كتب محرر الشؤون المحلية

دخل إضراب نقابة المعلمين أسبوعه الثالث، ولا يبدو في الأفق ما يؤشر على أن هذه الأزمة في طريقها للحل، أو أن أفقا إيجابيا في الطريق، والسبب في ذلك أن الحوار بين الجانبين دخل مرحلة الاستعصاء ولهذا أسبابه وأثمانه أيضا.

طوال مراحل الأزمة كان كل من الحكومة و«المعلمين» يعلن ويؤكد دعوته وحرصه على فتح باب الحوار، لكن في كل مرة كان الحوار ينتهي دون جدوى أو حتى خطوة ولو صغيرة ليؤسس لاستمراره وتطوره ووصوله، بالتالي، إلى تفاهمات مشتركة وتسويات مقبولة من الطرفين.

وفي الجولتين الأخريين للحوار في دار وزارة التربية والتعليم جلس الجانبان حول الطاولة، وفي المرة الأولى حضر جانبا من ذلك الحوار رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز ولم يحضر نائب نقيب المعلمين، والكل حينها تحدث بإيجابية عن تلك الجولة.

اليوم التالي انعقدت الجولة الثانية، بحضور مجموعة وزراء من جانب الحكومة، ومجموعة أعضاء من مجلس نقابة المعلمين، وغاب نائب النقيب للمرة الثانية، وفي هذه المرة أيضا خرجت التصريحات ومن أطلقوها يبدون قدرا من التفاؤل والإيجابية لكن على ما يبدو كانت التصريحات تبالغ في تقدير الموقف وحجم الاستعصاء والمراوحة في ذات المكان.

تكشف نتيجة تلك الجولات وما سبقها من جولات بادرت إليها لجنة التربية في مجلس النواب، ان مفهوم الحوار غير واضح أو لا يراد له أن يسير وفق شروطه، أي شروط الحوار، لأن أبسط قواعد الحوار هو أن يجلس من يريدون التحاور للوصول إلى تسويات والوصول إلى هذه التسويات يتطلب قدراً من التنازلات، فليس من المنطق أن الطرفين يجلسان ويريد طرف واحد أن يفرض على الآخر ما يريد، دون أن يأخذ ظروف الطرف الاخر بالاعتبار.

وبشكل أكثر وضوحا، جاءت نقابة المعلمين إلى الحوار وعندها مطلب واحد فقط، وهو علاوة الـ 50%، وليس لديها مطلب سواه، ولم تضع على الطاولة غيره، وجاءت الحكومة بتصورات متعددة وحلول متنوعة يؤسس لها من العام المقبل تأخذ مجمل مطالب المعلمين بالاعتبار.

كان الأصل أن يبدأ الحوار حول القضية برمتها؛ مطلب المعلمين الأوحد، ومقترحات الحكومة، لكن الحوار انتهى منذ اللحظة الأولى رغم الساعات الطويلة التي مرت عليه.

والسبب أن المعلمين أصروا منذ اللحظة الأولى على مطلب الـ 50% ولم يخضعوه للنقاش والحوار، فجاء سؤال فريق الحكومة لهم.. ولم الحوار وعلى ماذا إذا كنتم لا تريدون إخضاع مطلبكم ومقترحاتنا للحوار والنقاش؟

الحكومة، كما اغلبية من يهتمون بشأن المعلمين، يقدرون الواقع المعيشي لهذه الشريحة، وهو عمليا واقع ينسحب على كل من يعملون في القطاع العام، وحتى الخاص، فالظروف المعيشية صعبة ومعقدة، تماما كما مالية الدولة تعاني وضعا صعبا ومعقدا، جراء أسباب داخلية وخارجية وحصار وتضييق يستهدف جوانب سياسية تتعلق بقضايا إقليمية يراد للأردن أن يقدم تنازلات بشأنها.

هذه مسألة كان يجب أن تضعها نقابة المعلمين بحسابها وهي تطلب وتصر على مطلبها، وكان قد أتيح أمامها أن تنتزع شيئا من الحوار وتعود بمكسب يبدأ عند نقطة معينة ويتدرج مع الوقت إلى أن يصل إلى أعلى نقطة مرضية وممكنة، لكن ضاعت الفرصة وتعقدت الحالة في ما يشير إلى إشكالية سياسية في التقاط الواقع والفرص المتاحة.

اليوم، لا مالية الدولة بمقدورها تلبية مطالب المعلمين، ولا حملة المطلوب يدركون ويقبلون بتسوية وتفاهمات حوله، وليس من مصلحة أي طرف أن يضع في حسبانه أن يكسر الطرف الآخر، فكسر أي طرف كسر للوطن كله، لذلك كان الحوار يستهدف معادلة (رابح رابح) بالقدر المعقول، ولهذا جاءت الحكومة بمقترحات وحلول علها تستطيع أن تخرج الوطن من الأزمة.

وإذا كان الاستعصاء سيستمر لاسبوع ثالث وربما رابع، فان طرفا الآن يدفع ثمنا كبيرا وباهظا، وهذا الطرف المتمثل بالطلاب وأولياء الأمور مهما حاولت المبادرات المجتمعية تعويضهم ومساعدتهم في تلقي دروسهم إلى أن ينتهي «الحوار» إلى نتيجة، فهي لن تستطيع ردم الهوة الزمنية المتسعة في السنة التعليمية.

هذا الواقع أخذ يشكل معضلة ويؤدي إلى إزعاج للطلبة وأولياء أمورهم، وحال استمر طويلا، وبلا أفق، ربما يؤدي إلى ردود أفعال سلبية تدخل المجتمع برمته في حالة اشتباك محصلتها النهائية الإضرار بمصلحة الطلاب.

إن المسؤولية الوطنية والأدبية قبل القانونية، تفرض على كل الأطراف تقديم تنازلات والقبول بتسويات وتفاهمات، تأخذ مصلحة الطلاب ومصلحة المعلم وواقع الدولة المالي والاقتصادي، وأن طريق الحوار لا يكون بأن يفرض طرف رغبته كاملة على الطرف الآخر، فهذا ليس بحوار وإنما عملية إملاء لا تأخذ أي حيثيات أو ظروف باعتبارها، فالمسألة ليست «أنا ومن خلفي الطوفان.

في الساعات المقبلة هناك فرصة لحوار منطقي وموضوعي ينهي الأزمة عبر صيغة توافقية قابلة للتطبيق ترضي، بحد معقول، كل الأطراف، ترضيهم وتراعي ظروفهم وواقعهم، وأن يوضع مطلب المعلمين ومقترحات الحكومة في سلة واحدة ويتم الحوار حولها كمجموعة خيارات قابلة للنقاش، بلا تمترس أو إملاء..