د.محمد عبدالقادر

ها هو إبراهيم نصرالله يصدر «ثلاثية الأجراس» (سيرة عين، وظلال المفاتيح، ودبابة تحت شجرة عيد الميلاد) رافداً ملهاته الفلسطينية بثلاث روايات ظهرت في وقت واحد من هذا العام (2019)، ما يحيل الملهاة إلى سفر ضخم يحمل اثنتي عشرة رواية، علاوة على ستّ من سفْر الشرفات ناهيك عن أربع روايات خارج التأطير، وبذا تكون حصيلة المنجز الروائي للكاتب (22) رواية، إضافة إلى (17) مجموعة شعرية وإصدارات أخرى متنوعة. ويبقى السؤال: ما الخيوط التي تربط هذه الأعمال بعضها ببعض؟

ولو حاولنا الإجابة عن هذا السؤال لقلنا:

- إن هذه الأعمال تتواشج في رؤى انسانية تقدمية، تُعلي من شأن الإنسان والكرامة والحرية، ودور المرأة، والعدالة والنضال والمقاومة.

- في هذا الإطار تأتي القضية الفلسطينية لتمنح هذه الأعمال نسيجاً متماسكاً، إذ تحضر فلسطين بقوة في معظم إبداعات نصرالله، تاريخاً، وشعباً، ومعاناةً ونضالاً.

- وتمثل هذه الأعمال إبداعاً فنياً وحضارياً يرقى إلى مستوى الإبداع العالمي شعراً وروايةً. وهي قد جسّدت القدرة على تجاوز ذاتها بوعي الكاتب لضرورة التجريب وتجاوز الأنماط التقليدية عن طريق أشكال فنية متنوعة.

- وتؤكد أعمال نصرالله -في مجملها- على قدرة الفلسطيني على الاستمرار في الحياة رغم كل أشكال العذاب والمعاناة والخسارات، وأن الفن والأدب والثقافة قادرة على أن تشكل جبهة للصمود في وجه قوى الظلم والاستبداد والاحتلال.

- وتتمتع منجزات نصرالله بتقدير عالٍ من المؤسسات الأدبية والثقافية، يشهد على ذلك ما نالت أعماله من جوائز تقديرية في الشعر والرواية على حد سواء.

على أن التقدير الأعلى والأهم يتمثل في ما حققته تلك الأعمال لدى جماهير القراء العرب في العديد من الأقطار.

ثلاثية الأجراس

لا بد، بادئ ذي بدء، من الإشارة إلى أن الكتابة النقدية عن ثلاثية الأجراس لا تشكل بديلاً بأي حال من الأحوال عن قراءة النصوص نفسها، ففي قراءة الروايات الثلاث يتجسد الإبداع الفني والرؤيوي، وتتضح الوشائج الكامنة في تلك الأعمال، كما يتضح الجهد الذي بذله الكاتب في صهر الواقع والحقائق التاريخية في أبنية سردية خيالية متقنة تنتمي إلى عالم الفن بالرغم من المضامين السياسية والتاريخية. كما تتسم الأعمال الثلاثة بلغةٍ موحية لا تخلو من لمسات شعرية، وتنحو نحو البناء السردي السلس الذي تنمو فيه الأحداث بصورة طبيعية، وبمعالجة?واقعية ثرية في رموزها ودلالاتها و"موتيفاتها». فهي أشبه بمعمار فني جرى تصميمه بطريقة هندسية متقنة تتلاقى فيها بعض الأزمنة وبعض الشخصيات.

إنّ ولع نصرالله بالحفر العميق في التاريخ الفلسطيني والعربي والصهيوني جعل الكثير من القراء يتعرفون إلى شخصيات فلسطينية بارزة مثل ظاهر العمر وكريمة عبود، علاوة على احتفائه بالعديد من المناضلين البارزين في سياق روايات عدة.

