عمان - محمد جميل خضر

«أقامَ بناءَها الملكُ الشّهيدُ

فباركتِ العُقود بِهِ العُقودُ

وقد كانت لِكُلّ العُرْبِ داراً

وليس لغيرِهِمْ فيها وجودُ».

في مغناة «هنا رغدان» التي كتب كلماتها الشاعر حيدر محمود ولحّنها الموسيقيّ د.محمد واصف، وقُدمت للمرة الأولى في افتتاح مهرجان جرش 2019 بأصوات شابّة تتحفز توقداً وعطاء، تتجلى عناصر الجودة من أركانها جميعها.

فعلى امتداد مسيرته الشعرية المحتفية بالأردن وقيادته الهاشمية، أولى صاحب «عباءات الفرح الأخضر» اهتمامه على الفعل كبؤرة والأشخاص كرموز، دون أن ينسى عشقه لعمّان عاصمةً ومحطةً كبرى في مسيرة الثورة العربية الكبرى، ودون أن يغفل عشقه للأردن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. على أن عمّان شكّلت سهم وجدانه الأبهى، ولها ومنها وفي ربوعها حبّرَ أجمل الأشعار. وربما يكون في «أرخت عمّان جدائلها فوق الكتفين/ فاهتزّ المجد وقبّلها بين العينين/ باركْ يا مجدُ منازلها والأحبابا/ وازرع بالورد مداخلها باباً» التي لحّنها جميل العاص وغنتها نجاة الصغيرة، خير شاهد على هذا الهيام بمدينة الصبا وأدراج الطفولة.

ومنذ بواكيره، حدّد محمود مفردات شجنه، ومواقيت نبضه فوق بياض الورق. إنها مواقيت الأردن الهاشميّ قولاً واحداً، بتماسكٍ منهجيٍّ لم يحِد عنه، ولا حتى عام 1989، عندما انفجر الغضب بركانَ هبّة شعبية عفوية صادحة، فهو حين خاطب مصطفى وهبي التل (عرار)، ناداه مرّة (أبو وصفي)، وفي أخرى (يا خال عمّار)، مشيراً إلى أخوّة ممهورة بالدم بين شطري النهر وأركان الفؤاد، فالصعاليك الذين أعلى حيدر محمود نشيدَهم مطالع نيسان من ذلك العام، هم عماد الوطن، وأحباب عمّان، وجيران رغدان. وهم الذين حقّق لهم الملك الباني بعدها بأشهر قليلة مطالبهم، والذين أسّست هبّتهم لعودة الحياة النيابية الديمقراطية.

«هنا رغدان «عَبْدُاللهِ» فيهِ

يُبارِكُ ما يقومُ بِهِ «الحَفيدُ»

ويَشْهَدُ أَنَّهُ كفّى، وَوَفّى

لأجلِ «القُدسِ».. وَهْوَ لها العَميدُ

وآلُ البيتِ منذورونَ دَوْماً

لها.. والقُدسُ تَطْلُبُ ما تُريدُ

أعزُّ مدائنِ الدُّنيا عليهم

وهم شُهداؤُها، وهُمُ الشُّهودُ».

يصعد المكان هنا من كونه دار حُكم ومداميك حجارة، إلى معراجٍ وفيٍّ للقدس، وإلى إرث يبارك الجد في سياقاته منجز الحفيد. إنه «مركز التأسيس للحكم الهاشمي منذ الملك المؤسس الذي استشهد عند أبواب الأقصى، وصولاً إلى عبدالله الثاني ابن الحسين، وبينهما صانع أول دستور راقٍ الملك طلال، ثم الحسين الباني طيب الله ثراه» يقول الشاعر حيدر محمود في اتصال أجرته $ معه.

إنها وفقاً لتعبيره «رحلة عشق بدأت منذ بواكير الصبا، ولا تنتهي عند زمن محدد، بل تدخل في المطلق، حيث لا زمان ولا مكان، وتصبح الأشياء مجرّدة، والبانوراما فيها أشمل وأوسع وأرحب من الأمكنة والأزمنة».

وعن العلاقة الجدلية بين «أرخت عمّان جدائلها» و«هنا رغدان» يقول: «كلاهما يصبّ في الآخر، مرحلة حب أولى تنتهي بالحكمة والتأمّل الوجداني الوجودي. نوع من الفلسفة». وبسؤاله عن أيّ فلسفة يتحدث، يوضح صاحب «شجر الدفلى على النهر يغنّي» أن: «فلسفة حكم الهاشميين تقوم على أركان ثلاثة: الحفاظ على الإرث النبوي المصطفوي (المشروعية التاريخية الدينية). والاستناد إلى مبادئ الثورة العربية الكبرى التي يفديها الشعب بروحه وهو بالتالي يستحق قيادة تحدب عليه (تبادل الاحترام بين الشعب والقيادة). والحفاظ على الرسالة المحمدية، فمن غير أحفاد الرسول يتحمل مسؤوليات رسالة الرسول؟».

ويؤكد محمود أن هذا التلاحم وهذا النسب «يؤدي بالنتيجة إلى الحفاظ على المقدسات. وهو حفاظ يتحوّل هنا إلى عنوان وجود وإلى قدر إلهي لا يمكن أن يناقش أحد حول حتميته وجوهريته». ويصل إلى خلاصة مفادها أن رغدان يصبح وفق ما تقدّم: «المكان الذي يقوم عليه التوقيت الأردنيُّ الرسميُّ والشعبيُّ في آنٍ معاً.. ففي حين يتبع العالم توقيت غرينتش، فإننا نتبع توقيتاً واحداً تبدأ شرعيته من رغدان».

