دكتور كميل موسى فرام

ربما من أهم الأحداث التي صنعت تاريخا مؤثرا في حياتي أثناء فترة الابتعاث لجامعة سيدني في أستراليا وحُفِرت فقراته ببُردى القلب هي ولادة الأبنة المدللة رند، التي أطلت بشمسها لتضيء درب العائلة بربوع أيام آذار الربيعية، محطة أحدثت تغييرا ايجابيا منحني دفعة مضاعفة بأدائي العلمي.

كنت بحاجة لهذا الحدث الكبير في حياتي والشعور لتعويض جزء بسيط من صعوبات العمل بالسنة الأولى، فقد وصلت مرحلة بالعمل بعد جهود مضاعفة منحتني الثقة والاستقلالية المقننة التي تحتاج للمراقبة بالأداء كمطلب، فالتعليم واكتساب المهارات المتقدمة والمتميزة ليس مجانيا وليس على حساب حياة من أئتمنونا على حياتهم، فالتدرج بالأداء هو شكل من أشكال الفنون والتخطيط الذي يحتاج لخطة وبرنامج مدروس، والاستعجال بالحصاد لا يمثل تميزاً، فالقفز على الدرج صعوداً أو نزولاً سيحرم صاحبه من جزئية سيندم عليها عندما يحتاج اليها في قادم الأيام وهي بالتأكيد ليست جزء من شخصيتي الخلافية التي بدأت العمل بصراعات وحروب لاثبات الذات ولا أبالغ القول باستمراريتها كقدر جعلني محاربا صلبا ومنتصرا بسبب معرفة حدودي وقدراتي.

أقسمت أن يكون محراب العلم قبلتي ولن أحيد عنها حتى لو كان الثمن مبلغ مالي كنت بأمس الحاجة اليه، ولكنها المناسبة التي تمنحني فرصة تهذيب مهاراتي الجراحية التي اكتسبتها لأتميز وأكون مَرْجِعَاً، عقد اتفاقية مع الذات التزمت ببنوده بأمانة وحصاده اليوم سمعة طبية تتعدى حدود الوطن، فرحلة العلم تتطلب تضحيات بجميع جوانب الحياة؛ تضحيات تشاركية مع العائلة التي عليها إدراك الواقع وثماره، تضحيات مادية ضيقت الخناق على فرص التحرك بحرية، تضحيات شخصية من شجيرات الصحة والراحة، وهناك عين الجامعة كمراقبة للأداء وتحتاج لتقرير سنوي من المشرف والقسم لإستمرارية الايفاد، وسط جدول دوام وعمل مزدحم تضاعفت فيه المسؤوليات وبدأت بحياة الحلم والعشق التي تمنيتها بساعاتي الطويلة شبه اليومية بغرف العمليات، مساعدا تارة وجراحا أول تارة أخرى ومعلما للمقيم المساعد عندما يكون جدول العمليات سامحاً وحسب مزاج المشرف الذي لم يبخل بما يعرف من دلفه علما أو مهارة تطبيق نتيجة الثقة التي شكلت لديه القناعة بتحسن المستوى بتدرج مرغوب.

