مرة أخرى يتوقف الأردنيون أمام تساؤلات عميقة حول الواقع الإداري في أجهزة الدولة، ومحطات يتقاطع فيها المنطق السليم مع الواقع النشاز.

فعلى هامش إضراب المعلمين دارت وما زالت تدور نقاشات حول كم من العناوين أبرزها رواتب وامتيازات موظفي الدولة، والتي تتفاوت من دائرة إلى أخرى، كما تتفاوت بين موظفي الدائرة الواحدة، حتى لو تساوت مؤهلاتهم وخبراتهم.

من بين النقاشات التي فتحت الباب على تلك التساؤلات الحائرة، ما دار في الجلسة التي عقدتها اللجنة الإدارية بمجلس الأعيان. وما قدمه رئيسها العين مازن الساكت من مطالعات خلال برنامج حواري تلفزيوني، حيث أشار صراحة إلى بعض عناصر تلك الإشكالية.

فمن جهة، هناك فوارق كبيرة جداً في الرواتب والامتيازات بين موظفي الهيئات المستقلة، ونظرائهم في الوزارات والدوائر الحكومية وفوارق أخرى بين رواتب موظفي وزارة أو مؤسسة ونظيرة لها في نفس الجهاز الحكومي.

ففي حين ساوى المشروع الشهير «مشروع إعادة الهيكلة» الذي تم قبل عدة سنوات بين الرواتب الأساسية للكثير من موظفي المؤسسات، فقد تم تجاوز ذلك العنوان من خلال أنظمة مكافآت شمل بعضها وأغفل البعض الآخر.

ومن جهة أخرى هناك فوارق بين موظفي نفس الوزارة، حيث تتساوى الرواتب الأساسية للموظفين من نفس الدرجات والمؤهلات، وتتفاوت الامتيازات والعلاوات لتشكل فوارق كبيرة تترك تشوها واضحا على سلم الرواتب.

مرد ذلك صلاحيات الوزير في منح علاوات وامتيازات لموظفين وحرمان آخرين منها.

وفي جانب من تفاصيل تلك الحالة، قد يصل راتب موظف من الفئة الثالثة راتب مدير أحد الأقسام. وقد يتخطى راتب سكرتيرة المدير مبلغ الألفي دينار مع أن الراتب الأساسي لها يقل عن مئتي دينار.

المهم هنا التأكيد على حالة التشوه وغياب العدالة في ملف الرواتب الحكومية، ونتيجة ذلك إرهاق الموازنة العامة، بينما الإشكالية الكبرى، صعوبة معالجة ذلك الخلل.

فخبراء الإدارة والقانون يتحدثون عن شيء اسمه «حقوق مكتسبة»، لا يجوز المساس بها بمعنى أن من تم تعيينه في هيئة مستقلة، براتب يساوي مجموع رواتب عشرة موظفين في إحدى الوزارات لا يستطيع أحد أن يغير في راتبه إلا ارتفاعا، حتى لو تم دمج هيئته التي يعمل بها مع وزارة تحمل نفس العنوان، وتقوم بنفس واجبات الهيئة وحتى لو نقل الى موقع آخر.

وهو ما يعني ضمنا أننا نتعامل مع حالة من القدر لا يمكن الانفكاك منها، وأن على الموازنة أن تتحمل أعباء رواتبه وعلاواته المرتفعة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ومع الاعتراف بأن أخطاء متراكمة أدت إلى هذا التشوه، إلا أن غياب العلاج يزيد من صعوبة الموقف فرغم المقولة التي تقول أن «الخطأ مردود»، إلا أن هذا الخطأ أشبه بنوع خاص من «القدر» الذي لا مجال لإصلاحه، ومن غير الممكن محاسبة مرتكبيه!!