صبحي شحروري

«نشيد البحر» هو الديوان الخامس للشاعر عبد الناصر صالح، وقد صدرت طبعته الأولى عن دار النورس في القدس (1990). والديوان عبارة عن قصيدة واحدة مطوّلة، تتوفر كلها على موضوع واحد، أشرتُ إليه إشارة محددة في العنوان: «الحصار وفكّ الحصار».

وعلى هذا، فإنّ بناء القصيدة إنّما يأتي في اتجاه واحد واضح، هو اتجاه نامٍ متصاعد يَنْشد الصمود والمزيد من الصمود ثم مواصلة هذا الصمود. إنّ القصيدة لا تُشتّت نفسها في موضوعات وقضايا كثيرة، وإنما هي ملتمّة متماسكة حول محور واحد رئيس تخدمه ولا تغيب عنه لحظة أبداً. وهي، في بنائها، هذا، إنما تشاكل واقعها، فطوال سنوات عديدة من حياة الشعب الفلسطيني، لم يتغير المطلوب من هذا الشعب، كان المطلوب دائماً الصمود ثم المزيد من الصمود.

وفي إطار من التواصل، عبّر الشاعر بحواريّة استغرقت القصيدة كلها، حوارية قائمة في الحضور ولا مكان فيها للغياب أبداً، لذا فقد استخدم الشاعر ضميريْن اثنين لا غير ليعبّرا عن هذا الحضور: هما ضمير المخاطَب (الأنت) الذي يواصل النضال والصمود، والذي يرتبط بأواصر متينة لا تنفصم مع الضمير الآخر الذي يكتنز التجربة ثم يمررّها، وهو ضمير الأنا.

هذا التواصل من أجل هدف واحد هو استمرار النضال والصمود، ليس جديداً على الشاعر، فقد استخدمه في ديوانه الرابع في قصيدة من أفضل قصائده، هي تلك التي وجهها لأبيه المناضل المرحوم محمد علي الصالح بعنوان «مرثية لفارس القصيدة»، فهو لم يستحضره بسبب أواصر الأبوّة، وإنما حاول انتزاعه من أنياب الموت كي يعيده إلى سوح النضال، التي شهدت شموخ نضاله في ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته.

وهكذا، يصفو النشيد لهدف واحد ووحيد هو النضال ومواصلة النضال والصمود، وتنتفي الأهداف الأخرى التي اعتدنا أن نراها تعْلق بشعر الشعراء وتحكي همومهم الخاصة. هنا حالة متقدمة تنتفي فيها الهموم الخاصة، ليرسخ محلّها ويشتدّ همٌ واحد هو همّ الصمود ومواصلة النضال.

إنّ إلحاحي المتكرر على هذا المحور الرئيس له ما يبرره، فتحْتَ وطأة همّ مثل هذا، لا بدّ أن تكون القصيدة صلبة واضحة تمْرقُ إلى هدفها مباشرة دون أن تتوشح بجماليات يمكن أن تلقي عليها بظلال أو ضبابيات معينة. إنها واضحة مثلما أن الفرز في هذه المرحلة واضح، ليس فيها همهمات ذاتية أو أيّ قدر من الانكفاء على الذات، وإنما بها شموخ ووضوح في التوجه. فالشاعر يهدم كل جسوره الأخرى، وينقطع لشاغله الوحيد الذي هو شاغل المناضلين من أمثاله.

تبدأ القصيدة بتحديد جهات الحصار، ونعرف رأساً أنه حصار شامل، لا ينبع من إشكاليات خاصة بذات الشاعر بسببٍ من تجربته الداخلية وثقافته، وإنما هو الحصار المعروف المألوف لدى جميع الناس، والذي يأتي من البحر والبرّ والجوّ ومن جميع الجهات.

