د. أسامة حمدي

سألنى الكثيرون هل يمكن الشفاء من مرض السكر من النوع الثاني الشائع في العالم؟

قلت: ممكن جدًا ولكن في خلال السنوات الخمس الأولى لتشخيص المرض!

قال: وإن كان بعد ذلك؟

قلت: ربما قد تشفى منه أيضًا، ولكن إن لم تشف منه تمامًا ستقل مضاعفاته ومشكلاته وجرعات علاجه إذا عرفت كيف تعالجه بالأسلوب الصحيح.

قال: كيف؟

قلت: لتفهم ذلك عليك أن تعرف دائرة السكر المغلقة والقاتلة التي يدور فيها المرضى لعدة سنوات قبل حدوث السكر. ففهم هذه الدائرة وكسرها والخروج منها يؤدي للوقاية وربما الشفاء التام من السكر، وهو ما لم نكن نظن أنه ممكنًا في الماضي.

قال: زدني! قلت: تبدأ الدائرة بوجود عامل وراثي في الأسرة كالأب أو الأم أو الإخوة والأخوات. وحقيقة الأمر أنك لا ترث منهم مرض السكر مباشرة، ولكن ترث منهم مجموعة من الجينات حين تنشط تجعل جسمك يقاوم الأنسولين الذي يفرزه بنكرياسك!

قال: كيف؟ قلت: هذه الجينات تقوم بعملها وتنشط فقط إذا زاد إفراز الإنسولين في الجسم فتقوم بوقاية الجسم من الإنسولين بمقاومته.

قال: فهمني أكثر؟.

قلت: في سن 30-20 سنة يزيد معظم الأشخاص في الوزن بين 2-1 كيلوجرام نظرًا لتحول ميتابوليزم الجسم ناحية تخزين الطاقة أكثر من حرقها وهذا طبيعي، ولكن ما لا تعرفه وهو المدهش أن 2-1 كيلو فقط زيادة في الوزن قد تكون كافية لدخولك في الدائرة المغلقة حتى يحدث مرض السكر إذا كنت تحمل هذه الجينات من والديك!

قال: كيف؟

قلت: حينما تزيد في الوزن يحتاج جسمك لطاقة أكثر كما السيارة كبيرة الحجم تحتاج بنزين أكثر لتعمل. بنزين الجسم هو السكر الذي يأتى من أكل النشويات، لذا فإن الجسم يحتاج سكر بمعدل أكبر كلما زدت في الوزن. ولكن لكي يدخل السكر إلى الخلايا ليمدها بالطاقة التي تحتاجها يحتاج الجسم إلى كمية أكبر من هرمون الأنسولين والذي يفرزه غدة البنكرياس والواقعة داخل تجويف البطن، فالأنسولين كالمفتاح الذي يفتح باب الخلية ليدخل السكر وبدونه لا تدخل الطاقة لجسمك، فكلما احتجت سكر أكثر احتجت مفاتيح أكثر أي أنسولين أكثر.

قال: ثم ماذا؟

قلت: لأن بنكرياسك ما زال سليمًا حتى هذه اللحظة فهو يفرز كمية أكبر من الأنسولين ليلبي احتياج الجسم لمزيد من الطاقة، ولكن تذَّكَر أن الجينات التي ورثتها ستجعل جسمك يقاوم الأنسولين إذا زاد إفرازه كما ذكرت من قبل وقد زاد الآن وهنا لُب المشكلة!

قال: كيف؟

قلت: الأنسولين نفسه هرمون نمو وزيادته تسبب زيادة جديدة في الوزن فيغلق بذلك الدائرة! تزيد في الوزن أكثر فتحتاج سكر أكثر فيفرز البنكرياس أنسولين أكثر فيقاوم جسمك أكثر فتفرز أنسولين أكثر فتزيد في الوزن أكثر وأكثر وهكذا! فقد تبدأ ب 2-1 كيلو لتصل إلى 20-10 كيلو زيادة أو أكثر حسب قدرة بنكرياسك السليم على زيادة إفراز الأنسولين!