الرواية المضادة للصهيونية

وإذا كانت ثلاثية الأجراس تنطوي على قيمة فنية متميزة، فإنها تتمتع أيضاً بقيمة فكرية حضارية إنسانية من حيث المضامين والرؤى، وأشير هنا بصورة خاصة إلى الصهيونية من حيث المفاهيم والمقولات والممارسات والأهداف، وهذه كلها خيوط متشابكة تتمدد في الروايات الثلاث. ذات يوم كتب غسان كنفاني يقول: «قاتلتُ الحركة الصهيونية بسلاح الأدب قتالاً لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي». ولعل قراءة المحور المتعلق بالصهيونية في ثلاثية الأجراس يؤكد أن نصرالله قد أخذ على عاتقه أن يسهم فنياً بتعرية الصهيونية في جذورها ومقولاتها وممارس?تها. يقف الروائي هنا في موقع المتحدي للرواية الصهيونية في ادعاءاتها، وللرواية الصهيونية كمنجز أدبي أنتجه كتّاب صهاينة، يهوداً كانوا أم غير ذلك، «إسرائيليين» كانوا أم بريطانيين وأميركيين وغيرهم. وإذ ينبري الكاتب لهذه المهمة عن طريق تقديم أعمال روائية، فإنه يحرص على أن تكون تلك الأعمال منجزات فنية تجتاز اختبار الشكل والمضمون في علاقاتهما الجدلية. وبالطبع فإن هذا الإنجاز يتناقض مع الروايات الصهيونية والأدب الصهيوني بعامة، وهو ما وصفه المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري بقوله «الأدب الصهيوني أدب من الدرجة الثالثة،?أي أنه أدب صحفي ولا يتعلق بشكل الأدب ولا محتواه ولا لغته، بل يتبنى الاتجاه العقائدي الأيديولوجي الفكري العام».

بهذا المعنى فإن ثلاثية الأجراس مساهمة فنية أساسية في تقويض المزاعم الكبرى للصهيونية، وفي تجريد الفكر الصهيوني من مرتكزاته الأساسية القائمة على التزييف والتضليل. وهذا بدوره يعني دحض المبررات الصهيونية التي تم توظيفها في إنشاء كيان استيطاني إجلائي عنصري على أرض فلسطين. ومن هنا تكشف الثلاثية بصورة فنية أساليب التربية السادية التي استخدمها -ويستخدمها- الصهاينة لأطفالهم وفتيانهم قبل قيام الكيان وبعده.

وهنا نستطيع الوصول إلى استخلاص قابل للتعميم، وهو أن كل «الأيديولوجيات» العنصرية والشوفينية والإمبريالية، وعلى رأسها الأيديولوجيا الصهيونية، لن تفرز بطلاً فنياً إنسانياً، ولا بطلاً سياسياً أو تاريخياً-إنسانياً. ولن يكون بمقدورها أن تنتج غير «البطل المضاد» -المضاد لكل القيم والمفاهيم الإنسانية. فالصهيونية وأخواتها لن تستطيع إفراز بطل غير البطل المزيف، والبطل البوق، والبطل المضلّل، والبطل السادي. إن الشخصية الفزعة، المرعوبة، القلقة، المتشككة، السادية التي تعيش ما بين حد الحرب وحد الاستعداد للحرب لن تكون شخصية?سوية أو حضارية إنسانية. ترى كم من الأقطار أو الأفراد يرون في هتلر أو موسوليني أو نيرون أو بيغن أو شارون أبطالاً؟ مقابل نظرة العالم إلى تشي جيفارا أو باتريس لومومبا أو نيلسون مانديلا أو مارتن لوثر كنج؟ البطل المضاد ينتهي إلى مزبلة التاريخ والبطل الإنساني يبقى تاجاً في جبهة التاريخ، ورمزاً خالداً من رموزه.

في ثلاثية الأجراس تلعب «الكاميرا» دوراً مهماً في السلوك الصهيوني كأداة للكذب والافتراء والتضليل وتزوير الواقع البشري والعمراني، وفي ما بعد تتحول إلى بندقية في يد من يستخدمها، بالمقابل تنبري «كاميرا» كريمة عبود لوضع الحقائق في نصابها مصوّرة الواقع الإنساني والحضاري الفلسطيني كما هو، ويجيء ذلك في روايتين من روايات الثلاثية، ما يؤكد للقارئ على جانب من جوانب التواشج بين عناصر الثلاثية ومضامينها.

مقابل سلسلة الأكاذيب والافتراءات الصهيونية، لن يفوت إبراهيم نصرالله في معركته التاريخية والحضارية والإنسانية مع الصهيونية أن يسلط «كاميرته» الخاصة على بعض مظاهر الثقافة الفلسطينية التي كانت سمة بارزة من سمات المجتمع الفلسطيني قبل النكبة، تلك المظاهر التي استهدفتها الحركة الصهيونية بقولها إن «فلسطين أرض بلا شعب».