وهكذا، يبدأ الشاعر بالتعريف بجهات الحصار هذا، وينطلق بدايةً من البحر ويقدّم توكيداً راسخاً دون تأويلات، فالبحر هو البحر العادي، ماء وملح، ولكنه، منذ البداية، بحر يعاني من الغزو كسائر الوطن، لذا فهو » آخر ما تستطيع الوصول إليه عيون الغزاة»، ثم يحدث تبادل ما بين السفن والنوارس. ربما أراد الشاعر أن يَصْفو هذا المقطع ويتوفر على وصف طبيعة البحر، ولكنه لم يستطع، فمنذ البداية اختلطت أنفاس البحر بأنفاس الغزاة. أما البحر، في المقطع الثاني، فهو مدخل للوطن لا غير، مدخل للوطن في أبهى حلله؛ حيث يفعل فيه الربيع فعله. إن?ا طبيعة، غير أن حضور الإنسان فيها واضح صراحةً عند ذكر الغزاة، وبصورة مفهومة ضمناً، فيَدُ الإنسان -لا شك- وراء كل هذا الجمال.

في المقطع الذي يليه، نشهد دخول الإنسان المناضل الذي يرتبط بعلاقة جدلية مع الوطن، فمقابل التمتع بجمال البحر، نرى المناضل يدفع ضريبة الدفاع عنه باقتدار وتواصل، الاقتدار في «البيارق العاليات» والتواصل في «الحروب التي تتجدد»، ثم صراحة، وبصورة مطلقة «فارسه العربيّ الوحيد». والعرب، هنا، كُثْرٌ، لا واحد، ومن بين هذه الكثرة يبرز دور الشعب الفلسطيني، فالتمييز واضح، والفلسطيني، في المقطع الثاني، لا يقوم بالنضال في ساحته هو فقط، وإنما يناضل على امتداد الساحة العربية؛ فالنخيل نخيلهم هناك، ولكن الفلسطيني هو الذي يدافع ?نه، يدافع عن البر والبحر وحيداً، وهذا المناضل المحاصَر يجد فسحة له في النجوم التي «ترسل أعينها باتجاهك/ ترفع أحلامها باتجاهك». ليس هو الذي يفعل، بل هي التي تفعل، إنها بالنسبة له مجرد فسحة، ولكنه بالنسبة إليها رجاؤها الوحيد، وإذا كانت السماء البعيدة أُمّ النجوم تبقى فسحة له وتعوّل عليه، فإن السماء القريبة تدخل، هي الأخرى، دائرةَ الحصار فيكتمل.

من حالة الحصار الكبرى، ينحدر الشاعر إلى حالة الحصار الأشد والأكثر خصوصية، إلى السجون. الشاعر يصف السجون بالفسيحة لكثرتها وكثرة من هم فيها، ولتنقّل السجين أو الأسير من سجن إلى سجن، وإلّا فالسجن أساسه أن يكون ضيقاً، والسجون على كثرتها واتساعها ليست مناخات عزلة، بل مناخات للامتداد والانشطار والانتشار:

«انشطار البراعم في شجر لا يموت».

والمناضل يدرك واقعَهُ ولا يندفع دون وعي، ويعرف أنه منذور للموت، ومكافأته الوحيدة على ما يفعل أنّ الأرض تسلس له قيادها صورةً ونموذجاً يدين به الجميع ولا ينازع. إنّ النضال وتواصله يخلقُ حالة معاكسة تماماً للحصار، ولذا فالمناضل، بدوره، يطلق عذابه في كل الجهات، فحيث الحصار يجيء النضال، وهناك حالة قصوى لهذا التوازن -توازن النضال مع الحصار- ذلك أن المدى الذي اعتدنا أن نسرّح فيه الطرف، أصبح مقصلة.

مقابل هذه القسوة الطاغية، لا بد أن يأتي ردّ الفعل بالقسوة نفسها «ولكنها من عيونك تنطلق القافلة»، إنه ليس فعلاً وردّ فعل فقط، ولكنها مطابقة؛ فالمناضل يتمدد جسداً على مساحة الوطن كله. إنّ جسده هو التضاريس الحقيقية للوطن، بل إن الشاعر يتحدى حالة المطابقة إلى حالة أعمق من التماهي، ذلك أن المناضل لا يطابق الوطن فقط، بل هو سرّه، وذلك لا يتم بالمراكمة، ولكن من خلال حوارية الضمائر التي سبقت الإشارة إليها، ولكنها هنا تَعْذُبُ بالتساؤل، تساؤل العارف بالجواب.

«أتدخل في هيئةِ النار والعشبِ؟

أدخلُ في هيئةِ النهرِ والصيفِ».

