حين كان أهل الإعلام والسياسة يكتبون عن الحياة السياسية الأردنية كانوا يصفون الإخوان المسلمين بانهم التنظيم الاقرب الى الدولة خلال العقود الماضية، وكانت كلمة السر في هذه العلاقة إدراك قيادة الجماعة لمعادلات الدولة والتكيف معها مقابل مساحة من حرية العمل لم تتغير رغم الضيق الذي عانته الجماعة في المحيط العربي.

وتعززت هذه العلاقة في محطات مفصلية مرت بها الدولة وانحاز الإخوان فيها إلى مصالحهم التي كانت مصلحة الدولة ايضا في الخمسينات والسبعينات والثمانينات.. وحفظت الدولة للجماعة هذا الأمر، لكن الجماعة التي تغيرت تركيبة بنيتها القيادية دخلت في مرحلة احلام اليقظة في مرحلة الحراك و«الربيع» وما أفرزه من تغيرات لمصلحة «الجماعة» وحلفاءها في الإقليم، ووصلت القناعة لدى البعض ومنهم «الجماعة» وحتى شخصيات صنعتها الدولة أن الأمور في الأردن ذاهبة إلى التغيير وان المستقبل للجماعة، ولهذا ارتفع سقف الشروط، لكن المنطقة عادت الى مسار آخر فقدت فيه «الجماعة» معظم أوراقها، وكان عليها أن تدرك أن المعادلة القديمة قد تغيرت، وحتى أوضاعها الداخلية تغيرت وخرج عشرات بل مئات الاعضاء والقيادات ليشكلوا حزبا وجماعة جديدين، وكان من الطبيعي ان تتعامل الدولة مع «الإخوان» بنهج جديد افقدها الشرعية القانونية واغلق في وجهها ابواب كل العلاقات السابقة مع مؤسسة الحكم.

حاولت الجماعة كثيرا ان تستعيد الماضي في علاقاتها الرسمية، لكنها نسيت أن من كانوا في الماضي من قيادة الجماعة يرسمون سياستها غادروا الجماعة طوعا او كرها، وأن الجماعة التي أدارت مرحلة الحراك ليست تلك الجماعة التي صنعت معادلة علاقة عمرها أكثر من نصف قرن.

«الجماعة» اليوم تتنفس سياسيا من حزبها الذي يمثلها في البرلمان، لكن التواجد في البرلمان لم يكن قادرا على فتح ابواب الدولة امام الجماعة لأن الأمر ليس حالة غضب او زعل بل هي معادلة انكسرت عناصرها.

ولان الاردن يعيش مرحلة صعبة وبخاصة اقتصاديا فان هذه الأزمة توفر للجماعة احداثا سياسية للحضور والاستغلال عبر ما بقي لها من أدوات في العمل العام، لكن الجماعة بدلا من إدارة هذه الاحداث بشكل يفتح بعض الابواب المغلقة ويثبت حسن النوايا في العودة إلى المسار التاريخي تتصرف بذات العقلية التي أدارت مرحلة الحراك، وما زال من يصنع القرار فيها يراهن على كسر إرادة الدولة من خلال استغلال الأزمات والمراحل القلقة، وأن الهدف إقناع الدولة أنه لا غنى عن التعامل مع الجماعة والاستجابة لشروطها، وهذه القراءه من قيادة الجماعة الحقيقية تقوم على أن الدولة في وضع صعب وحالة ضعف تجبرها على الانصياع، وهي قراءة لم تكن موفقة في استغلال «الجماعة» لكل الازمات التي مرت منذ ست سنوات تقريبا.

الذي اخرج الجماعة من حضن الدولة هو هذا النهج، وإذا كانت «الجماعة» تبحث عن محاولات جادة لإصلاح ما كان فهو ليس بالاستمرار بالنهج الذي أدى إلى كسر المعادلة القديمة بل بالسعي لاقناع الدولة أن الجماعة تعلمت من المراحل التي مرت بها، وانها تريد ان تراجع تجاربها، لكن تعاقب استخدام ذات الاسلوب يزيد قناعة أصحاب القرار بما تبنوا من مسار خلال العقد الأخير.