أبواب - د. عامر العورتاني أخصائي علم الاجتماع

يعرّف السلوك الإنساني عامة بأنه أي نشاط

يصدر من الإنسان ، سواء كان فعلا يمكن ملاحظته وقياسه كالنشاط الحركي، أو غير ملحوظ كالتفكير والتذكر، ويعبر عنه الفرد من خلال علاقاته بمن حوله ولاشك أن الخريطة الوراثية لكل فرد ترتبط به ارتباطا وثيقا .

السلوك الإنساني ليس بالأمر العفوي فهو يخضع لنظام معين لذا فإنه يمكن التنبؤ به بناء على معرفتنا بالظروف المادية والاجتماعية السابقة والحالية للفرد، وان كان هذا الأمر لا يتم بصورة دقيقة أحيانا ، كما أن السلوك الإنساني يتسم بقابليته للضبط في ميدان تعديل السلوك، ويتم ذلك من خلال إعادة تنظيم الأحداث المحيطة ببيئة الفرد على نحو ايجابي، ويعمل العلماء المختصون على قياس السلوك الإنساني رغم تعقيده بسبب وجود جزء غير ظاهر ولا يمكن قياسه بشكل مباشر، والجلي هنا أننا نتحدث عن السلوك الإنساني اليومي لحياة الفرد.

إلاّ أن هناك سلوكا يصدر عن الإنسان في أوقات محددة مخالفا في غالبيته ما ذكر آنفا من خصائص السلوك الإنساني أنه السلوك الجمعي فهو » سلوك غير منظم ينشأ تلقائيا، ولا تكون له خطة تحكم مساره مما يجعل التنبؤ بتطوراته صعبا، وهو يعتمد بشكل كبير على التأثير المتبادل بين الأفراد المشاركين فيه».

وهناك عدد من الظواهر التي تمثل هذا الصنف من السلوك مثل الذعر والذي يظهر في هروب أو اندفاع جمع من الناس لاعتقادهم بأن خطرا ما يداهمهم وما جعل هذا السلوك جمعيا وغير منضبط ليس السعي لحماية النفس من الخطر، وإنما الاستجابة الناتجة عن العدوى الانفعالية هي ما جعلت هذا السلوك لا عقلانيا.

ومن مظاهر السلوك الجمعي كذلك الرأي العام، ويتمثل في الرأي السائد بين أفراد مجتمع معين، كما تعتبر الحركات الاجتماعية من مظاهر السلوك الجمعي ويتمثل ذلك بتجمع عدد من الأفراد بشكل دائم لمحاولة إحداث تغيير اجتماعي معين، أما الثورة فتمثل مظهرا للسلوك الجمعي يعمل على إحداث تغيير كامل ومفاجئ في نظام اجتماعي ما، وهي تتسم بالعنف غالبا.

وللسلوك الجمعي نوعان أساسيان، أولهما الجموع المحتشدة وتعرف بأنها مجموعة من الناس التي تشترك في الاهتمام في قضية ما، وغالبا ما تكون الجموع عرضية لا يعرف أعضاؤها بعضهم بعضا إلا نادرا وتفتقر للتنظيم في اغلب الأحيان، وقد ينقلب هذا النوع إلى النوع الثاني للسلوك الجمعي في ظل الأجواء التي يسودها القلق والتوتر، حيث تنقلب الجموع إلى ما يعرف بالجموع الفاعلة أو الغوغاء ويمكن تمييزها من خلال استهدافها القيام بأعمال عدوانية من نهب وتخريب.

ووفق نظرية العدوى لغوستاف لوبون فان هناك عددا من العمليات النفسية التي تفعل فعلها عند تشكل الجمع فتؤثر على سلوك الفرد فيها، وأول هذه العمليات هي الإيحاء حيث تفتقر الجموع في الأغلب إلى عنصر القيادة مما يجعلها تلجأ إلى التصرف وفق ما يوحى إليها به.

وهنا يكون دور الوعي ضروريا جدا، حيث تتراجع الشخصية الواعية عن الانخراط في السلوك الجمعي، في حين يتولى اللاوعي الجمعي توجيه سلوك من يفتقرون للوعي لا سيما وأن الإشاعات تشكل مادة دسمة في ظل هيمنة أجواء الاحتقان والتوتر والغموض، وذلك بسبب الاعتماد على تناقل الأخبار غير المؤكدة والمتلونة بالعاطفة، وذلك في ظل غياب المصادر الموثوقة للمعلومات.

العملية الثانية تتمثل بالعدوى الاجتماعية والتي يؤثر فيها الأفراد على بعضهم البعض أثناء وجودهم في الجماعة مما يؤدي إلى تصاعد حدة الانفعالات وبالمقابل تصاعد سرعة الاستجابة، فالحاجة إلى تفريغ الانفعالات بالاتجاه الذي يوحى به، تهيمن على الموقف لا سيما إذا ما اتسق ذلك الاتجاه مع دوافع الجماعة وهو ما يطلق عليه اسم استقطاب المجموعة، حيث يشكل الآخرون خريطة طريق فيما يجب القيام به وما لا ينبغي القيام به.

