د. نعمان أبو عيشة •

بوفاة «توني موريسون»، أيقونة الرواية «الأفرو أميركية» في 5 آب 2019، طُويت صفحة مهمة في تاريخ الرواية الأميركية، إذ تعدّ هذه الأديبة من أبرز مَن كتبوا الرواية الأميركية المتخصصة في مفهوم العنصرية، حين جعلت شخصية الإنسان الأسود بطلاً لرواياتها، على غير ما اعتادت عليه الرواية الأميركية، بل وجعلت من الحديث عن السود ممكناً أيضاً، بحيث غدت أعمالها مرجعاً مهماً لمن يريد أن يبحث في تاريخ أصحاب البشرة السوداء ومعاناتهم.

كانت موريسون تؤكد مراراً أن الحديث عن الكره في الكتابة إنما هو نشوز لغوي، بل وأخلاقي أيضاً يتوجب مكافحته بكل الطرق لدى الكتّاب الجدد والقدامى على حد سواء، ممن كتبوا في موضوع الرق فحاولوا اتباع هذا المسلك، فمنهم ممن منع نشر إنتاج السود منذ بداية القرن العشرين، حيث كان الرقيب من أفظع ما أنتجه المجتمع الأميركي، وحذت حذوه المجتمعاتُ الأوروبية وإن بدرجة أقل.

ومن خلال هذه الخلفية عن كفاح موريسون في هذا المضمار، ليس من الغريب أن يكون القارئ محبطاً وحزيناً لوفاتها، فكما يبدو، هناك مَن عاد يلوّح بعصا التفرقة ورفع صوت العنصرية، مرة أخرى في وقتنا الحاضر.

والمستمع لخطاب موريسون أثناء الاحتفال بتسليمها جائزة نوبل عام 1993، يدرك قوة التفكير في طرحها، ومقدار الشجاعة والتحدي الذي تنطوي عليها عباراتها، وحجم الصدق والثقة في ما كانت تحدس به، بما يتصل بالتغيرات الجذرية في المجتمع الأميركي، وكأنها كانت ترى هذه التغيرات رؤية العين. حيث أضحى الكُره يسيطر على المجتمع، سواء في أوساط النخب أو العامة، دون أن يتوانى أحدهم عن التلفظ بما يفكر به، لتبدو هذه الألفاظ مادة صمغية تلتصق بمن تُوَجَّه له، بل وتكاد لشدّة قسوتها تشوّه مَن تصيبه وتقضي عليه نفسياً ومعنوياً!

وقد استعانت موريسون بالخيال والأسطورة لشرح ما تودّ قوله في خطابها ذاك: «هناك سيدة عجوز حكيمة وعمياء سوداء البشرة، تعدّ واحدة من مجمل العبيد رغم أنها تحمل الجنسية الأميركية، وكانت تعيش وحيدة في بيت صغير، على طرف من أطراف المدينة، وفي يوم من الأيام جاء إليها عدد من الشباب المشاغبين، فسألها أحدهم: هل العصفور الذي بيدي حيّ أم ميت؟ لبرهة التزمت العجوز الصمت قبل أن تتنهد قائلة: لا أعلم إذا كان العصفور الذي بيدك ميت أو حي، ولكني أعلم أنه في يدك وأنك تسيطر عليه». ثم قالت موريسون معقّبة على هذه القصة في خطابها: «هذ? العصفور هو ما يمثل لغتنا، ومن واجبنا التعامل معه بمسؤولية شفافة».

لقد حاولت موريسون تغيير كل شيء: الوقت وحالة السكون، وتعريف الشخصية وتجربتها.. وكتبت في ما كتبت عن الحيرة والضياع، وكانت تقصد بالضياع ضياع المكان الذي يكون الإنسان فيه حراً، أو المكان الذي يكون فيه الإنسان إنساناً.. مجرد انسان.. ولأن الانسان يخضع للظروف المختلفة، فهو بالتالي يخضع أتوماتيكيا لأحداث تأريخية مختلفة.

ولا عجب أن تهدي موريسون كتابها «ابن الانسان» (Human Child)، إلى ستين مليوناً وأكثر من أبناء جلدتها، والذين استُعبدوا بعد جلبهم من إفريقيا، كا وقع أبناؤهم وأحفادهم في أسر العبودية.

وكما في «ابن الانسان» وشخوصه الشيطانية المتخيلة، نجد أن ما سردته موريسون في روايتها «المحبوب» (Beloved) يُظهر العنف بأقصى درجاته. وتحكي الرواية قصة أمّ قتلت طفلها ابن السنتين لتخلّصه من عبودية تنتظره، ثم تظهر شابة كصدى للماضي تعاني آلاماً يصعب وصفها تجسّد ما كان يحدث في المجتمع الأميركي زمن العبودية التي لم تختفِ آثارها بعد.

