العولمة هي ظاهرة نعيشها اليوم بشكل طبيعي جدا, فقد اعتدنا على شراء منتجات من دول أخرى, أو معرفة الأخبار الهامة حال حدوثها في الجانب الاخر من هذا الكوكب. و لكن لم تكن الأمور هكذا دائما, فقد كانت المحيطات حواجز لا يمكن عبورها, والشعوب, حتى أكثرهم علما, يجهلون وجود العديد من الأراضي و من يسكنها. كل هذا بدأ بالتغير منذ خمسمئة سنة من اليوم.

ففي 20 أيلول من عام 1519, غادرت من ميناء سان لوكار دي باراميدا (في جنوب اسبانيا) خمس سفن على متنها مئتين و خمسة و ثلاثون رجلا بهدف الإبحار غربا و ايجاد طريق يسمح المرور بمحاذاة القارة الإفريقية المكتشفة حديثا» للوصول إلى جزر الملوك أو جزيرة التوابل في أندونيسيا الحالية. كانت التوابل, والتي تعد حاليا» منتجات شائعة الاستخدام, في ذلك الوقت سلعة قيمة مثل الذهب. بعد ثلاث سنوات وبالتحديد في السادس من أيلول من عام 1522 عادت سفينة واحدة على متنها ثمانية عشر رجلا, أبحرت من الشرق الى ميناء سان لوكار الذي غادروا منه,?لقد أتموا لأول مرة الدوران حول العالم!

في هذه الرحلة اكتشفت البعثة التي يقودها فيرناندو دي ماغايانيس (ماجلان) وهو بحار برتغالي عامل في البلاط الملكي الأسباني ممرابحريا في الطرف الجنوبي للقارة الأميركية, بالقرب من القطب الجنوبي, و الذي يحمل اسمه منذ ذلك الوقت. وقد مكنهم هذا الممر من الوصول الى محيط اسموه بالمحيط الهادي نظرا لهدوئه مقارنة بالمحيط الأطلسي الذي تركوه وراءهم.

في تلك الرحلة عانت البعثة الكثير, حيث مكثوا في البحر أكثر من ثلاثة أشهر دون الوصول الى اليابسة (وبالتالي لم يتمكنوا من تأمين المياه العذبة للشرب أو الطعام) مبحرين باتجاه المجهول الذي لم يصله أي أوروبي قط. لم تتوقف معاناة البحارة حيث واجهوا صنوفا عديدة منها النقص الشديد في المؤونة ووقوع العديد من الضحايا, بما فيهم ماجلان نفسه الذي توفي في احدى الجزر التابعة للفلبين (الأرخبيل الذي تم تسميته بعد عدة سنوات باسم الملك الأسباني فيليبي الثاني).

بعد الوصول الى جزر البهارات وهي الوجهة المراد الوصول اليها، قرر البحار الاسباني خوان سيباستيان إلكانو، والذي كان قائدا» لإحدى السفينيتن المتبقيتين في ذلك الوقت, مواصلة الإبحار غربا» بمحاذاة القارة الإفريقية بدلا» من العودة من الطريق الذي انطلق منه, و بهذه الطريقة اتمت سفينة الكانو (ناو فيكتوريا) دورانها حول العالم.

لقد اثبتت هذه الحملة بالدليل القاطع كروية الأرض والتي كانت سابقا مجرد فرضية, بعدها توالت الحملات والتي يعود لها الفضل في رسم الخرائط وتحديد مساحات الأراضي المكتشفة وبالتالي التعرف بشكل افضل على كوكب الأرض. بعدها بسنوات قامت اسبانيا بانشاء اول مسار بحري يربط بين ثلاث قارات: اسيا واميريكا واوروبا من خلال ما يسمى (جاليون مانيلا) والذي يربط الفلبين مع اسبانيا مرورا بالمكسيك. سمحت هذه الممرات بتسهيل عمليات التبادل التجاري ونقل الأشخاص بل وتبادل الثقافات والأفكار ما بين مختلف القارات وفتحت الباب امام ظاهرة ما اص?حنا نسميه اليوم بالعولمة.

كانت الحملة الاستكشافية مثالا واضحا على العولمة, وبالرغم من ان الحملة كانت اسبانية, إلا أن طاقمها كان مكونا من تسع جنسيات من دول مختلفة: اسبانيا, البرتغال, ايطاليا, اليونان, فرنسا, انجلترا, ايرلندا, بلجيكا و ماليزيا. وقد تمكن اولئك الرجال وبالرغم من عدم وجود لغة واحدة بينهم من التفاهم والعمل بشكل جماعي والتعايش في ظروف في غاية الصعوبة وضمن مساحات السفينة الضيقة.

على المدى البعيد, ساهمت اكتشافات ماجلان و إلكانو في خلق عالم اكثر تلاصقا وادت الى تقليل المناطق المعزولة وسهلت حركة الأشخاص والبضائع والأفكار في عالم اصبح متعدد الثقافات والأعراق والأقطاب, إنه عالم العولمة.

بصفتي سفيرة اسبانيا في الأردن, لم أرد تفويت الفرصة لكي اوصل للجمهور الأردني ذكرى ما يعتبره الكثير من المؤرخين أعظم إنجاز للملاحة على مر العصور. وكأن التاريخ يريد أن يغمز لنا في هذا العام عن مصادفة هذه الذكرى مع الذكرى السنوية الخمسين لوصول الرجل الى القمر. لقد أراد القدر أن يوحد هذين الحدثين العظيمين في تقويم فلكي واحد. في كلتا الحالتين, أراد الإنسان الذهاب لما هو أبعد, مثلما طبع على درع إسبانيا Plus Ultra وهي عبارة باللاتين تعني خارج النطاق.

سفيرة مملكة اسبانيا في الأردن