قال: فمتى يحدث السكر؟

قلت: عند مرحلة ما سيقول البنكرياس لا أستطيع أن أفرز أكثر... هذا أكثر ما عندي فيبقى السكر في الدم ولا يستطيع دخول الخلايا لأن الجسم أصبح يقاوم الأنسولين بشدة! هذا هو سر حدوث مرض السكر من النوع الثاني، فلو قست السكر في الدم سيكون مرتفعًا وإذا قست الأنسولين أيضًا في الدم سيكون مرتفعًا والخلايا رغم ذلك عاطشة للسكر ولا يدخلها طاقة فيشعر الشخص بالإرهاق والتعب وبالجوع والرغبة في أكل المزيد من النشويات والسكريات والتي تزيد الطين بلة ويزيد الوزن أكثر، وينزل السكر الزائد إلى البول ومعه الماء فتتبول أكثر وتعطش أكثر.

قال: ما الحل؟

قلت: الخطأ الذي كنا نرتكبه سابقًا كأطباء هو محاولة تنبيه البنكرياس ليفرز أكثر وبالتأكيد سيخفض ذلك السكر في الدم ولكن لفترة قصيرة، ولكن أسلوب العلاج هذا سيجعلك مستمرًا في الدوران في الدائرة المغلقة لتزيد أكثر في الوزن ويقاوم جسمك الأنسولين أكثر وأكثر.

قال: وماذا عن العلاج بالأنسولين؟

قلت: إعطاء الأنسولين في هذه المراحل الأولى سيدفعك كذلك للدوران في نفس الدائرة المغلقة فجسمك ما زال ينتج كمية كبيرة من الأنسولين فستستمر في زيادة الوزن ليزيد الطبيب في جرعات الأنسولين فيتحسن السكر لفترة قصيرة ثم تستمر ثانية في الدائرة المغلقة وتزيد أكثر في الوزن!!

قال: وما الحل إذن؟

قلت: الحل الوحيد هو خفض الوزن في هذه المرحلة وهو أهم ما يمكن عمله لكسر الدائرة والخروج منها قبل فشل البنكرياس التام. فلقد وجدت في أبحاثي بأميركا أن خفض الوزن بنسبة %7 يحسن من حساسية الجسم للأنسولين بنسبة %57 وهي نسبة كافية لقلب الدائرة في الاتجاه العكسى حتى الشفاء من السكر في السنوات الخمس الأولى للمرض، وهو ما يعد طفرة في فهمنا للمرض وكيفية علاجه وربما الشفاء منه.

قال: كيف تعكس الدائرة؟

قلت: كلما انخفض الوزن زادت حساسية جسمك للأنسولين وقلَّت مقاومته له. فإذا زادت الحساسية ستحتاج لأنسولين أقل لإدخال الطاقة إلى الخلايا وانخفاض الأنسولين سيخفض معه الوزن لتزداد حساسية جسمك أكثر وأكثر وتنقلب الدائرة في الاتجاه العكسي حتى يشفى المريض بشرط ألا تدفعها مرة ثانية في الاتجاه الخاطئ بزيادة الوزن.

قال: وما دور العلاج هنا؟

قلت: الدواء الوحيد الذي يحسن حساسية الجسم للأنسولين هو الميتفورمن أو كما يسمى جلوكوفاج أو سيدوفاج ولكنه لا يغني عن خفض الوزن. فأبحاثنا عن الوقاية من السكر في دراسة كبيرة بأميركا سميت «البرنامج القومي للوقاية من السكر» وجدنا أن خفض الوزن بنسبة %7 يقلل من فرص الإصابة بالسكر عند من لدية الاستعداد بنسبة %58 في حين يمنعها الميتفور من بنسبة $31 فقط.

قال: هذا خبر عظيم وأمل كبير! قلت: نعم إذا تم خفض الوزن بهذه النسبة في السنوات الخمس الأولى للمرض فيمكن الشفاء التام منه لأن البنكرياس في السنين الأولى ما زال يفرز كمية كافية من الأنسولين كما ذكرت ولكن الجسم كان يقاومه بشدة.

قال: وكيف أعرف أنه تم الشفاء من السكر من النوع الثاني؟

قلت: ينخفض مستوى السكر التراكمي إلى تحت ٪6٫5 بدون أدوية، ولكن الشفاء التام هو انخفاض السكر التراكمي لتحت %5.7 وبدون الحاجة للأدوية

قال: ما هي الطريقة المثلى لخفض الوزن؟ قلت: هذا حوار طويل آخر..!!