وُلدت موريسون في عائلة من الطبقة العاملة السوداء، عام 1930 في ولاية أوهايو، ودرست في جامعة كورنل الشهيرة، ثم عملت لدى الناشر (راندم هاوس)، وكانت في تلك المرحلة أماً لطفل وغير متزوجة، وفي الوقت نفسه اجتهدت في مساعدة المؤلفين من ذوي البشرة الملونة كي تظهر مؤلفاتهم إلى النور.

وفي عام 1970 ظهرت رواية موريسون الأولى «العيون الأكثر زرقة» ((The Bluest Eyes والتي استقبلها الرجل الأبيض بالتجاهل أو بالتقليل من شأنها، أو بقراءتها بعين غير موضوعية، ومع الوقت استطاعت هذ الرواية أن تثير ضجة، فقد قدمت رؤية عميقة في التأثير المدمر للمعايير البيضاء للجمال، والتي ترى الجمال وتختصره في العيون الزرقاء. ثم أصدرت موريسون عدداً من المؤلفات الأدبية والاجتماعية منها «مصدر احترام الذات» (The Source of Self Regard).

إن تأثير توني موريسون في التاريخ الأدبي الأميركي والعالمي، ظاهر ظهور الشمس، وذلك منذ روايتها الأولى التي تتحدث فيها عن الفتاة السوداء «بيكولا بريد لوف»، والتي كانت قد اغتُصبت من والدها وحملت منه، وقد كان الأب يتشوق لطفل بعيون زرقاء، كما هو الحال عند أبناء الجنس الأبيض.

وهكذا نجد موريسون تحبكُ قصصها على المنوال نفسه، كما في قصتها «ابن الانسان» وقصصها عن النساء اللواتي قُتلن بأيدي مجموعة من الرجال البيض.

لا يمكن وصف روايات موريسون بأنها ذات نهج سياسي أو بأنها كُتبت للدفاع عن السود فقط، فهي روايات اجتماعية إنسانية بجدارة، وإن لم يكن فيها اتهام لأحد، وهي روايات عن أشخاص رضخوا لنير العبودية طويلاً، وتوني موريسون واحدة منهم! فأرّخت لعبوديتهم واستعبادهم على مر العصور.

وتتسم الشخصيات والأمكنة والأزمنة في الروايات بالثراء، وهي تسلط الضوء على موضوع العبودية الفردية أو الجماعية. إن موريسون كأنما تقول: «انظروا إلى هؤلاء. إنهم سود ينتمون إلى المجتمع الأسود في هذه البلاد، ولهذا فهم الذين يتحملون الاحتقار والعبودية والعنصرية في نفوسهم وتوجههاتهم، وهذا لصيق بوجودهم. إنه يسمهم بسمة الأدنى، ولكنهم في الحقيقة نبلاء».

لقد كانت لموريسون طريقة فريدة في لغتها، ومختلفة في مكوناتها، ومميزة في تعبيراتها الخاصة، فغالباً ما يكون الصوت فيها رقيقاً إلى حد النعومة، وأحياناً يبدو وحشياً هادراً، وأحياناً يظهر ممزوجاً بالقوة والتدافع والإلحاح، وربما يتخذ سمة الكوميديا الساخرة.

وعدما حصلت موريسون على جائزة نوبل للآداب عن مُجمل نتاجها الأدبي، كات أول امرأة سوداء تحظى بهذه الجائزة. وكان للحدث وقعُه ومعناه، فللمرة الأولى تكرَّم امرأة تتحدث عن عيوب المجتمع الأميركي، بل وتشتهر بتخصصها في نبش المسكوت عنه، فاعتُرف بها كمبدعة، وكمدافعة عن حقوق بني جنسها، وكرائدة في مجالها، بل وكان ذلك اعترافاً صريحاً بالتحول التاريخي في هذا النوع من الأدب.

لقد ظلت موريسون تؤكد أن اللغة لا يمكن أن تموت إذا تعامل الإنسان معها بروية وتفكير ورقي، وتكرر أن من واجبنا أن نمنع موت اللغة.

وليس من قبيل الصدفة أن يُعرض في هذه الأيام فيلم وثائقي في الولايات المتحدة عن موريسون يحمل عنوان «القطع التي أتكون منها» (The Pieces I Am).

هكذا كانت موريسون في كتاباتها، وهكذا كانت طريقتها في الكتابة، تلعب في الألفاظ والجمل وتملأ الفراغات بقصص مختلفة، لأن اللغة كما تعرفها من الممكن أن تكون وحشية أو قوية، ويمكن استعمالها ضد هذا أو ذاك، مما يوصل الإنسان إلى التحرر أو إلى النقيض: العبودية.

• جرّاح قلب وروائي أردني