أما العملية الثالثة فتتمثل باللاشخصية في التعامل، ويتمثل خطر هذه العملية في حالات وقوع الشغب بين جماعتين متعاديتين، فنجد الجموع تتعامل مع كل فرد من أفراد الطرف الآخر وكأنهم جميعا سيئون دون تمييز، وهذا ما يجعل الكثير من الأبرياء يقعون ضحايا لمثل هذه المواقف.

ويصبح الخطر أكثر وضوحا في العملية النفسية الرابعة والتي تتمثل في مجهولية الاسم، ذلك أن نزوع الجماعة إلى القيام بأعمال يطغى عليها طابع التخريب أو التنكيل والعنف يرد لاختفاء هوية الفرد الشخصية داخل الجماعة، والمثير للخوف أنه كلما حال الموقف الجماعي دون ظهور الهوية الفردية زادت أعمال الجموع تطرفا فكل فرد في الجمع لا ينظر للآخر كشخص مستقل مما يؤدي إلى فك القيود الخلقية أو الدينية أو العرفية، ويزيح المسؤولية الأدبية عن كاهل الفرد ويلقي بها على كاهل الجماعة التي يقف في صفها، مما يؤدي إلى قيام الأفراد من كلا الطرفين بأفعال تخالف معاييرهم الخاصة أثناء وجودهم في الجموع، وهو ما نزع العلماء إلى تسميته ب (اللاتفرد)، وهي ما تؤدي إلى إضعاف الضوابط بل إنها تمثل حالة ذاتية يفقد فيها البشر الوعي بالذات، الأمر الناتج عن الميل للجماعة وأهدافها مما يؤدي إلى تقلص القدرة على التفكير العقلاني، أو ضعف الضوابط السلوكية.

النظرية الثانية التي بحثت في السلوك الجمعي، سميت بنظرية «التقارب «فسلوك الجموع ينشأ وفق هذه النظرية عن التقاء عدد من الناس ممن يتشابهون في الحاجات والأهداف والدوافع.

والحقيقة أن عالما مثل دوركهايم رأى أن «العدوى الانفعالية المنضبطة «في حالات الجمع المسالم يمكن أن تؤدي وظيفة اجتماعية مفيدة، مما يتيح الفرصة للجماهير للتنفيس عن انفعالاتها وهو ما لا تتمكن منه في الظروف الاعتيادية مما يعزز تماسك الجماعة كما في حالات الحج والعبادات الجماعية.

أما النظرية الثالثة فهي نظرية المعايير المنبثقة ويقلل أصحاب هذه النظرية من أهمية العوامل اللاشعورية في سلوك الجموع والتي أكدت عليها نظرية العدوى، إذ تتوجه هذه النظرية إلى تفسير ما يحدث من نزوع الجموع إلى ممارسة أفعال الشغب والعنف والتخريب لا يرتبط بالعشوائية واللاتفرد الذاتي، وإنما هي ناتجة عما تعانيه جماعة ما وإدراكها للظلم الواقع عليها، فتفعل العدوى الاجتماعية فعلها، مؤججة الحماس الذي يقود إلى نشوء معايير تبرر سلوك الجمع وتحدد مساره.

وهناك المتقبلون للإيحاء وهم سريعو التأثر بالقيادة ولا يحتاجون سوى لدفعة صغيرة ليقتفوا أثر قدوتهم ولا يكونون المبادرين في الغالب، كما أن الأشخاص الحذرون يمكن أن يكونوا ضمن الجموع ويمثلون الفئة التي ترغب فعلا بالقيام بالسلوك التخريبي ولكنهم لا يحبذون أن يكونوا المبادرين خوفا من العقوبة القانونية، وبمجرد أن تزاح العوائق من أمامهم تراهم يسارعون للمشاركة في أعمال التخريب.

وهناك المنساقون الذين يسهل إقناعهم بالانخراط في سلوك معين عندما يجدون عددا من الناس ينخرطون فيه، ذلك أنهم يعتقدون حدسيا، أنه إذا قام أشخاص آخرون بأمر ما، فهذا يعني أنه صحيح ولا بأس إذا ما قاموا به هم أيضا، أما المشجعون فهم فئة لا يمكن أن تسوقها الجموع معها ولكنها في ذات الوقت لا تعارض ما تقوم به الجموع وتتخذ موقف المتفرج، وأخيرا يمكن أن نجد بين الجموع أناس تتعارض قيمهم مع ممارسات جمهور الشغب كما أنهم لا يقرون أفعالهم.