..ومع كل ذلك لم يخلُ الأمر من محطات النكد والعذاب والقهر التي بدورها تمثل سحابة وبركانا على مقتطفات الحياة الأخرى وأهمها التأثير المباشر العفوي وغير المبرمج على الحياة العائلية مع الزوجة ريندا والأبنة فرح، فخلافاتي مع المشرف لا تتعلق بالعمل أو السلوك لأنني أطبق فقرات الدروس بأبجدية؛ انتظام محكم بالدوام، تنفيذ التعليمات الخاصة بالعمل في القسم والمستشفى والجامعة، إدراك لحدود المسؤولية بدون تدخلات بثوب الأدب والاخلاص، احترام الأنظمة والقوانين بصورة مثالية مقارنة، وفوق كل ذلك، مهارات جراحية متميزة توظف بالتوقيت الصحيح، ومع كل ذلك، فهناك حكاية وموقف سلبي لتحجيم حدود الانبساط، وربما أن شخصية ألن فيرير كمشرف على تدريبي قد غيرت من صفاتي بعض الشيء، وأضافت أشياء أعادت هيكلة شخصيتي وسلوكي بثوب الاستقلال وثبات الرأي والمناقشة دون خوف بحدود الحقيقة والصحيح، وفي واحدة من هذه المحطات التي علمتني درسا، كان هناك إيذاء معنوي غير مبرر أمام طلبة الطب باسئلة تعجيزية عن أساسيات درستها بمراحل البكالوريوس الأولى ولم تطبع بالذاكرة لبعد المسافة الزمنية وعدم الحاجة العملية اليها وتتعلق بترتيب الأحماض الأمينية ضمن خارطة الجينات الوراثية للأفراد، فكنت أمينا بالجواب والقول بأنني لا أذكر ليبدأ فاصل غريب على المناقشة وعنوانه بأبجديات التميز تتطلب الذاكرة، فدمعت قهرا لأنني لا أقوى على الرد لكوني الطرف الأضعف بالمعادلة.

هنا وبلحظة سرعة البرق وجدت الجواب الأنسب بالصمت والطاعة بالرغم أن درجة الغليان الداخلي تعدت درجة التبخر الفكري، فوقوفي ندا له ليس في مصلحتي، ومناقشته أمام معشر الطلبة شكل من اشكال التمادي، وهو الاستاذ وأنا الطالب، معادلة تفرض الاحترام المتبادل بالأساس ولكنها لا تمنح المساواة، ولكوني تأقلمت مع شخصيته العنيدة والجدية، فقررت الاطاعة على مضض بالرغم من الجرح النازف بداخلي، وبعد الانتهاء من المرور التعليمي الصباحي بدقائقه الطويلة، جلست في مكتبي مفكرا ومراجعا وتوصلت بنتيجة التحدث مع رئيس القسم البروفيسور دوجلاس ساندرز بموعد حسب الأصول والذي كان أبا وراعيا ومتابعا لمستوى التقدم بأدائي، فدخلت لمكتبه بإصرار قوي يعكس شخصيتي التي يعرفها ولكنني أعترف أنني هُزمت قهرا فدمعت رغما عني وحاولت إخفاء ذلك دون نتيجة، فبادرني القول عن مشروبي المفضل وأذن لتحضير ذلك كرما منه وتواضعا نفتقر بنوده أو يفسر لدى البعض بغير ذلك، وشرحت له سبب حضوري ومضايقتي وبالتالي سبب دمعتي العزيزة، ليلقيني بإبتسامة بصوته الجهور ويقول: انني سعيد بذلك وربما أنه فاصل من التدريب لم تكتب بنوده على الاتفاقية، حيث بادرني بالاستفسار إن كنت قد تعلمت مهارات جراحية متميزة، فأجبت بنعم ونعم، وهذا جواب ونتيجة كنت أتمناها، ثم أضاف بأنني تعلمت بطريقة غير مباشرة درساُ آخر بأن لا أكون قاسيا على الطلاب والمقيمين في المستقبل وأكرر سيناريو المناقشة والاحراج الذي تسبب بأذيتي، كلمات أطفأت غليان ينتابني وأشعرتني بأن الحكمة غير مقتصرة على المكاسب الطبية فالحياة وظروفها هي المدرسة الأهم لتشكيل شخصية الفرد بالحياة، فالعبرة تتطلب جمع رصيد من الصفات يساهم بإعادة برمجة الشخصية من هيكلها حتى لا تتذبذب حسب المواقف والظروف، فالاستقرار قوة.

