أتدري ماذا يعني وطن؟.. هو رعشة كفوفك وأنت أمام شباك بلله الندى, وترسم بالكف اليمنى دائرة تزيل فيها الغباش, كي ترى أولادك وهم قادمون من المدرسة ويلهون تحت المطر.. ثم يتسابقون لباب الدار, ويقفز قلبك إليهم.. كي يحملهم إلى حضنك..

أتدري يا أخي ماهو الوطن؟.. هو أن تحس بوجع الحراب في ظهرك وتسير وحيدا, في الدرب لا درع يقيك منها.. ولا شريك يمسح نزفك, ولكنك تنسى كل شيء حين تشعر, أن الغيم أردني, والدرب أردني.. وأن الهواء الذي تتنفسه ويخرج بعضه من جراحك هو أردني أيضا.. الوطن هو بلسمك الذي يداوي روحك في الصعاب.

الوطن يا أخي.. يقدم على الحزب والجماعة والنقابة والعشيرة.. لا شيء يقدم عليه غير الله, وفي صلاتك حين تسجد, تدعو له بالسلامة.. وتطلب أن تكون عين الله عليه, ترعاه وتحميه.

أتدري ماهو الوطن يا ابن دمي؟..

هو السبابة التي ترفعها في التشهد, وترضى بنصيبك.. أن تكون في صف الفقراء, وصف الصامتين الذين ستشرق عليهم الشمس, لافي صف من أتعبوا نومه, من جلدوه.. من سلبوا من عينه الحياة, من وضعوه كعينة في انبوب اختبار وأداروا قرص النار تحته.. من تعاطوا معه, كراتب شهري أو كغنيمة.. ومن قسموه, لمعلم أو مهندس أو حزبي.. أو مستثمر.

الوطن يا أخي.. ليس لحية, تعانق سجادة صلاة, وتلعب في كفها المسبحة.. وتذرف دمعة كاذبة على الفقراء, وخلف الكف ألف سكين لاغتيال قلبك, الوطن.. ليس مناكفة لأجل المناكفة, ولا مسيرات تخرج كي تجعل شوارعه تنزف.. أو منابر لتوظيف جوع الناس, أو مايكريفونات يصدر منها صوت مشبوه, وأنت تدري أنه مشبوه والمايكريفون هو الاخر يدري, والمدى يدري.. لكن الجمع في صمت رهيب..

أتعبناه.. الأردن أتعبناه جدا, إلى الحد الذي صار هو يرتجي فيه الرحيل, الشعوب ربما تغادر في لحظة أوطانها, نحن الوحيدون في الدنيا الذين جعلنا هذا الوطن لكثرة جراحه, يرتجي الرحيل عنا..

وتسألني يا أخي عن الوطن؟

Abdelhadi18@yahoo.com