وعن «خيمة ظليلة» يتحدث محمود، «أصلها ثابت وفرعها في السماء».. عن قصيدة تغازل «بيت الحكم الهاشمي بمشروعياته الثلاث، بربط الماضي الجميل الجليل بالحاضر الزاهر، وصولاً إلى الغد المشرق حتماً، فالمقدمات تؤكد النتائج، والشهادة والأضحيات والإنسان أغلى ما نملك، والفقر النبيل. كل هذا وذاك يجعل النهر عاملاً مشتركاً، حيث دم الشهداء منذ الخلق قضوا جميعهم في سبيل القدس، كبار الصحابة، وحتى إنْ أردت أن تصل للسماء فلا بد أن تمرّ بداية من القدس».

لا ينسى الشاعر الذي غنّت قصائدَه مطربات عربيات حلّقن في سماء الفن -فايزة أحمد (ليلة قرشية)، ونجاة الصغيرة (أرخت عمّان جدائلها)، وماجدة الرومي (قلبي لغير هوى الأردن ما خفقا)، ونهاد فتوح (أهداب حبيبي)- أن يشيد باللحن الذي قدّمه الموسيقي د.محمد واصف لمغناة «هنا رغدان»، رائياً أنه لحنٌ تَمثّل قيم القصيدة ودلالاتها وأبعادها الوطنية والتأريخية والجمالية.

هذا التمثّل سبق أن وصفه مدير مهرجان جرش أيمن سماوي بـ «التحدي» الذي قَبِلَ به ومنحه الفرصة اللائقة ليكون أمام الجمهور. وهو يفصّل هذا التحدي بعناوين ثلاثة: كونها الدورة الأولى له مديراًَ للمهرجان، وكون المغنّاة ستقدَّم في افتتاح المهرجان وسط حضور عربي ودولي لافت، وكون الموسيقي محمد واصف اختار أن يخوض هذا التحدي بأصوات شابّة.

لكن سماوي يستدرك، فهو بما يملكه من معطيات ومعلومات كابن معتق للساحة الفنية المحلية، يعرف القماشة التي قبلَ بها التحدي: «أعرف إمكانيات صوت كلّ من نتالي سمعان ويزن الصباغ. وأعرف قدرات محمد واصف الموسيقية والتلحينية، وقدرته على إدارة مفردات التحدي قائداً لكورال الجامعة الأردنية لسنين ممتدة قبل أن ينتقل لمواقع موسيقية أخرى، إضافة لما أنجزه على صعيد فن الأوبريت».

سماوي يشير هنا إلى موقف حدث معه وهو يحضر حفل الافتتاح وإلى جواره وزراء وسفراء ومديرو مهرجانات عربية ودولية، عندما اقترب منه وزير السياحة وسأله: هل هؤلاء الشباب من الأردن؟

سماوي لا يرى تعارضاً بين اختيار لحن طربي وبين تقديم أغنية وطنية: «المهم أن تسمع لحناً جميلاً بجمل موسيقية عذبة سلسة التنقل بين مكان من أمكنة المغناة إلى آخر باحترافية عالية». ثم يختم بالقول: «علينا أن نعترف أن محمد واصف قدم لحناً جميلاً وأصيلاً لمغناة جميلة وأصيلة».

هذا الرأي يتفق مع رأي أستاذ الموسيقى في كلية فنون وتصميم الجامعة الأردنية د.صبحي الشرقاوي: «عمل راقٍ بمختلف تفاصيله؛ بدءاً من الكلمة وانتهاء بآخر نغمة موسيقية صاغها المؤلف والملحن د.محمد واصف، مروراً بالأصوات الرائعة والمعبّرة بحس مرهف عن مضمون العمل وما يرمز إليه. كلمات صيغت بحب وانتماء، ثم وُضعت بين يديّ صانع محترف على صعيد معالجة الكلمة درامياً وحسياً، أدّاها صوتان واعدان رزينان مثقفان، لتأتي النتيجة تحفة شعرية موسيقية».

من جهتهما، يؤكد يزن الصباغ ونتالي سمعان، على ابتهاجهما الاستثنائي بالفرصة التي وفّرها لهما واصف. يقول يزن: «إنها «المرّة الأولى التي أقف فيها على مسارح جرش». وتقول نتالي إن «شعوراً عظيماً بالمسؤولية» ملأ جوانحها. وفي أدائهما ثمة امتزاج عذب لشعورين اثنين اجتمعا داخل وجدانهما: الرهبة والفرح. التحدي والثقة بمن اختارهما. ويستشهد يزن بصحفي من رام الله قال له: «فلسطين كلها تتحدث عن طلّتك في جرش». أما نتالي فتصف اللحن قائلة: «من أجمل الألحان التي غنيتها». ثم يستعيدان بإحساس عميق مقاطع من «هنا رغدان»:

«و«عبدُاللهِ» ثانيةً يعود

لِيُكمِلَ ما بناهُ لنا الجُدودُ

فبوركَ ما بنيتَ، وما ستَبْني

وبوركت السواعدُ، والزنودُ

وأنت القائدُ الموثوقُ دوماً

وكلُّ الأردنيينَ الجنودُ

وحَسْبُكَ، يا عميدَ أعزّ بيتِ

بأنّك فارسُ القُدسِ الوحيدُ

وحارسُها الأمينُ، وليس يرْضى

بغيرِكُم الأشقاءُ الأسودُ

ولولاكم، لما كان التحدّي

ولولاكم، لما كان الصمودُ».