د.أنور الشعر

تتضمن مجموعة «كائن مثقوب» لحليمة الدرباشي، عشرين قصة قصيرة جمعَ بينها رؤية الكاتبة في معاناة الإنسان في ظلّ الاحتلال وفي ظلّ الأنظمة السياسية والاجتماعية القمعية.

ويمثل العنوان العتبة الأولى التي يلج منها المتلقي إلى تقاسيم العمل الأدبي. وقد وسمت الكاتبة مجموعتها هذه بِـ «كائن مثقوب» وهو عنوان القصة الخامسة عشرة. ويتكون العنوان من كلمتين: اسم فاعل «كائن» واسم مفعول «مثقوب». والكلمتان لا تشكلان جملة كاملة وهذا يمنح العنوان سمتَي الغموض والتشويق. وكلمة «كائن» اسم مفرد نكرة، وتدل على كائن حي أو غير ذلك. وهذا مدعاة للتساؤل: من هو أو ما هو هذا الكائن الموسم بِـ«المثقوب»؟ وتشير كلمة «مثقوب» إلى وجود فتحة (ثقب) في هذا الكائن، وقد يتسع الثقب وقد يضيق وقد يندمل، ولأن كلمة «م?قوب» اسم مفعول، فإنها تكون قد وقع العمل (الثّقب) لها بفعل فاعل. وبالقراءة الفاحصة للقصة التي تحمل هذا العنوان، نجد أنّ الثقب يبدأ من يدي بطل القصة ليطال كلّ شيء، وليصل إلى أنّ الكرة الأرضية صارت كلّها ثقباً كبيراً، وأن هذا الثقب هو النهاية التي تبدأ بها كلّ الأشياء، كما ورد في النّصّ. ولعلّي ألمح أن هذا الكائن المثقوب يمارس عملية الإسقاط، فلأنه «مثقوب» فهو يرى أن كلّ الأشخاص مثقوبون، وكلّ الأشياء مثقوبة.

أمّا الإهداء، وهو العتبة الثانية، فينقسم إلى قسمين: الإهداء الأول وقدمته الكاتبة إلى ذكرى أبيها الراحل -رحمه الله–وتقول فيه: «إلى أبي... الذي علّمني كيف يكون الصمت لغة سرية... وطوقَ نجاة أخيراً». أمّا الإهداء الثّاني فموجَّه إلى «الحياة»، فتقول: «إلى الحياة.. التي لم تعلّمني بعد كيف أغلق الباب الموارب.. إلى الأبد». ويكاد المتلقي يلمح أنّ هذين الإهداءين يشيان بشيء عن شخصية الكاتبة في أنها تؤثر الصمت لغةً سرية وطوقض نجاة، وأن الحياة لم تعلّمها بعد بشكل كافٍ كيف تغلق الأبواب المواربة، والسؤال المطروح هو: هل ا?عكس شعور الكاتبة الظاهر في الإهداء على شخصيّات قصصها وأحداثها؟

في قصة «محض أسئلة»، تعبّر الكاتبة عن رؤيتها وهي أنّ الشّعب الفلسطيني لم يتخلّ يوماً عن أرضه السليبة، وناضل وما يزال يناضل لاستعادتها بجميع السبل المتاحة.

ولتعبّر الكاتبة عن رؤيتها رسمت صورة لفلسطينيٍّ ناهز الثمانين من العمر وهو قابض على جمر القضية وحب الوطن. ففي بداية القصة تقدم الكاتبة شخصية نامية لشاب عشريني يمتلك بيدراً في وطنه ويعيش فيه هادئ البال، بدلالة: «مستلقياً على أرض البيدر في الظهيرة الرطبة». وبسبب النكبة التي حلّت بفلسطين عام 1948، أمسى هذا الشاب لاجئاً في أحد مخيّمات الشّتات.

