجولة.

وقال بعض العرب قديماً في هذا المجال: الرجال أنواع ؛ كريم وبخيل وشحيح.

أما الكريم فهو الرجل الذي يكرم نفسه وأهله وجيرانه وضيفه وأقاربه فهو رجل كريم المعشر.

أما البخيل فهو من ينفق على نفسه بل يغدق عليها ولكنه بخيل على الناس.

أما الشحيح فهو أقبح أنواع البخل فهو شديد البخل على نفسه وعياله وجيرانه

وأقاربه ومعارفه، ويبخل بما يملك وبما لا يملك.

المحامي المعروف «هاني الدحلة» يروي في ذكرياته بعض القصص والحكايا ومفارقات الحياة ؛ التي أشار الى أنها لا تمت الى الواقع الحقيقي بصلة.. لكنه الابداع والتأليف الفني.

ومن تلك الحكايا والمواقف عبر كتابه «رشاد السنين» والتي تذكرنا في بعضها بكتاب البخلاء للجاحظ:

ليت الزمان يعود يوماً

وتعود هذه الحكاية الى ستينيات القرن الماضي.. فقد كان سامي مهندساً شاباً في الثلاثينيات من عمره عندما عُقد مؤتمر للمهندسين العرب في القاهرة، حضره مئات او آلاف المهندسين من شتى أقطار الوطن العربي.

وقد تمت دعوة المؤتمرين لزيارة الاسكندرية والتعرف عليها لمدة يوم كامل، ثم العودة الى القاهرة.

وعند ركوب المهندس سامي في القطار الذي اختير لنقل أعضاء المؤتمر، جاء جلوسه بالصدفة في غرفة الدرجة الأولى بالقطار مع عائلة لبنانية مكونة من مهندس «خالد» وزوجته، وأختها الشابة «نهى» التي كانت تعمل مُدرسة في الجامعة الاميركية ببيروت.

وبعد السلام والتعارف وتمضية يوم كامل في الاسكندرية عادوا معاً ايضاً للقاهرة.. حيث قام بدعوتهم للعشاء في مطعم فندق سميرأميس، ثم دعاهم لزيارة عمان.. كما أنهم دَعُوهُ لزيارة بيروت.

وبعد عام أو أكثر عُقد مؤتمر في بيروت.. وذهب المهندس سامي لحضوره واغتنم الفرصة واتصل بالمهندس «خالد» الذي عبر عن سروره بهذا الإتصال، ودعاه للغداء في منزله، بمحلة المزرعة في بيروت.

وذهب المهندس سامي الى منزل خالد ووجد هناك طبعا زوجته وأختها وقاموا جميعاً بتناول الغذاء، ثم جلسوا للحديث حتى المساء، ثم قام المهندس خالد وأخت زوجته «نهى» بتوصيله بالسيارة الى فندقه.

وتكررت زيارة سامي لبيروت، وكان في كل مرة يتصل بخالد يجد ترحيباً مع دعوة على الغذاء، وقام المهندس سامي بتوجيه دعوة للمهندس خالد لزيارة عمان مع زوجته وأختها.. فوعدوا بتلبية الدعوة.

بين عمان وبيروت

وفي أحد الأيام اتصل المهندس خالد بالمهندس سامي وأبلغه أنهم قادمون الى عمان لتمضية ثلاثة ايام، فأبلغه سامي بإنه سيحجز له غرفتين في فندق فخم، وعليه عند الوصول لعمان أن يذهب لذلك الفندق ويستلم الغرفتين والاتصال به ليقوم بزيارته.

وبالفعل جاء خالد وزوجته وأختها «نهى» ونزلوا بالفندق واتصلوا بسامي الذي حضر وأخذهما للغداء في احد مطاعم عمان.

ولما قالوا له لماذا لم تدعُنا الى منزلك؟! قال لهم انا رجل عزَّابي!! ووالدتي من الطراز القديم!! ولا يمكن ان نقدم لكم من الضيافة ما يناسب المقام!! ومع ذلك قالوا: لا بد لنا من زيارة المنزل لشرب القهوة على الاقل!.