إنه سؤال جوابه معروف، نعم «أَدْخُل»، ومع ذلك فإنّ القرار أعمق، ولذا انتفى التساؤل على وهنه، ودخلنا دائرة الحقيقة المطلقة: «أدخل». إنها جدلية، إذن، بين فعليْن هما في النهاية فعل واحد:

أتدخل/ أَدخُلُ».

ثم تتوالى إلى هذه الجدلية: «أتفتح/ أَفْتح».

إن في ذلك نفَساً فلكلورياً من نوع ما، لا يفتح عليه باباً إلّا ويغلقه.

في هذه الحوارية، جهد الأنا ذاك، هو الذي ينقذ التوكيدات المتلاحقة من الوقوع في المباشرة والتكرار. إنها مبارزة بالسيف لا تنتهي بالموت، وإنما باشتداد الساعديْن ضمن علاقة أستاذ وتلميذ، ولذا فـ «الأنا» -أنا المناضل لا «أنا» علم النفس- تصرخ بشعارٍ سياسي واضح:

«أنا الرقمُ الصعبُ

والسّلْمُ والحربُ

والجَدْبُ والخَصْبُ».

غير أن نهوضها يستمد في قَفْلتها الأخيرة، تحصيل حاصل:

«البعيدُ

القريبُ

السجينُ

الطليقُ

القتيلُ المقاتلْ».

ثم إنه يناضل، وفي النضال تحوّلات، وله دروب، ومع ذلك فهو الذي يفلح الأرض التي أعطاها جذرها وأطلق خصبها بدمه، وهدفه ليس القتل، إنه هدف معلن:

«حتى تعود الطيور لوكناتها

وتعودَ القبائل».

بعد كل هذه «المآثر» لضمير الأنا، يتجذر قرار الحوار ويتعمق دور الأنت، فبعد الحصار الذي رغم تكرار فعله يظل حالة سكونية راكدة، ينطلق الفعل قوياً بقدر سكونية الحوار:

«ها أنت تركض نحو دمائك».

إن هذا الركض هو غاية الروعة، يركض ودماؤه فيه، ولكنه يركض كي يلتقيها، إنها حالة من حالات تفجير السكون وتحويله إلى مأثرة، إنها قلبٌ لكل المعادلات، يصبح فيها المناضل هو القريب البعيد، يركض لا ليفرّ، وإنما ليلاقي جوهره الحقيقي ونقطة القلب في نضاله، يركض نحو دمائه، إنها ليست حالة سقوط كما بالصحافة الممنتَجة مرتين، مرة بقهر الآخر لها، ومرة بقهرها نفسها، إنه ليس سقوطاً وإنّما اندفاع لملاقاة الذات الشهيدة المُستَشْهَدَة، ولذا، فهو لا يتعالى كمقولة أولية يسندها الكرْزُ والتّلقين، وإنما يتعالى بدمه فوق كل الذي يقال ?فوق رأس جلّاده. إنها ليست حالة طارئة غريبة وإنما هي حالة متجذّرة. «الأنا» يذكّر بذلك، ويستخدم المراكمة سلاحاً له، وهي مراكمة مسوغة.

«فكم قتلوكَ

وكم صلبوكَ

وكم أبعدوكَ

ولكنّ جوهركَ الحرّ لم يتحوّل».

إن المخاطَب يقرأ، يقرأ هناك وهنا. فماذا يقرأ؟ يقرأ سُوَرَ الصمود في إطارٍ من الحشد الشموليّ، رموز الوطن، نجومه وغيومه وينابيعه وفراشه وعصافيره وغرغرة أطفاله وكل شيء حيّ، وجمل. وهو لا يقراها عبثاً، بل ليستعين بها على غدر الأشقاء ومحاولة جرّ المناضل الفلسطيني لتسويات مُهينة، ومع ذلك فهو يقاوم ويشهر رفضه. ورغم مروره بتاريخ طويل من هذه الخيانات، إلّا أنه ما زال يذكر الوطن كلّه ويتشبّث به، لذا يتفاءل بحياة جديدة، بتغيّر جذري شامل لا يترك شيئاً على حاله، وهو يرمز للمفاوضات السياسية المجدبة «بلون الصدَف البرّاق»،?إنّها المقولة الكبرى التي تنطوي عليها دعوته ورسالته. إنه، وبسبب من كل هذا التآمر، فلا طريق إلا طريق التلاحم والصمود، وهما معاً (الأنا والأنت) يستنفران كل شيء في معركة الحرية هذه.