وتقدم الكاتبة تطوراً لهذه الشّخصيّة (الشّاب) بسرد أبرز ما حدث معه في كلّ عقد من حياته التي امتدت إلى الثّمانين. ففي العقد الثّالث من عمره فقدَ وطنه وانضم إلى خليّة ماركسيّة، وأضحى مطارَداً من قبل السلطات. وفي العقد الرابع ظلّ مطارَداً، فغزا الشّيب رأسه باكراً. وفي العقد الخامس فرّ من المشرق العربيّ ليدرس في إحدى جامعات المغرب العربيّ، ورافق ذلك قيام منظمة لتحرير فلسطين، لكنه رأى أنّ كلام هذه المنظمة مشوَّش ومشوِّش؛ يخلط بين مفاهيم الفتح والتحرير والشّجاعة والحماسة، فشعر أنّ هذا الجسم السّياسيّ لا يمكن أنّ ?حرّر الأرض ويعيد اللاجئين إلى ديارهم، «كيف سيعيد الصّاعدين هابطين إلى حيث كانوا».

وهنا وظّفت الكاتبة الثنائية الضدية «الصاعدين»، للدلالة على اللّاجئين الفلسطينيّين، و«هابطين»، للدّلالة عليهم وهم يعودون إلى ديارهم. وأرى أنه يمكن إعادة صياغة العبارة لتعطي دلالة منطقية تتناسب وأحداث الحكاية، وذلك على النحو التالي: «كيف سيعيد الهابطين صاعدين إلى حيث كانوا»، بجعل الصّاعدين هابطين والهابطين صاعدين، وذلك لأن الخروج من الوطن إلى المنافي يوحي بالهبوط من الأعلى (الوطن) إلى الأدنى (المنفى). وتشير عملية التحرير والعودة إلى الوطن بالصّعود، لأنّ فيها ارتقاءً من حضيض المنافي والشتات إلى عزّ الوطن والع?ش فيه بكرامة، فتكون العبارة المقترَحة أكثر اتساقاً مع السّياق.

وفي العقد السادس من العمر، حمل هذا الرجل عبءَ هزائم الجيوش العربيّة، واتجه للعمل في دول الخليج، واضطر لارتداء ملابس تلك البلاد، لكنه لم يستطع أنّ ينتمي إليها. وفي العقد السابع عاد قسرياً إلى بلده، تعتصره ذكرى آلام المعتقلات وأقفاص الاتهام، والاعتقال الأخير وعودته القسرية للبلاد. وكان ما يزال صلباً، يصادق ابنته ويتحدث لها عن الجيش الأحمر، والنجمة الخماسية، والشاكوش والمنجل (وليس كما ورد في القصّة «الشيخ والمنجل»). وعندما صار سبعينياً كان ما يزال صلب الإرادة، يمسك يد ابنته ليصعد طريقاً جبلياً يؤدي إلى المخيم? وثمة دلالة للعبارة «طريقاً جبليّاً»، وهي أنّ الطّريق الذي يريد الأب أن يدرّب ابنته عليه هو طريق وعر وشاقّ بسبب العيش في المنافي والالتزام بأعباء الوطن وقضيّة تحريره من الاحتلال.

وفي الثمانين من العمر بدأ المناضل يتحسر على نظره الذي مضى، ثمّ قضى نحبه وحوله ثلّة من الرفاق والذّكريات. والجدير بالذكر أنّ الكاتبة لم تذكر اسم هذا الرجل، للدّلالة على أنّه رجل واحد من هذا الشّعب، وأن سيرة حياته تمثل سيرة حياة الآلاف من أبناء جيله من شعبه.

كما رسمت الكاتبة صورة لابنة هذا المناضل، التي تأثرت بأبيها وأفكاره ومواقفه الوطنيّة والسياسية، فانضمّت إلى خلية سرية لحزب أصبح مرخَّصاً لاحقاً، وكانت تقرأ روايات غالب هلسا، وأكملت دراستها الجامعيّة، لكنها كانت تكثر البكاء على أبيها الثمانينيّ، كلّ ليلة بصمت. وتحيلنا كلمة «بصمت» إلى ما جاء في الإهداء: «إلى أبي... الذي علّمني كيف يكون الصمت لغة سرية... وطوقَ نجاة أخيراً». وهذا يشي بعلاقة وثيقة بين شخصيّة هذه الابنة الثلاثينية وبين شخصيّة الكاتبة. ويمكن للقارئ أن يستشفّ من ذلك أنّ الكاتبة تحكي في هذه القصة سي?تها مع والدها كفرد من أبناء شعب مهجَّر يناضل دفاعاً عن حقه في تحرير أرضه والعودة إليها.

وقد جاء عنوان القصة غيرَ مناسب للأحداث والشخصيات والسياق العام لها، فالعنوان هو «محض أسئلة»، لكن القصة تخلو تماماً من الأسئلة.

