كتب المحرر السياسي:

قيام «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» الجزائرية بتوزيع استمارات جمع «التزكِيات» للراغبين في الترشح للاقتراع الرئاسي، يُؤشر ضمن أمور اخرى, ان الماراثون الرئاسي للوصول الى قصر» المرادية» (قصر رئاسة الجمهورية) قد انطلق, بعد ان حدّد رئيس الدولة المؤقت عبدالقادر بن صالح يوم الثاني عشر من كانون الاول المُقبل، مَوعداً لانتخاب رئيس الجمهورية.

ما عنى ايضاً، إذا لم تحدُث مفاجأت في اللحظة الاخيرة، أن مطالب الحِراك الشعبي بمرحلة انتقالية ومحاكمة رموز حقبة بوتفليقة قبل انتخاب رئيس للجمهورية قد تراجَعت, ولم يأخذها الرجل القوي قائد الجيش الجنرال قايد صالح (كما المؤسسة العسكرية) في الاعتبار، بعد ان شرحَ كثيراً وطويلاً مَخاطر الفراغ الرئاسي وعدم وجود رئيس شرعي مُنتخَب, يأخذ على عاتقه بما هو مُفوّض من الشعب، مهمة اتخاذ قرارات واجراءات تُخرِج البلاد من أزماتها المُتدحرِجة والمتواصلة منذ شباط الماضي, والتي باتت تُهدد بانزلاق البلاد الى حال من الفوضى, وربما?تمكين خلايا المجموعات الإرهابية النائِمة, داخل الجزائر وتلك التي تتحرّك في دول الجِوار والصحراء الكبرى, من التسلّل الى البلاد والقيام بأعمال إرهابية تُعيد الجميع الى العشرية السوداء ومآسيها. وهو ما كان حذّر منه ولفتَ اليه قائد الجيش الجنرال صالح, الذي ألمح الى إحباط مؤامرات وصف بعضها بأنها إنقلابية, مُؤشراً الى دور «ما» للعصابة (وهو تعبير بات لصيقاً ببطانة الرئيس المُتنحي بوتفليقة) وإشارات اخرى لمجموعات ارهابية.

صحيح ان أحزاباً علمانية ويسارية, ما تزال تُواصِل انتقادها لخيار تنظيم الانتخابات الرئاسية, وبخاصة تلك المنضوية تحت راية ما يوصَف «قوى البديل الديمقراطي», التي يُواظِب ايضاً التمسّك بمطلب المرحلة الانتقالية والغاء العمل بالدستور. إلاّ انه صحيح ايضاً انها تجد نفسها في وضع لا تُحسَد عليه, ما عكَسه عدم إعلانها موقفاً رسمياً ونهائياً من انتخابات الثاني عشر من كانون الاول الوشيك، على عكسِ قوى واحزاب وشخصيات سياسية وازِنة, أعلنت موافقتها وترحيبها ومشاركتها في المعركة الانتخابية. ومنها مَن قام بِسحب استمارات «جمع ?لتزكيات» مثل رئيس الحكومة الاسبق علي بن فليس رئيس حزب «طلائع الحريات», حيث يراه كثيرون انه أبرز مُعارض لسلطة بوتفليقة, والمنتقِد الدائم لرموز مرحلته, الذين ما يزال بعضهم يُمسك بزمام الأمور كقائد الجيش ورئيس البرلمان(رئيس الدولة الحالي بن صالح), الذي خوّله الدستور ملء الشاغر الدستوري الذي نشأ عن تنحّي استقالة رئيس الجمهورية.

حزب بن فليس (طلائع الحريات) كما احزاب أُخرى لم تعلِن موقفها النهائي من انتخابات الرئاسة المقترَحة, وإن كان معظمها (باستثناء قوى البديل الديمقراطي) توحي بأنها موافِقة على موعد 12/ 12 الرئاسي, مثل حركة مُجتمع السِلم والتي تُعتبر اكبر حزب إسلامي في الجزائر, كذلك حركة البناء الوطني (اسلامية الاتجاه ايضاَ) التي اعلنَت مُشاركتها الرسمية, مثلها مثل حركة البناء التي يرأسها رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) سليمان شنين, الذي أعلن دعمه وتأييده مقترح الجنرال قايد صالح إجراء انتخابات رئاسية في الثاني عشر من كانون ?لاول المقبل.

ثمة من ذهب بعيداً في توصيف قرار قائد الجيش تنظيم انتخابات رئاسية قبل نهاية العام الجاري, بأنها انتخابات الأمر الواقع وان الجيش فرضَ أجندته, وغيرها من الاوصاف والتحليلات التي تدغدغ عواطف الشارع وفي الوقت ذاته تقوم بالتشكيك في نزاهة انتخابات كهذه, وتُواصل الاصرار على تنحية رموز حقبة بوتفليقة وتطالِب بأن تكون محاكمات مَن هم قيد المحاكَمة, من رموز تلك المرحلة الذين باتوا خلف القضبان, مُحاكمة علنِية تُبثّ على الهواء, وهي دعوات بدأت لا تجِد من يَدعمها بين صفوف الحراك والقوى السياسية والحزبية, التي بدأت تستشعِر خ?را في حال المراوَحة التي تعيشها البلاد, وارتفاع منسوب القلق في نفاد رصيد البلاد من العملة الأجنبية وبدء اختفاء سلع أساسية, مع ارتفاع اسعارها وانتشار الفقر والبطالة وارتفاع نِسب التضخّم, ناهيك عن تراجُع الخدمات والعجز في الموازنة.

الاسبوع الجاري – وربما الذي يليه- سيكون حاسماُ, لجهة معرفة القوى والاحزاب التي تُؤيد قرار الذهاب الى الانتخابات الرئاسية. وبخاصة في معرفة الشخصيات التي ستخوض الماراثون الرئاسي, وايضا في تأكيد رئيس الدولة كما قائد الجيش, على عدم التدخّل في العملية الانتخابية وتوفير كل اسباب النجاح لها, مع مَنح الصلاحيات الكاملة للسلطة الوطنية المُستقلة للانتخاب, بما هي مؤسسة مُستقلة تبرز لأول مرة في المشهد الجزائري, الذي استجدّ منذ اندلاع احتجاجات شباط الماضي.