عمان- إبراهيم السواعير

في طرحه لموضوع (الثورة الرقميّة والإبداع: التحدّيات والآثار: من أجل رؤيةٍ عربيّة)، تحدّث الناقد والروائي الدكتور سعيد يقطين عن التحدّي العصريّ، إذ فرض علينا عصر النهضة العربيّة طرح أسئلةٍ حول العصر الحديث، متناولاً الاتجاه التقليدي القائل بأنّ مستقبلنا في ماضينا؛ فكان موقفه سلبياً من العصر لأنّه وليد ثقافة الآخر، وأصحاب الاتجاه الليبرالي الذين رأوا أنّ مستقبلنا معقودٌ على تبنِّي الثقافة الغربيّة الحديثة، معترفاً بأننا إلى اليوم ما نزال نقيم ثنائيّة "الأصالة والمعاصرة"؛ إذ لا تختلف الثورة الرقمية عن الإبدال الذي فرض علينا السؤال: من نحن ومن الآخر؟!.. ذلك أننا أمام عصرٍ جديد(العصر الرقمي) الذي يفرض تحديات جديدة على البشريّة جمعاء، داعياً إلى أن يتخذ العرب موقفاً واضحاً يصِلون من خلاله إلى كيفية الانتقال إلى العصر الرقميّ والانخراط فيه، وكيفيّة تجاوز عتبة "استهلاك" ما ينتجه الآخرون من تقنياتٍ جديدة، وأفكار، وإبداعات جديدة تتماشى معه، إلى"الإنتاج" الذي يؤهلنا للمساهمة في تطوير منجزات هذا العصر، فكريًا وتكنولوجيًّا.

تحدث يقطين، في ملتقى الشارقة للسرد العربي: الرواية التفاعليّة، ماهيتها وخصائصها، الذي أقامته الدائرة الثقافية بإمارة الشارقة في عمان، عن التحدي التاريخي/ التراثي، مؤكّداً أنّ تجديد علاقتنا بتراثنا في مختلف أشكاله وصوره بما يتوافق مع هذه الثورة هو جزءٌ من التحدي العصري لأنّه نظير ما وقع حين عرف العرب الطباعة، فعملوا على طبع التراث العربي بالاستفادة من علم "التحقيق"، وتساءل يقطين: هل يكفي تصوير تراثنا ونقله إلى الفضاء الشبكيّ بقصد تخزينه، وأرشفته، لادّعاء أننا منخرطون في العصر الرقمي؟!.. أم لا بدّ من "ترهينِ" تراثنا في مختلف صيغه وأشكاله الشفاهيّة والكتابيّة والطباعيّة ليقدّم من خلال ما توفّره لنا عمليّة الترقيم والرِّقامة من إمكاناتٍ تتعدى التصوير؟

وفي حديثه عن التحدي الثقافيّ/ الإبداعي، قال يقطين إنّ امتلاك المعرفة الرقمية، ومحاربة الأميّة المتصلة بها، وتطوير الأنظمة التعليمية والتربويّة، وإنتاج الفنون والآداب والعلوم صار مرتبطاً بوثوق الثورة الرقمية؛ فلماذا تأخر إنتاج نصوص إبداعيّة في مختلف الفنون والآداب العربيّة بالاستفادة مما حققته الثورة الرقمية على الصعيد العالمي؟ ومتى، وكيف يمكننا تجاوز هذا التحدي بهدف إنتاج النصّ الرقمي العربي، سواءً على مستوى الثقافتين العلميّة والأدبيّة.

وتناول يقطين مجالات البحث في الثورة الرقمية، متحدثاً عن (الرقميات) المتّصل بالعتاد والبرمجيات بصورةٍ عامّة، والترقيم باستفادته، كاختصاصٍ من الرقميات، مبيّناً أنّه لا يمكن أن يشتغل به المهندس في الرقميات دون الاستعانة بالباحث في الإنسانيّات الرقمية بصورة عامّة، وبالدراسات الأدبية واللغوية واللسانيّة، بصورة خاصّة، لأنه يعمل على نقل التراث الشفاهي والكتابي والطباعي إلى الفضاء الرقمي. وتحدث كذلك عن الرِّقامة المتصلة بمحاربة الأميّة الرقمية، سواءً لدى المواطن العادي أو التلميذ أو الطالب أو المشتغل بأيّ اختصاصٍ علميٍّ كيفما كان نوعه.

وتحدث يقطين عن الثورة الرقمية والعالم الجديد قيد التشكّل، عارضاً إلى بروز عالمٍ جديدٍ نتج عن الثورة الرقمية يتحدد من خلال الفضاء الشبكي الذي بُني على دعامتين مترابطتين هما العتاد التكنولوجي والبرمجيات. وقال إنّ الثورة الرقمية هي نتاج تطوّر الوسائط والثقافات، معترفاً بأنّ الثقافة الرقمية مرحلةٌ عليا في تاريخ البشرية، معتبراً الثورة الرقمية امتداداً للحلم الإنساني في تطوير وسائطه، مخالفاً آراءً عربية تعتبر الثورة الرقمية قطيعةً مع ما سبقها من مراحل، وتتوقع نفيها ونسخها لما تحقق في المراحل السابقة، بادعاء مثلاً أنّ النصَّ الرقميَّ سيقضي على الكتاب الورقي.

وناقش يقطين موضوع شمولية الثقافة الرقمية واستيعابها واستجماعها لكلّ الوسائط الشفاهيّة والكتابيّة والطباعيّة والجماهيرية التي مارسها الإنسان في تاريخه الطويل.

ودعا يقطين إلى التجديد وإعادة النظر، منطلقاً من أنّ التمايز بين الأمم والشعوب يكمن في مدى الانخراط فيها، أو الإسهام في تطويرها. ونادى بفهمنا للتحديات فهماً عملياً، وتبنِّي براغماتيّة لولوج العصر الرقمي بدون الخوض في النقاشات والسجالات الخاطئة، ولا سيما ما كان منها متصلاً بالإيديولوجيا.

ورأى أن الثقافات تتمفصل حسب الوسائط؛ إذ تمّ الانتقال من الوسيط الشفاهي إلى الجماهيري من الثقافة الشعبيّة إلى الجماهيرية مروراً بالثقافة العالمة، وفي كلّ مرحلةٍ من مراحل التطوّر كانت تتطوّر العلاقات بين الناس.

وأنهى يقطين ورقته بتتبعه تطوّر الإبداع العربي في علاقته بالوسائط، متناولاً الشفاهة، والكتابة، والطباعة، والوسائط الجماهيرية، والوسائط الرقمية، خالصاً إلى أنّ تطوُّرَ الوسائط ذو أثرٍ واضح في تطوير الثقافات والإبداعات على المستوى العربي، لكن، على المستوى العربي يمكن أن يبرز لنا ذلك بجلاء أكبر، ماراً على الثقافة الرقمية من الترابط إلى التفاعل مهتماً بالإنسانيات وتجاوز الإكراهات على التواصل، مؤكّداً على موضوع الترابط النصيّ أو "الهايبر تيكست" الذي هو قوام الثورة الرقمية، لأنّ الانتقال من النص إلى النص المترابط هو تحقيقٌ في النهاية لحلمٍ إنساني.