وكان سامي يتهرب من قيامهم بزيارة منزله، لأنه كان منزلاً بدائياً في حي فقير وهو لا يريد أن يطلعهم على ذلك، ولكنه إزاء إصرارهم أخذهم عصراً لزيارة المنزل بعد اتخاذ الاجراءات الممكنة لتحسين الوضع.. وذهبوا معه ومكثوا في منزله حوالي الساعة وعادوا الى فندقهم.. وقد لاحظ سامي علامات غير سارة على وجوههم!!.

وفي اليوم التالي أخذ سامي ضيوفه بسيارته الى القدس التي كانت جزءاً من الاردن في ذلك الوقت قبل سنة 1967، وهناك سمعوا بفك الوحدة بين سوريا ومصر سنة 1956، فأخذوا جميعاً بالبكاء، لأنهم كانوا وحدويين من المطالبين بالوحدة العربية من المحيط الى الخليج.

وبالفعل عندما خرجوا من الحرم القدسي وفتحوا راديو السيارة سمعوا نبأ إعادة الوحدة !! فعلت وجوههم الفرحة الكبرى، وهنأوا بعضهم وساروا بالسيارة عائدين الى عمان.

ولم يكادوا يسيروا نصف ساعة حتى عاد الراديو ليعلن إلغاء قرار العودة للوحدة واعلان الانفصال، فعادوا للبكاء والحزن على هذه الفرصة التي أضاعها العرب بجهلهم وتمسكهم بالإقليمية والتجزئة التي ربَّاهم عليها الاستعمار.

وانتهت الزيارة وعادت نهى وعائلتها الى بيروت، ومن هناكأرسلت نهى رسالة الى سامي تشكره على حسن الضيافة وعلى الوقت الذي قضاه معهم.

وأرسل سامي رسالة لنهى يشكرها فيها على رسالتها، ويُلمِّح لها عن إعجابه بها، ويتمنى ان يكون لقاؤهما مستمراً.. وفهمت هي معنى الرسالة، ولكنها لم ترد عليها!!.

وقد كلف سامي أحد أصدقائه لخطبتها وهو «سمير»، الذي كان قد حضر ذات مرة مأدبة أقامها سامي لنهى وعائلتها، واصبح صديقا للعائلة.

وعندما اتصل سمير بنهى ونقل لها رغبة سامي في خطبتها اعتذرت، وقالت انها لا تفكرأبداً بالزواج!! لأنها متفرغة لعملها كمُدرسة في الجامعة، وفهم سمير أن «نهى» كانت تنتظر أن يخطبها رئيس وزراء لبناني أعزب!! فهناك معرفة عائلية بينهما!!.

ومضى الزمان وقُتل رئيس الوزراء اللبناني بحادث طائرة!! وبقيت نهى دون زواج!! بينما تزوج سامي وأنجب ولدين وبنتاً وذهب مع عائلته الى بيروت واتصل بالمهندس خالد الذي دعاه مع عائلته للغذاء واجتمعت العائلتان ومعهم «نهى» التي أصبحت كبيرة في السن، وخطت التجاعيد وجهها خطوط الزمن!!.

ونظرت نهى الى سامي وزوجته الشابة الحسناء وولديه.. ثم نظرت إليه–كان يراقب أنظارها- فلما لاحظت انه يتطلع عليها..ربما قالت تحدث نفسها: (ألا ليت الزمان يعود يوماً)!!.

وكأن سامي عرف ما يدور في نفسها.. فأرسل لها رداً روحياً من داخله يقول فيه: (ان الزمان الذي فات لا يعود... ولكن تظل الصداقة قائمة مهما طالت الايام)!!!.

البخلاء في كل زمان

قال صاحبي، وهو يحاورني، هل تعرف أن أكثر أصحاب الملايين هم من البخلاء!! رغم أنهم كانوا في بداية حياتهم في معظم الحالات التي أعرفها أناسا عاديين بل فقراء!! ولكن الحظ أسعفهم، فصاروا أغنياء وأصحاب ملاي!!!.