حياتنا في بلاد الغربة لم تكن سلسلة وفرضت علينا التكيف بالمجتمع الغربي لنكون جزء منه، بلاد واسعة ورائعة المناخ لشعب طيب مضياف، فيها كل متطلبات تسهيلات الحياة التي يتمناها أي منا بحاضره، بدأً بالنظام والصدق ومرورا بكل الخصائل المثالية، مساحات واسعة من الحدائق الخضراء للتنزة بالمجان تتوفر فيها مواقد الشوي وألعاب الأطفال لقضاء نهاية اسبوع سعيدة، وبعد طول عناء وبحث وجدنا في محيطنا القريب سوبر ماركت لتسويق الأغذية العربية التي نتمناها الأمر الذي سهل لنا الكثير، وكنا نقطن بواحد من أرقى الأحياء المطلة على بحر سيدني وقريب من المستشفى الذي أعمل فيه، ويحيطنا عدد كبيرمن أسواق التسوق، ولكن ذلك ليس كافيا لإطفاء شوق الحنين للوطن والأهل، فكلاهما لا يعوض بأي ظرف، وربما وجود جالية أردنية كبيرة مهاجرة ومنها أقارب من الدرجة الأولى قد سهل لنا أمورا كثيرة، فطربنا بالحفلات المتعددة على الأغاني الأردنية وشاركنا الجالية معظم مناسباتنا الوطنية بكرم يفوق حدود الوصف، وكنا ضيوف مرحب فيهم بمنازل الأحبة حتى لو كان ذلك بجزئية التعرف العائلي، ولكن الأمر كان ضمن الضوابط التي تحافظ على خصوصية الوحدة العائلية دون السماح لأحد بالتدخل أو بالمشورة ومعاملة بالمثل من قبلنا.

وعلى المستوى الشخصي كان هناك تعهد لاسعاد زوجتي وأبنتي وتعويضهم عن الفترة السابقة، والتي رافقها حدوث الحمل الثاني للعائلة الذي احتاج لرعاية بشكل مختلف، وبجميع ما جادت به ذاكرتي من هناك وتسمح الظروف بكتابته الآن عبر هذه المذكرات فقد كانت الحياة حلوة حتى بلجظات مرها بعد أن حُرمنا من تلك الفرص في سنة الاختصاص الأولى لظروف العمل الطويلة التي فرضها الواقع التي اختصرت بنتيجتها طريق اكتساب مهارات منحتني كبرياء الجراح الواثق والمسيطر الذي لا يعرف التردد أو الخوف بعمله.

تعلمت درسا آخر من دروس الحياة يضاف لرصيدي بتحصيل المعرفة حيث اضطررت لهضم درس من دروس الحياة ضمن مساق نتائج التجارب، فزميل اختصاص الدكتور روبرت تبرع بتحويل حالتين مرضيتين ضمن اختصاص وحدتنا مع رجاء الاتصال به عند تحديد موعد العمليتين لرغبته بالحضور والمراقبة، وقد بلغت الأمر للمشرف الذي ابتسم على غير عادته برسالة مفادها أن النسيان كفيل بالجواب.

عندما اقتربت ساعة العملية ذهبت بنشاط لأذكر الن فيرير بوعدنا ليعطيني درسا ونصيحة لم أقتنع بصحتهما بذات الوقت وشرح لي قائلاً: هلى تعلم يا كميل لماذا يريد الحضور بإصرار؟

كان الصمت جوابا غير مقنع ولكنه معبر حتى لا أجد نفسي محرجا بين صديقين وأنا الغريب بينهما، ليبادر بإسهاب بالشرح والتوضيح ويعطيني نصيحة: تحويل الحالات من الدكتور روبرت ليس محبة أو كرما، بل ثقة بالعمل وعدم قدرته على إجراء عملية جراحية متقدمة بمهارات وفنون، وحضوره يعني أنه قناصٌ ماهرٌ ومراقبٌ ثاقب، سيستفسر عن الخطوات ويكتسب مهارات بالمجان تمكنه من تطبيقها لحالات قادمة فنحرم من تحويل مثل هذه الحالات.

