عمان - الرأي

تبدأ رواية «حانة فوق التراب» للروائي والقاص قاسم توفيق، بسؤال ليس شخصيا، ولا يعنى كثيرا بالبطاقة الشخصية والأحوال المدنية للإنسان، بل هو أقرب إلى السؤال الوجودي الذي يقرع باب المسكوت عنه.

يقول توفيق عن روايته التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان قبل أيام، إنها رواية فلسفية بشخوصها وحركتهم وأماكنهم والواقع المتنقل بين المرحلة الحالية وهزيمة حزيران 1967.

وتحكي الرواية قصة شاب يحاول استكشاف نفسه من خلال قصة حب وكتابات وفلسفات وجودية تركها والده بعدما استُشهد في الحرب، ومن خلال صديق له يعيش في مغارة متنسّكا يكتب وصايا ومناقشات فكرية تصل إلى 11 وصية، وهي وصايا تقود القارئ عبر شبكة من الأحداث ضمن متن روائي وسياق تتناسل فيه الأسئلة التي تسبر غور العلاقة بين الذات والنفس والآخر والأشياء.

وبتوالي الأحداث، تسقط الأقنعة عن شخوص الرواية، وتقف الوصايا كعلامات يهتدي بها القارئ إلى حيث غمار التضاد والتناقض والتشابه لدواخلنا بما فيها من حب وكره وخوف وضياع، غير أن لكل شخصية رؤيتها التي تستفز القارئ للالتفات إلى داخله والبحث عن رؤيته وفهمه للحياة.

ولا تتيح الرواية للقارئ الحياد بإزاء الوقائع والأحداث، بل تدفعه لفكّ الرموز والأحجيات التي يتورط فيها أبطال الرواية، ليسير معهم في متاهاتهم بحثاً عن ذاته هو الآخر.

وتتناول الرواية قضايا حساسة تضرب قلب الواقع العربي وضميره، على غرار الطائفية والإقليمية، لإثبات وجود صيغة أكثر قيمة وقدسية هي الإنسانية، إذ يضطر البطل إلى تغيير دينه والانتساب إلى عائلة غير عائلته تحت ضغط الظروف.

وتتسم الرواية بسردية متقنة ولغة شفيفة تنأى عن الاستعراض وتشي بمضامين ملموسة في الواقع المعيش رغم إصرار الكاتب على أن الأمكنة والشخوص والأحداث فيها متخيلة.

في «حانة فوق التراب» ينهج قاسم توفيق الفائز بجائزة كتارا للرواية العربية (2018) مسارا مختلفا، وذلك حين يوجّه قلمه لتعرية شخوص الرواية ويزيل عن وجوههم كل الأقنعة التي كانوا يتزينون بها، يقدمهم كما هم دون مكياج، بندوبهم وجراحهم وأمراضهم، ليروا وجوههم في المرآة وكأنهم يرون أنفسهم للمرة الأولى.

ومن مناخات الرواية وأجوائها:

«عايد الكهلان هو أبي، مات في الحرب، فجّرته قذيفة صُنعت وحُملت على سفينة شحن عبرت المحيط، تسلّمها جنرالات كبار بعد صفقات سريّة ورشاوى بملايين الدولارات.. وقام جنديان بتلقيمها فوهة مدفع، حدّد أحدهما الهدف.. كان أبي هناك وحيداً بانتظارها بلا موعد مسبق، مقرفصاً يقضي حاجته الطبيعية عندما سقطت فوقه ومزقته. أعطوا لأمي أشياءه الخاصة، وقطعة حديد ملوّنة قالوا إنها وسام الشجاعة.. عاشت أمي سنين طويلة منتظرة أن يرجع أبي، كانت متيقّنة بأنّه لم يمت وأنّه ما يزال متخفّياً وراء حدود الأعداء.. لا يمكن لعقلي أن يتقبّل فكرة أ? هذه المرأة التي علّمتني أنّ هذا الرجل هو أقبح مخلوقات الله على الأرض، وأنّه أكثر ما كرهته في حياتها، يمكن أن تتحوّل إلى عكس ذلك مرّة واحدة»..