الحالة الاولى...

«نجاتي» طبيب حزبي ملتزم كان قد وضع لنفسه كشفية قليلة!! وتبين أن ذلك ليس إلا فخاً لإصطياد الفقراء!! فقد كان يأخذ مبالغ إضافية إذا استلزم الأمر!! كفحص ما أو إجراء يخرج عن الكشفية العادية.. كما كان يداوم من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً.. ويأكل سندويش من الفلافل يومياً في العيادة دون ان يغادرها، وبعد سنين على ذلك أصبح من الأغنياء.. وأخذ يشتري ويبيع الأراضي حتى أصبح لديه ثروة ضخمة وصلت المليون.

ويقول الكاتب الدحلة: ومن نوادرهذا الطبيب؛ أنه ذهب معي ذات مرة لتمثيل المؤسسة التي ينتسب إليها في مؤتمر يُعقد في تونس، وقد كنا في فندق أربع نجوم، وكان الإفطار مجاناً، فكان يأكل فيه ضعف الكمية التي يأكلها غيره!! ويسرب الى جيبه بعض السندويشات التي يعملها من طعام الإفطار ويتناولها عند الغذاء.

اما في العشاء فقد اهتدى الى مطعم قريب من الفندق ومخصص للسواقين المرافقين لأصحاب السيارات المشاركين في المؤتمر وغيرهم من السواقين ورجال الشرطة وما شابه ذلك.

وفي أحد الأيام قلت له أن هناك مطعماً على شط البحر، يُقال انه جيد، والمناظر عنده خلابة، فهل توافق على الذهاب هناك!؟ فقال: لا..لا، أنا هنا عندي مطعم لاأدفع فيه ربع ما يمكن ان أدفعه في ذلك المطعم!!.

فقلت له أنني داعيك للغذاء على حسابي، فقال: والتاكسي!! قلت ايضا على حسابي. وضمرت أمراً... فذهبنا وتغدينا وعندما أردنا العودة قلت له إن عليك أجرة التاكسي في العودة لأنني دفعت في المجيء ودفعت ثمن الغداء.

فرفض بشدة، فقلت له: ما دمت ترفض فإنني لن أركبك معي في التاكسي -ودبِّر حالك- !!.

وهكذا أخذت تاكسي وعدت الى الفندق، بينما هو جاء ماشياً - ونظراً لبخله فان حذاءه الرخيص قد فقد نعله في إحدى رجليه، ولكنه بدلاً من أن يرميه ويشتري غيره من المتاجر في طريقه، فإنه فضَّل ان يحمل فردة الحذاء مع نعلها حتى عاد للفندق بفردة كاسية واخرى عارية!!.

وفي اليوم التالي ذهب الى محل تصليح أحذية وقال لهم: إنني قادم من الأردن وأنا ضيف عليكم في المؤتمر، فرحبوا به وأصلحوا له الحذاء مجاناً!!.

وعندما أردنا العودة لأرض الوطن قال لنا المسؤول: ان ركوبكم الطائرة سيكون من مطار العاصمة وأنتم تبعدون عن هنا مسافة يأخذ عليها التاكسي أجرة عشرة دنانير.. وقد خصص لكل منكم هذا المبلغ للوصول الى المطار.

فقلت لرفيقي: نذهب أنا وإياك بتاكسي ويدفع كل منا خمسة دنانير.

فقال: لا... ما دمت ستأخذ تاكسي فخذني معك مجاناً !! فرفضت واضطر لحمل حقيبته على ظهره، والسير بها من الفندق الى سكة الحديد، حيث ركب القطار بدينار ونصف الدينار.. وعند الوصول الى المحطة حمل حقيبته على ظهره وسار بها الى المطار، حيث ركبنا الطائرة وعدنا لعمان.

الحالة الثانية..