وأضاف: عليك أن تتذكر الثمن الغالي الذي دفعته بمجيئك لتتعلم وتصقل مهاراتك، واحتفظ ببعض منها لتتميز، فلا تتبرع بنشر أسرارك لأقرب الناس المنافسين، حيث بادرت بالاستفسار منه: ولماذا صرفت جهدا لتعليمي تلك المهارات؟

فأجاب مبتسما: ببساطة لأنك ستغادر بعد فترة وإن طالت ولن تنافسني بعملي هنا، وأريد أن تعكس في بلادك وكليتك المستوى الأفضل بالمهارات الجراحية والخطط الجراحية لتتميز فأحافظ على سمعتي ومستوى التدريب في بلدي، وتأكد أنك بعكس ذلك ستكون شريكا ببعثرة رصيدك المتميز دون تقدير، فرسالة التعليم يجب أن تحكمها الظروف وبقدر ضمن اصول تفرضها معطيات الواقع، ويجب أن تكون بتدرج يعتمد على سلوك الطرف الآخر، فمن حقوق الانسان الناجح الاحتفاظ بجزء من منجزاته لذاته، فالطبيعة البشرية تجعلنا بصراع مستمر، وكلمات الحوار هذا أدخلتني بمراجعة شاملة لأسس العطاء بعد أن قفز السؤال المنطقي» هل احتكار المعرفة بأية صورة هو حق أم أنانية؟ بعد عدة تجارب وعندما عدت إلى أرض الوطن والعمل بحماس مخالفا الوصية ليثبت الزمن عظمة ذلك الانسان الذي نصحني بل ويبرهن انني كنت مخطئا عندما تمسمرت خلف بند اخلاقيات انتهى مفعولها بحكم الزمن ونتائج التجارب، فالتمرد ووضع الأمور بقالب الأمر والواجب متلحفة بثوب الإخلاص ليس علاجا يمكن اللجوء اليه دائما، بل ينحصر بحالات يقدرها ويشخصها الطبيب الماهر، عبرة استوعبت قيمتها بعد عدة محاولات فاشلة لاثبات العكس على أرض الواقع لأعود للمربع الأول باسس الحياة أن التعلم بالمجان لن يكسب مناعة وهذا لا يعني أن ينحصر مقابل ثمن مادي، فالثمن المعنوي أكثر قيمة وأطول عمرا.

بالرغم من كل ذلك، فقد كان الاهتمام الأصلي على ظروف العمل والدراسة لأنها الأساس لهذه الغربة والرحلة ضمن فترة زمنية عمرية ستقطع مرحلة من سنوات العمر، فترة ابتعاث حصلت عليها بعد مخاض عسير، رحلة أتممت مواد دستورها بعناء ومشقة، بدأت العمل ببيئة مختلفة تماما عن خبراتي السابقة، فالجدية واحترام عامل الزمن هما الأساس، بالتوازي مع عدم التفريط بأي معلومة أو نتيجة، حتى اللغة الاسترالية بدأت رحلتها بعالمي بصعوبة لأنها خليط من اللغة الأمريكية التي أتقنها والانجليزية التي تعلمناها بالمدارس، وبرغم ذلك فهناك لهجة محلية تعتمد على الاختصارات التي لم أألفها، كما أن المستوى التعليمي بسقف مرتفع ألزمني بمراجعة مواد الاختصاص من البدايات وتعدى ذلك لمراجعة حرفية للعديد من المواد الأساسية الطبية، والمتخيل للسيناريو هذا يدرك حجم العبء والواجبات فكنت دائما بقدر العشم للانجاز، فتحدي الزمن أحيانا بعزيمة القدرة على الأداء بحرفية منحتني درعا واقيا من الأحداث ومناعة من المجهول، والاستعداد بتخطيط عقلاني سليم ووضع خطة بديلة لتعثر طريق الخطة الأولى لأي سبب عنوان للحرص على النجاح بالدرجة الكاملة، ودعني أعترف بأمانة بعدم خسارة أي منافسة أو صراع بسلاح الصدق والأمانة حتى لو تبرع البعض بشهادة زور مبرمجة أو مفصلة بمقاس الحدث وللحديث بقية.