وحيث يحدث الانتكاس وراء الانتكاس، يتشبث الشاعر بالحوار الجدليّ الذي هو جذر التواصل، وأكثر صوره إيغالاً في البعد، صورة الموت والحياة:

"تموت لأجلي

سأحيا لأجلك».

وهذه الحوارية تتخذ أشكالاً أخرى، تتخذ شكل القراءة بهدف المزيد من معرفة الوطن:

«أتقرأني كي تحبّ الشوارع في القدسِ

كي تتوضأ من مائها

وكي تتعمّد من طهر أسوارها».

وهذا الثقافي، الذي، هنا، لا وقت لديه للمطوّلات والمقولات، وله هدف واحد ووحيد هو المزيد من المعرفة والالتحام مع رموز الوطن. وهكذا، فهناك دوران حلزونيّ متقدم، كلما أحس المناضل بالخيبة قرأ وصايا غيره، ثمّ قرأ نشيده الخاص وأيقن أنّ خلاصهُ لا يكون إلّا بحبّ بلاده، برموزها، وهي رموز طبيعية ورموز تشير إلى اليد الفلسطينية الصّناع التي تستخرج الخير من أرض الوطن.

في أجواء مثل هذه لا مجال للسياسة بالمعنى الذي عرفناه:

«دمي سيزيّن بالأخضر الثرّ كوكبة القافلهْ

ويروي حقول الرياحين في القدسِ

يروي البيادر حول الجليل المقاومْ

ويلغي فروق العواصمْ».

والشاعر يستحضر السندباد كرمز، ولكنه لا يوغل في استخدامه، وإنما يشبه به الفلسطيني الذي ما نزل بأرض إلّا وأُجبر على الرحيل منها، وإذا كان السندباد يفعل ذلك لبذرةٍ فيه، فإنّ الفلسطيني مُرْغَمٌ عليه، بينما المقولة الأعمق من هذا، أن الفلسطيني لا يسعه سوى وطنه. أمام كل هذه الوقائع، يتقلص دور الحلم، والشاعر إنما يذكره للإشارة إلى أنْ لا مجال لطول الإقامةِ فيه؛ فالواقع يفقأُ عيون جميع الأحلام ويترك لنا الحقيقة عارية.

إن طول الطواف المُفْرغ من مضمونه يستمر، والعذاب معه يستمر، أمّا الحقيقة العارية فهي أن لا شيء في واقعنا (سوى السجن والمقصلة). أمام هذا الجوهر العاري تبدو النصائح، بالحذر وعدم الوقوع في فخ الخديعة، زائدة.

بعد ذلك ندخل في حالات من طقوس ثنائية، تقوم على الفعل وصلابته:

«إقرأ على الأرض قرآنها

تصبح الأرض خضراء مثلكَ»

ثمّ:

«أرفعُ».. «ستورق».

بعد كل هذه الطقوس ينبثق أمل، ويتجلى هذا الأمل بالصبح والشجر والعصافير التي طالما لجأ إليها الشاعر.

كل هذا والشاعر يمشي، يواصل دورانه، كلما وقع على أملٍ أطفأته رياحُ التخاذل والخديعة، أما النهاية فيقابل فيها بين الرحيل ومزايا الإقامة، والرحيل هنا رحيلان: الرحيل الجسدي بترك الوطن، والرحيل عن النفس بترك النضال، أمّا الشاعر فيعاود قراءة كتابه من جديد.

إنّ للشعر حضوراً في المعركة، وهو بهذا المعنى وضمن هذا الإطار، لا يمكن أن يخضع للدراسة بحسب بعض المدارس التي تجعل اللغة مدخلاً للنص. إنّ قيمة النصّ ليست في لغته، وإنما في حضوره وانتشاره وارتفاع قامته، فهو أداة نضال مثل أدوات النضال الكثيرة.