اما البخيل الثاني فكان تاجر اراضٍ «كميل» وكان من أصحاب الملايين جمعها من خلال تجارة الأراضي، وقام ببناء بيت ضخم على عدة دونمات في منطقة للأغنياء.. وعاش فيه وحده–لأن زوجته مطلقة واولاده يسكنون وحدهم.

وكان من شدة بخله يخدم نفسه بنفسه.. ولا يستخدم عنده خادمة!! رغم إصرار أولاده على الطلب منه استخدام خادمة في منزله!! وكان يتذرع بكثرة أسفاره وأنه إذا استخدم خادمة فأين يضعها في غيابه!!.

فقال له أولاده نضعها عندنا مثلاً، فقال أنا أدفع الراتب وأنتم تستخدمون الخادمة–لا- فاذا وافقتم على دفع راتبها فلا مانع لدي!! وقالوا له إننا لدينا خادمات ولا نستطيع دفع راتب خادمتين.. وهكذا بقي دون خادمة!!.

ولا شك أن البُخل من اسوأ الصفات في الانسان.. خاصة اذا كان البخيل رب عائلة ولديه أولاد وبنات وزوجة وأقرباء.. لأنه يجمع ولا يدفع.. يأخذ ولا يعطي!.

الحالة الثالثة..

قال صاحبي انه كان يعرف شخصاً يمتلك مليون دينار اردني يضعها في البنك مربوطة بالفائدة، وأن هذا المليون يزداد حتى قارب على التضاعف بمرور عشرات السنين.

و هذا الرجل تركته زوجته وطلبت الطلاق منه–لأنها كانت تجوع عنده–بالإضافة الى أنه كان يحرمها من شراء أية ثياب جديدة رغم اهتراء ثيابها وعدم صلاحها للبس.. فقد كان يرفض شراء ثياب جديدة لها.

وبعد معاناة فان الزوجة حصلت على الطلاق عندما اطلع رجال الدين المسيحي على الاسباب الحقيقية–واعطوها الإذن بالطلاق بسبب سوء المعاملة وعدم الصرف عليها وعدم إعطائها الكافي من الثياب والطعام.

ومن الامثلة على بخل هذا الرجل انه كان لا يشتري اللحمة لبيته الا مرة واحدة كل اسبوعين، وكمية لا تزيد على وقيتين!!.

وكان لا يشتري الخضار والفواكه إلا مرة كل ثلاثة أسابيع وبكمية لا تزيد على كيلو واحد!! ولا يشتري الحلويات إلا مرة كل ستة اشهر، وبكمية لا تزيد على نصف كيلو.. وهكذا.

ورغم انه بدأ حياته كمحاسب بسيط براتب «12» ديناراً بعد حصوله على التوجيهي–ولفقره لم يلتحق بأية جامعة - وظل يتدرج في عمله كمحاسب حتى أتقن المهنة، ووظفه احد البنوك فيه حتى وصل الى منصب مدير فرع.

وقد نصحه البعض بالاستقالة وفتح مكتب محاسبة خاص.. أن ذلك سيزيد دخله، وهذا ما حدث.

وأثناء عمله كصاحب مكتب محاسبة تعرف على تاجر أقمشة مشهور يقوم بالاضافة لعمله بالاتجار بالاراضي!! ومن خلال هذا التاجر تشارك معه في شراء قطعة ارض بـ «500» دينار، وبعد مدة بيعت بخمسة آلاف!! وهكذا بدأ العمل بتجارة الاراضي.. حيث جاء وقت في الاردن أصبحت هذه التجارة مربحة جداً لمدة تزيد على خمس سنوات، حيث تمكن خلالها من تحقيق ثروة ضخمة مع شراء اراض بعيدة بمئات الدونمات.

وبعد سنوات أخرى باع قسماً من هذه الأراضي وأصبح من أصحاب الملايين.

ورغم كل ذلك فان بُخله منعه من أي تقدم في معيشته.. كما لو أنه مازال موظفاً في البنك براتب «12» ديناراً في الشهر!!!.