ويقدم الكاتب هذا الحضور الثقافي لفلسطين بصورة واقعية دونما شطط أو مبالغة، إذ إن الإنسان ذاته، والكتب والوثائق تشهد على فاعلية هذا التميز الثقافي في مجالات الأدب والصحافة والسينما والغناء والمسرح والموسيقى. وفي هذا السياق، فإن الثلاثية تقدم صورة نابضة للحياة العربية-الفلسطينية مقابل صور التدمير والتزييف الاستعمارية والصهيونية والتي بدأت قبل تأسيس الكيان ولم تتوقف حتى اليوم.

ولا شك في أن الأدوار الحضارية -الإنسانية- التي تؤديها أدوات (موتيفات) فنية مثل «الكاميرا» و«البيانو» في الحياة الفلسطينية وفي سياق المبنى السردي للثلاثية تشير إلى جانبين: القيمة الفنية لهذه الأدوات باعتبارها «موتيفات» متكررة وذات حضور دلالي في بنية الثلاثية، وقيمتها ثانياً في سياق التميز الثقافي -الإنساني- في فلسطين منذ مطالع القرن العشرين، وما قبله في بعض الأحيان. فالضابط البريطاني لا يستطيع أن يرى «بيانو» في بيت فلسطيني، ولا يقوى على سماع صوته بأصابع امرأة فلسطينية تعزف للأطفال/ العصافير، لذا فإنه لا يتر?د في تحويل تلك الآلة الموسيقية إلى حطام، لكن الفلسطيني لن يتردد أيضاً في إصلاح البيانو وإعادة بنائه لتواصل السيدة عزفها للعصافير، ولتواصل رقصها وغناءها.

إنه الإصرار على حضارة الفن ضد «حضارة» التدمير، وعلى ثقافة الحياة ضد ثقافة التخريب والقتل. إن تدمير البيانو هو الصورة المعادلة لقرار «موشي» بالسعي لاغتيال كريمة عبود التي رحلت قبل أن تمتد إليها يد الموت الصهيونية.

وإذا كانت رمزية «الكاميرا» و«البيانو» ترقى إلى تمثيل روح الشعب العربي الفلسطيني فإن «موتيف» المفتاح و"موتيف» الذاكرة يبدوان أكثر خطورة على الصهيونية ومزاعمها في النموذج الإدراكي الصهيوني، ذلك أن رمزيتهما تعني تحدياً وجودياً فلسطينياً للفكر الصهيوني ومشاريعه، كما أنهما يمثلان مرتكزات مادية وتاريخية ووجدانية لعروبة فلسطين.

المسيحيون الفلسطينيون

وإذا كانت ثلاثية الأجراس تمثل مواصلة نصرالله للنضال الأدبي الإنساني وبالأدوات الجمالية ضد الصهيونية وتجلياتها ورموزها، فإن الكاتب في روايتين من الثلاثية يعطي مساحات واسعة للفلسطينيين المسيحيين من حيث الوعي والانتماء والتضحيات، سواء أكان ذلك قبل ضياع فلسطين (سيرة عين–بيت لحم) أو بعد ضياعها (دبابة تحت شجرة الميلاد – بيت ساحور). كريمة عبود، أول مصورة فلسطينية، وابنة بيت لحم الميلاد كانت من أوائل من أدركوا خطورة الصورة الصهيونية المزيفة فحملت «كاميرتها» وانطلقت تصور المعالم المحيطة «قبل أن يسرقوا بيت لحم» على ?د تعبيرها. أما بيت ساحور فقد خاضت معركتها في أرضها وفي سياق الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1990) ليثبت المسيحيون الفلسطينيون أنهم جزء من الجسد الفلسطيني وقواه المناضلة المستعدة لاجتراح أساليب جديدة لمقاومة العدو وتقديم التضحيات.

ولست أبالغ إن قلت إن ثلاثية الأجراس، في جانب كبير من رسالتها، إنما هي تحية اعتزاز واعتراف وتقدير للفلسطينيين المسيحيين وبأدوارهم التاريخية في سياق المسيرة الفلسطينية على اختلاف مراحلها. إنها رسالة ضد الفكرة الطائفية، مثلما هي رسالة ضد الصهيونية وأخواتها.