أما قصة «أبواب»، فهي مغايرة لباقي قصص المجموعة من حيث البناء الفني، فقد جاءت على شكل تسع قصص قصيرة جداً، بعناوين تبدأ بـ «باب رقم 1» وصولاً إلى «باب رقم 8»، ثم عُنونت القصة التاسعة بِـ «باب رقم...»، فاستخدمت الكاتبة علامة الحذف (...) لتدلّ على أنّ هذه الأبواب وما يحدث داخلها أو خارجها لا حصر لها. وما يوحّد القصص الفرعية أنّ كلّاً منها تشهد دخول إنسانٍ ما أو خروجه، فيتم إطلاق قذيفة عليه، في دلالة إلى أنّ كلّ مواطن –سواء أكان عسكرياً أم مدنياً- معرّض للقتل بإطلاق القذائف ونيران الأسلحة عليه في زمن الحرب الأه?ية. أما في الزمن المفتوح بعد الحرب بدلالة (باب رقم...) فتتغير أحوال النّاس، فيغرقون في اللهو والغناء والطرب والرّقص. وعندما يخرج من الأسر رجلٌ محرّر، ويرى ما النّاس عليه من لهو وطرب ورقص، يصاب بمسّ في عقله، فيبحث عن باب يدخل منه المجانين فقط، ويخرج منه المجانين فقط.

وتحمل قصة «جبل... ولكن» رمزية خاصة, فقد عبّرت الكاتبة فيها عن رؤيتها المتمثلة في أنّ الاحتلال الصهيوني شيء عابر سيزول مهما أوهم نفسه أنّه الحقيقة الوحيدة على أرض فلسطين.

وعبّرت الكاتبة عن رؤيتها برسم شخصيّات وأحداث أسهمت في البناء الكليّ للقصة. فترسم صورة لشخص بائس واقف أمام نافذة تطل على جبل تعتليه مكعبات اسمنتية متلاصقة، في إشارة إلى المستوطنات الصهيونية على أرض فلسطين. ويزيّن الجبلَ بضعُ شجرات يواصلن النمو رغم أنف الجنس البشريّ المتوحش (في إشارة إلى الصهاينة المحتلين). ودلالة وجود بضع شجرات يواصلن النمو هو الإبقاء على ما يذكّر الأجيال القادمة بأصحاب هذه الأرض الذين زرعوا تلك الأشجار. وقد وصفت الكاتبة الجبل بأنه صامت منذ زمن (زمن الاحتلال)، وشاهد على محاولات الثورة ضد ال?هاينة، وعلى جميع أشكال الانهزام.

وترسم الكاتبة صوراً لبيان ما حدث لأبناء الشّعب العربيّ في فلسطين نتيجة الاحتلال، إذ تقوّست ظهورهم، فكبير القرية (المختار) تقوّس ظهره وصار طريح الفراش، والجندي تقوّس ظهره وصار طريح القبر، كما تقوّس ظهر الفدائي الذي صار طريح البرّية.

وفي خطوة عملية من هذا الشاب، قرر أنّ يبحث عن حبيبة تسنده في مواجهة الجبل (الاحتلال الصهيوني)، وتمدّه بالقوة والعزم في صراعه مع هذا العدو، وهذه الحبيبة هي بندقية تمكّنه من مقاومة الأعداء. فابتاعها من الجنود المنهزمين في شمال البلاد. وعندما وصلت محبوبته (البندقية) إلى البيت بدأ ينظر إلى الجبل بعينين جديدتين، أي بنظرة مغايرة ورؤية جديدة، وبدأت تصدر عنه زفرات حارّة رغبة في قتال المحتلين والثورة عليهم.

وتجسّد الكاتبة من البندقية شخصيّة حيّة تقوم مع الشاب بجميع الأعمال المقاومة للاحتلال، فتراقب معه الجبل وما اعتراه من مكعبات اسمنتية متلاصقة سلبت معظم أجزائه.

وتوظف الكاتبة رمز الخريف لتشير إلى هزيمة الأمّة في حربها مع العدو، مما سبب غربة لدى المواطن العربيّ ممثلاً بالشاب الذي اشترى بندقية ليقاوم بها الاحتلال، فكل شيء يراه غريباً: «وجد نفسه غريباً يقف مع غريبة على نافذة غريبة، والظّلام المبكر غريب، وكلّ شيء صار غريباً في عينيه فجأة، حتى ضوء الشارع الأبيض صار يسلط حقده الغريب على النافذة».

وفي نوبة من الغربة واليأس ألقى الشاب البندقية من النافذة لتقع أرضاً، وتتحول إلى آنية زهور يتراكم الكلس على جدرانها الداخلية. وفي هذا دلالة على تخلّي الشاب عن المقاومة كرد فعل لهزيمة الجيوش العربيّة.

ويعتقد الجبلُ أنّ الرجل قد احترق وصار رماداً؛ أي أنّه استطاع القضاء على المقاومة وإبادتها. وطال اعتقاده بذلك، إلى أن فاجأه الشاب بالمقاومة من جديد وحيداً دون الاعتماد على الجيوش العربيّة، ويقاومه بأسلوبه الخاص به، بدلالة «حتى رآه ذات مساء يخرج رأسه من النافذة وينفث دخانه في وجهه وحيداً بائساً مرة أخرى».

وأيقن ذلك الجبل أنّه مخطئ عندما ظن أنّه الوحيد الثابت والباقي على الأرض التي احتلها، فشرع يراقب المقاومة وهي تنمو وتكبر وتستمر، فعدَل الجبل عن غروره هذا. وقد وظفت الكاتبة ألفاظاً وتعابير عدة تدل على الاحتلال من مثل: «مكعبات اسمنتية متلاصقة» كناية عن المستوطنات الصهيونية التي تربض على صدر فلسطين، و«الجنس البشري المتوحش» للدّلالة على المحتلين الصهاينة، و«العابرين» في دلالة على أنّ المحتلين عابرون على هذه الأرض. ولأن القصة تجسد الحياة في ظل الاحتلال، فقد انتشرت في ضواحيها الألفاظ والتعابير السلبية من مثل: الم?وحش، والجبل صامت منذ زمن، وأجساد مهترئة، والمركبات الصدئة، والخريف (كناية عن زمن الهزيمة)، وغريباً، وغريبة، ويسلط حقده الغريب، وشرخ، تقوس الظهر، وطريح الفراش، وطريح القبر، والأنفاس الأخيرة، ودخان كثيف، وبائساً.

ولعل من القواسم المشتركة بين جلّ قصص هذه المجموعة، أنه يغيب عنها أسماء الشخصيات، وتقدمهم الكاتبة بأوصافها التي تندرج على عشرات الآلاف من النّاس، وهذا يعطي الشخصية اتساعاً أكبر وعمقاً أكثر. كما شهدت قصص المجموعة غياب تحديد المكان وهويته لتعطيه امتداداً في المكان، فلا ينحصر في قرية أو مدينة بعينها. وعمدت الكاتبة إلى تغييب التحديد الدقيق لزمن الأحداث وعدم ذكر تواريخ محددة إلّا في إشارات وايماءات لبعض الأزمان. ووظفت الكاتبة السارد بضمير الغائب (هو/ هم) في جل هذه القصص، مع لجوء إلى أسلوب الحوار للتعبير عن رؤية ?لشخصيات وأفكارها كما في قصة (السقوط).

ولوحظ أنّ غالبية قصص المجموعة تظهر فيها الحبكة التقليدية وسير الزمن من الماضي إلى الحاضر، مع توظيف تقنية التّذكّر أحياناً.

ووظفت الكاتبة الألفاظ والتعابير المناسبة لأحداث القصة ورؤيتها فيها، وغايرت في الجمل من حيث الطول والقصر، مع تنوع في تراكيبها: خبرية، واستفهامية، وفعليّة، واسمية. كما وظفت الثنائيات الضدية، والرموز، والكنايات والاستعارات، ولغة الإيماء والتلميح، وبذلك قاربت الكاتبة لغة المجموعة القصصية من اللغة الشّعرية، وهذا يسهم في الارتقاء بالتّعبير الفني لقصص هذه المجموعة.

ورغم وجود بعض الهنات اللغوية في المجموعة الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون»، إلّا أنّ الكاتبة قدمت لغة جميلة معبّرة، ونجحت في تقديم رؤيتها للكون والإنسان والأحداث من خلال قصص انمازت بسمات فنيّة عالية مع استخدام واعٍ لتقنيات السرد، واتّساق كبير بين اللغة السّردية والأحداث.